|
القدس المحتلة / ذكرت صحيفة “هآرتس” العبرية امس، ان وزير الخارجية الاميركي جون كيري يعمل على بلورة مبادرة سياسية جديدة لاستئناف العملية السلمية على أساس حدود عام 67 مع تبادل اراض، مقابل عدم توجه الجانب الفلسطيني الى مجلس الأمن الدولي لتحديد جدول زمني لإنهاء الاحتلال الاسرائيلي.
وكان الرئيس محمود عباس أعلن في خطابه في الجمعية العمومية للامم المتحدة في أيلول بانه سيضع على طاولة مجلس الأمن مشروع قرار يحدد جدولا زمنيا لانهاء الاحتلال الاسرائيلي في الضفة الغربية. بعد اسبوع من ذلك وزع الفلسطينيون مسودة مشروع قرار يدعو الى الاعتراف بفلسطين كدولة، وانسحاب اسرائيلي من الضفة حتى تشرين الثاني 2016 ومرابطة قوة دولية في المناطق التي يخرج منها الجيش الاسرائيلي. ليس للخطوة الفلسطينية جدول زمني واضح ولم يتقرر موعد للبحث في المشروع او التصويت عليه. ويقدر كيري بأنه يوجد له الى هذا الحد أو ذاك شهر لايجاد حل للازمة، كون الفلسطينيين يعتزمون الانتظار الى ما بعد الانتخابات النصفية للكونغرس الاميركي، والتي ستجرى في 4 تشرين الثاني قبل ان يبدأوا في السعي الى التصويت.
وقالت الصحيفة ان الادارة الاميركية قلقة جدا من الخطوة الفلسطينية في الامم المتحدة والكفيلة باحداث أزمة خطيرة بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، وواشنطن معنية بمنع الحادثة المحتملة وهي لا تزال في مهدها. وأوضح الاميركيون للفلسطينيين بانهم سيستخدمون حقهم في “الفيتو” في مجلس الامن اذا لزم الأمر. ومع ذلك، في الوقت الذي تجند فيه الولايات المتحدة الدول العربية للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الاسلامية (داعش)، ففي البيت الابيض يرغبون ببذل كل جهد للامتناع عن ذلك.
وأشار المسؤولون الاسرائيليون دون ذكر أسمائهم بسبب الحساسية الدبلوماسية الى أنه رغم فشل محادثات السلام في نهاية آذار ودخول مبادرة السلام الاميركية في الجمود العميق، فان كيري عاد في الشهر الاخير للانشغال المكثف في الموضوع.
قبل اسبوعين التقى كيري في نيويورك رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو وقال له انه يعتقد انه لا يزال ممكنا توجيه الخطوة الفلسطينية في اتجاه ايجابي. وأوضح بأنه أخذ انطباعا من حديثه مع الرئيس عباس، قبل بضعة أيام من ذلك بان الطريق الوحيد لمنع الخطوة الفلسطينية في الامم المتحدة هي عرض بديل ذو مغزى.
مسؤول اسرائيلي ضالع في تفاصيل اللقاء بين نتنياهو وكيري قال ان وزير الخارجية الاميركي فحص مع رئيس الوزراء مدى استعداده للعمل من أجل دفع مبادرة سياسية الى الامام تقنع الرئيس عباس بتجميد خطوته في مجلس الامن واستئناف محادثات السلام.
وسأل كيري، نتنياهو مااذا، وفي اي ظروف سيوافق على ان يدخل في المبادرة الجديدة التي تستند الى المبدأ القائل ان المفاوضات على الحدود بين اسرائيل والدولة الفلسطينية ستجرى على أساس خطوط 67 مع تبادل للاراضي. وجاءت أسئلة كيري لنتنياهو للفحص اذا كان ممكنا توفير استجابة للمطالب التي عرضها الرئيس عباس في خطابه في الامم المتحدة وفي مسودة مشروع القرار في مجلس الامن واقناعه بذلك بتجميد الخطوة في الامم المتحدة.
وقال مسؤولون اسرائيليون وأميركيون ان نتنياهو لم يرفض تماما أفكار كيري، اما عمليا، فمن ردوده العمومية أخذ الانطباع بأنه ليس متحمسا لها. وفي اثناء الاتصالات في أشهر كانون الثاني – آذار على وثيقة الاطار الاميركية – التي كان يفترض بها ان تتضمن مبادئ على أساسها تمدد محادثات السلام – وافق نتنياهو على ادارة مفاوضات على اساس خطوط 67 مع تبادل للاراضي. ومع ذلك، فقد اشترطت موافقته سواء في ان يتمكن من عرض تحفظات عامة على الوثيقة أم في أن يوافق الفلسطينيون على مطالب اسرائيل الامنية ويقبلوا مبدأ الاعتراف باسرائيل “كالدولة القومية للشعب اليهودي“.
