ثقافة وادبزوايا

تأملات ما بعد الكارثة…بقلم:سليم النفار

        فهرس

اما وقد هدأت الطائرات, وكفت السماء عن القاء حملها الناري علينا, فان الارض هنا لم تسترح بعد, فمازالت تتأمل اجنابها, وشكلها الجديد, الذي لتوه يخرج من معامل التشويه العصري.

الاطفال على حواف بيوتهم المتلاشية, يحاولون الامساك بشيء من الماضي, ليس حبا بالماضي, بل تأصيلا لذاكرتهم التي باتت قيد التدوير هنا, في كل مرحلة تأخذ شيئا منهم, من احبابهم وبيوتهم و متاعهم والعابهم, وذكرياتهم التي نقشوها على الرمل والجدران والشجر.

النسوة تبحثن عن رجالهن, فإحداهن تبحث عن اخ كان يشاطرها البيت والهم والحلم, واخرى تبحث عن زوج لم يعد يدفئ ضلوعها في ليل الشتاء الطويل , فتلوذ الى صمتها و مرآتها دمعة تترقرق في صحن وجهها الشاحب, تحاول البحث عن ذكريات في المكان , عن قميص علقت به رائحته , او منديل طرز ذات يوم عليه  كلمات لها , ربما تجد شيئا ما تستقوي به على الفاجعة, واخرى أكل الدهر منها ما يريد قهرا وحلما, تتحسس تجاعيد الزمان في وجنتيها, وتسأل السماء: عن خزينها من العمر, عن ولد رعته كما يرعى الفلاح اشتال زرعه, كبر الولد كشجرة لوز, اضاء عتمتها فاطمأنت به, واليه من تفاصيل الزمان , في هذا المناخ المكفهر ,كلهن يفتشن عن ضالتهن في الحياة, التي لم تعد كما رسموا وكما اشتهين ذات يوم ,ولكن هنا لا شيء يجيب غير الخراب ,غير الاسى والالم الذي يطفح من عين المكان واهله ,فاين تفيق الذكريات واين تصحو الحياة في هذا المشهد ,الذي لم يعد يشهد غير الانين , والموت المستطير؟

الرجال هائمون , يحاولون فعل شيء ما ,يذكرهم برجولتهم, ولكن الرجولة ليست صفة بيولوجية او صفة جسمانية تفيد التميز من حيث القوة, انها فاقدة هنا لأي توصيف ,فالرجل هنا يعني حمل الاعباء ,واي اعباء  يستطيعها: البيت المدمر الذي لا يمتلك قدرة اعماره ,ام تلبية احتياجات الاسرة في مكان, لا يوفر الحد الادنى من شرط الحياة, فلا عمل ولا امل في ذلك ,في هذا السياق  العبثي لا شيءسوى ان يبحث عن اعطية من هذا الحزب او ذاك ,من هذه الجمعية او تلك…وهكذا يتسلل القهر ,وينداح العمر بين احتياج واحتياج ,فلا سماء تظلل روحهم, ولا كهرباء تضيء عتمة المسالك ,والماء ملح اجاج.

 

 

يا الله كم قاس هذا العجز…فهل ثمة انساق من الكلام ,تجيد غير ذلك في الوصف , وهل كل ذلك قارب ما خلخلته الطائرات في الروح ,وما اصاب المكان من نسف ؟؟

انها اسئلة جارحة وفاضحة ,لحال يدوم ,ويدوم …دونما ان تروم الناس افقا ,غير ما فيها من اذى وهموم …فأي مانع يحول دون قيامتها ,وما عساها تنتظر في رماد هذا السكون ؟؟

ان الحرب ليست لعبة ,وليست غاية ,ولا ارانا نهاب الموت ,ولكننا نحب الحياة ونسعى اليها , ومن اجلها بهية زاهية ,لنا ولأطفالنا ,سندفع الدماء حينما لا يكون غير ذلك من ممر اليها ,ولكن ان يُدفع هذا الدم بالمجان , ولمصلحة تُجافي روح المكان ,فتلك طامة كبرى ,تستوجب اعادة الحسبة ,وقراءة الميزان.

لاشك بان قابيل على الضفة الاخرى من فضائي ,مازال معجونا بالشر ,كل الشر

ولكن الا توجد طريقة اخرى لمواجهة هذا العصف النازي ,الا توجد وسائل اخرى تمكن اطفالنا من اللعب تحت سماء هادئة ,الا توجد ادوات اخرى تخرج هذا الوحش من بيتنا ,وحدائقنا وبحرنا؟؟

ثمة وسائل وطرق نعتقد بنجاعتها ,وان طالت المسالك اليها ,ولكن شرط الله في الحياة هنا ,لا يُرتهن لهذا التاجر او ذاك ,فدمنا ليس صفقة في بازار المصالح المتضاربة ,وحلمنا لنا , فليس هناك من هو ادرى منا بطرقه .

فهل نعيد تصويب الرؤى ,هل نكف عن مغالاتنا ,ونسمي الاشياء باسمها ؟

اعتقد ان ذلك هو العنوان الحقيقي للانتصار ,وبوابة الدخول الى الشجاعة الحق ,فالان تفتح السماء غيماتها ,تدلق  ما تيسر من ماء يطهر الروح والتراب ,ولكننا هنا فوق الخراب , تغسل الماء لحظة الغبش التي اسميناها “انتصار” وتعيدنا الى سؤال تلو السؤال :اذا كيف الانهيار ,وما هي سمات الفصل بين الليل والنهار ؟؟

 

 

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى