الإثنين, مايو 18, 2026
spot_img
الرئيسيةالاخبارإيديولوجية التطرف: السجن، الجهاد والقطط المتفجرة

إيديولوجية التطرف: السجن، الجهاد والقطط المتفجرة

فهرس

عمان – بعد سنة من قيام بريطانيا بتسليمه للسلطات الأردنية، يجلس عمر محمد عثمان، المعروف بـ”أبو قتادة”، المبشر قوي البنية المتهم بكونه رجل “القاعدة” في أوروبا، يجلس مسترخياً في غرفة جلوسه الفخمة المزينة بالزنابق البيضاء في العاصمة الأردنية، عمان. ويضحك وهو يشاهد صورة على “إنستغرام” فيها قطّة صغيرة ملفوفة بحزام ناسف، ثم يقهقه هو وزملاؤه الجهاديون على لقطات في الهاتف المحمول لتيريزا ماري، وزيرة الداخلية البريطانية، وهي تشجب المتطرفين وتقتبس من القرآن في مؤتمر حزب المحافظين. “مَن هي حتى تتحدث باسم الإسلام؟” يعلق ساخراً ضيفه النحيل، أبو محمد المقدسي، أحد المنظرين البارزين للجهاد؟
لأكثر من 30 عاماً، شكل أبو قتادة والسيد المقدسي، وكلاهما أردنيان من أصل فلسطيني، نشآ على فكرة أن الغرب أعطى وطنهما لليهود، شكلا مصدر إلهام للمقاتلين الذين يخوضون الجهاد. ذهبا إلى أفغانستان لدعم القتال ضد السوفيات في أواخر الثمانينيات، عندما تأسست منظمة “القاعدة”. وفيما بعد، سعى أبو قتادة، هرباً من حكم أردني بالإعدام، إلى اللجوء السياسي في لندن في العام 1993. ثم تم اعتقاله هناك في العام 2002 في أعقاب الهجوم الذي شنه تنظيم القاعدة على أميركا في أيلول (سبتمبر) 2001. وبعد معركة قانونية مطولة، تم ترحيله إلى الأردن في العام 2013، وتمت تبرئته من تهم الإرهاب، فيما شكل إحراجاً للمملكة المتحدة.
من جانبه، قضى السيد المقدسي ما مجموعه 16 عاماً في سجن أردني قبل أن يتم إطلاق سراحه في حزيران (يونيو). وفي السجن، كان معلماً لجيل من الجهاديين، واكتسب سمعة كونه أبرز منظر جهادي في العالم. ومن بين رعاياه كان أبو مصعب الزرقاوي الذي أصبح زعيم فرع تنظيم القاعدة في العراق، سلف تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي يسيطر الآن على مساحات شاسعة من العراق وسورية. وقد قُتل الزرقاوي بقنبلة أميركية في العام 2006. ويقول السيد المقدسي بفخر، وهو يتفحّص موقعاً معادياً للجهاديين على الإنترنت: “أنا مصنف على أنني خامس أخطر إرهابي في العالم”.
الآن وقد أصبحا في منتصف الخمسينيات من العمر واجتمع شملهما لفترة وجيزة خارج السجن، يفتخر الرجلان بثمار عملهما. فمن صراع كان يدور على التخوم الصومالية والأفغانية للعالم الإسلامي، أصبح الجهاد الذي ساعدا على تأجيجه يشتعل الآن في قلب العالم العربي وعلى أبواب إسرائيل. حتى أن بعض منافسيهما في التفكير السياسي من جماعة الإخوان المسلمين، الذين اعتنقوا فكرة العصيان المدني والسياسة الديمقراطية خلال “الربيع العربي” في العام 2011، أصبحوا يتعاطفون مع العنف بشكل متزايد، في أعقاب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المصري الإسلامي المنتخب محمد مرسي، ويعتقدون بأنهم سينتزعون السلطة فقط من خلال سفك الدم.
من سورية إلى سيناء، حيث قتل الجهاديون البدو 30 جندياً مصرياً مؤخراً، يرفع المتشددون المسلحون علم الجهاد الأسود، وغالباً باسم “الدولة الإسلامية”. ويفتح التحالف الواسع بقيادة أميركا لدحر “الدولة الإسلامية” فصلاً جديداً مما يشيد به المنظران باعتباره المعركة النهائية من أجل الإسلام. وكما لو أنه يتوقع نهاية العالم، يضع ابن أبي قتادة الشاب رنة على هاتفه المحمول لصوت تحطم صاروخ قادم يليه نشيد جهادي.
لكن لدى المنظرَين مخاوف أيضاً. فمراراً وتكراراً خرج الجهاد الذي دافعا عنه على نطاق السيطرة في أيدي تلاميذهما، وخاصة في تطبيق مفهوم التكفير، والحكم بالردة التي يعاقَب عليها في الشريعة الإسلامية بالإعدام. وقد طبق المتطرفون الأوائل هذا المفهوم على قادة مسلمين فشلوا في تطبيق شريعة الله؛ ووسع السيد المقدسي هذا المفهوم ليشمل قواتهم المسلحة. “أزل أوتاد الخيمة وسوف تسقط الخيمة”، كما يقول. لكن جهاديي تنظيم القاعدة و”الدولة الإسلامية” وسعوا قواعد الاشتباك أبعد من ذلك بكثير، لتشمل المدنيين، وغير المسلمين والمسلمين على حد سواء. (لا يهم إذا قُتل المسلمون الصالحون كأضرار جانبية، يجادل بعض الجهاديين الأصغر سناً؛ ذلك سيسرع دخولهم الجنة فقط)، والشيعة، الذين يُعتبرون “رافضة” لوقوفهم مع الجانب الخاسر في الانقسام التي يعود تاريخه إلى 1300 سنة، مكروهون على وجه الخصوص.