ولمح كيري الى الخطوة التي يحاول تحقيقها في مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية المصري سامح شكري في القاهرة يوم الاحد الماضي في ختام مؤتمر اعمار غزة. فقد قال: “نحن نعتزم المواصلة. ولا نتوقف. نحن ملتزمون بمواصلة طرح أفكار على الطاولة ومواصلة الحديث“.
في المحادثات مع كيري وكذلك في اللقاء الاخير مع الرئيس باراك اوباما طرح نتنياهو امكانية ادخال الدول العربية الى خطوة استئناف المسيرة السلمية مع الفلسطينيين، مثلما صرح في خطابه امام الجمعية العمومية للامم المتحدة والذي دعا فيه الى تعديل مبادرة السلام العربية. ورد البيت الابيض بشك كبير على أفكار نتنياهو، ولكن كيري بالذات لم يرفضها رفضا باتا.
في مؤتمره الصحفي في القاهرة، لمح كيري الى امكانية تعديل مبادرة السلام العربية ودمجها في خطوة لاستئناف مسيرة السلام. فقد قال كيري: “تصوروا الامكانية… ان تكون مبادرة السلام العربية أخيرا – بهذا الشكل او ذاك – ليس بالضبط مثلما هي مكتوبة اليوم، بل كجزء من المفاوضات، لتكون أساسا وقاعدة“.
ورغم مساعي كيري، فان فرص نجاحه متدنية. ولعله الشخص الاخير في الادارة الاميركية الذي يؤمن بأنه يمكن استئناف المفاوضات. ودفعه ايمانه العميق الى الحديث بشكل غريب حين وصف في المؤتمر الصحفي في القاهرة أسباب فشل مبادرته للسلام في شهر آذار.
فقد ادعى كيري بان المفاوضات انهارت بسبب مواضيع فنية. قائلا “هذا حصل بسبب أمور مثل توقيت تحرير السجناء وليس بسبب خلافات اساسية ومبدئية، رغم أنه كانت كهذه أيضا”، واضاف بانه تحقق تقدم هائل في بعض المجالات.
اذا فشلت مبادرة كيري، سيكتفي الاميركيون بانجاز اكثر تواضعا بكثير – تأخير الخطوة الفلسطينية وكسب مزيد من الوقت. يخشى الاميركيون من أنه اذا انطلقت الخطوة الفلسطينية على الدرب، فستصبح كرة ثلج تغلق كل فتحة أمل لاستئناف المسيرة السلمية في السنوات القريبة القادمة.
وحسب هآرتس، فان أحد اسباب التخوف الاميركي الشديد من آثار الخطوة الفلسطينية هو الاحساس بأنه صعب جدا توقع خطوات الرئيس عباس، الذي يتخذ خطا متصلبا للغاية. ففي الادارة يخشون من أن استخدام الفيتو في مجلس الامن سيدفع الفلسطينيين الى تصعيد خطواتهم في مؤسسات الامم المتحدة.
في مثل هذه الحالة سينضم الفلسطينيون الى عشرات اخرى من المواثيق الدولية، وطلب الحصول على مكانة دولة في الوكالات المختلفة في الامم المتحدة بل وحتى استخدام “سلاح يوم الدين” – التوقيع على ميثاق روما والانضمام الى المحكمة الدولية الجنائية في لاهاي. واذا كان حتى قبل بضعة اشهر التقدير في الادارة الاميركية بان الرئيس عباس لن يقدم على عمل ذلك، فانهم في واشنطن لا يستبعدون اليوم مثل هذا السيناريو.
ورغم أن نتنياهو لا يسارع الى تبني افكار كيري، الا انه هو ومستشاروه قلقون جدا من الخطوة الفلسطينية في مجلس الامن. في محيط نتنياهو يخشون من ان الخطوة الفلسطينية في الامم المتحدة لن تجر فقط تصعيدا في الضغط الدولي على اسرائيل بل وايضا وربما اكثر تخلق أزمة في الائتلاف، وتؤدي الى تطرف المواقف وتعاظم الضغوط السياسية التي تجعل استئناف المفاوضات متعذرا في المستقبل المنظور. ولا يفكرون في تل ابيب في هذه المرحلة، في مبادرة سياسية تنقذ اسرائيل من الأزمة، بل يفضلون التركيز على محاولات منع الخطوة الفلسطينية في مجلس الامن بوسائل دبلوماسية. فاسرائيل على علم جيد بالحساسية الاميركية بالنسبة لاستخدام الفيتو في الوقت الحالي وفي موضوع كهذا. وشرط الحد الادنى لاتخاذ قرار في مجلس الامن هو تحقيق تأييد لـ 9 من أصل 15 دولة عضو في المجلس. واذا حقق الفلسطينيون تأييد 8 دول فقط، فلن تضطر الولايات المتحدة الى استخدام الفيتو.
ولم يأتِ تعقيب من وزارة الخارجية في واشنطن على ما اوردته “هآرتس“.
|