عبثاً كان السيد المقدسي قد ناشد الزرقاوي وقف ذبح الشيعة بالقنابل الانتحارية في الأسواق. وعندما أصر، استذكر السيد المقدسي كيف كان الزرقاوي يعيش حياة وضيعة ويحقن نفسه بالمخدرات، وكيف أنه عرفه إلى أساسيات الإسلام في زنزانة السجن التي تقاسماها في التسعينيات. ودعا السيد المقدسي “الدولة الإسلامية” إلى حفظ حياة المدنيين الأميركيين والبريطانيين الذين قطعت رؤوسهم. وفي محاكمته في عمان، حيث تم الإفراج عنه، وصف أبو قتادة “الدولة الإسلامية”  بالخوارج، لتحريفها التعاليم الإسلامية.
في محاولة لإعادة انتزاع سلطته، قام السيد المقدسي بتجديد موقعه على الانترنت، “منبر التوحيد والجهاد”، وقام بإصلاح مجلس الشريعة الخاص به، والذي يضم عشرة أو نحو ذلك من رجال الدين من موريتانيا إلى اليمن. هناك بعض المقاتلين الذين ما يزالون يستمعون. عندما أسر الفرع السوري لتنظيم القاعدة “جبهة النصرة” 45 من جنود قوات حفظ السلام الفيجية التابعة للأمم المتحدة على الحدود مع إسرائيل، أصدر السيد المقدسي فتوى دفعت الخاطفين إلى إطلاق سراح الرهائن. كان المرشد الروحي الخاص للمجموعة، سامي العريدي، قد جلس في مجلس السيد المقدسي.
تعامل “داعش” مع هؤلاء المنظرين في الغالب على أن جذوة شهرتهما قد خبت؛ بواسطة أساليبها الوحشية، استولت المجموعة على سكان وأراضٍ بحجم الأردن. ويسخر الجهاديون الأصغر سناً منهما على وسائل الإعلام الاجتماعية، باعتبار أنهما يلتزمان مقاعدهما ويروجان بأقلامهما ولا يجرؤان على المخاطرة بحياتهما في المعركة، كما يقول يوآش ويجميكرز، وهو مؤلف كتاب عن السيد المقدسي. ويعترف السيد المقدسي فعلاً: “أنا لا أصنع المتفجرات”.
وفي المقابل، لا يكتفي أبو بكر البغدادي، قائد “الدولة الإسلامية” الذي عيّن نفسه خليفة في الصيف الماضي، بأنه يقاتل فقط، وإنما يدعي النسب إلى النبي محمد، وهو يحمل درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية من جامعة المستنصرية ببغداد (في السجن في العراق، عمل كمرشد لابن السيد المقدسي، عمر، الذي قُتل فيما بعد). أما السيد المقدسي وأبو قتادة، فعلى النقيض منه؛ لا يحملان ألقاباً أكاديمية، وإنما هما عصاميان علّما نفسيهما بنفسيهما إلى حد كبير في السجن، وهما يقتبسان من القرآن، وإنما أيضاً من قصة دان براون المثيرة عن الفاتيكان، “شيفرة دافينشي”. ويقول السيد المقدسي: “إنه يبين كيف تعمل الدول الدينية”.
في وقت سابق من هذا العام، خاضت “الدولة الإسلامية” و”جبهة النصرة” معارك استهلكت الكثير من الأرواح وحولت الطاقات والأسلحة بعيداً عن العدو الرئيسي، نظام الرئيس السوري بشار الأسد. كان السيد البغدادي واهماً، شامتاً بمعارضيه، ويريد أن يكون مسيحاً جديداً يحميه الحمقى السابقون والبعثيون من حاشية صدام حسين. لكن السيد المقدسي حث المعارضين على الاستمرار، شاجباً “الدولة الإسلامية” في بيانه “حرب الحروف”. وفي تموز (يوليو)، بعد أن استولت “الدولة الإسلامية” على الموصل واندفعت في اتجاه الحدود الأردنية، أطلق الأردن المقدسي من السجن، ربما على أمل تأمين حليف جديد.
لكن ائتلاف أميركا المكون من الحلفاء الغربيين والعرب السنة ضد “الدولة الإسلامية” حفز العديد من المبشرين الجهاديين على إعادة النظر في أولوياتهم. وقد غادر العديدون منهم الأردن إلى جانب المئات من أتباعهم من أجل الدفاع عن خلافة “الدولة الإسلامية” ضد التحالف الجديد من “الصليبيين والكفار”. وتعمل التقارير الإخبارية التي تتحدث عن قصف التحالف لأهداف مدنية مثل مطاحن القمح على استقطاب المزيد من المتحولين. ويقول أسامة شحادة، الواعظ الهادئ في عمان، والذي يخشى أنه يخسر رعيته: “الكثير من الناس الآن ينظرون إلى التحالف على أنه يشن حرباً ضد إسلام، وليس على التطرف”. كما يعترف قادة التيار السائد من جماعة الإخوان المسلمين في الأردن بأنهم يناضلون من أجل كبح جماح أتباعهم.
بعد التردد، دعا السيد المقدسي في وقت سابق من الشهر الماضي الجماعات الجهادية المتشاحنة إلى التصالح والدفاع عن الإسلام ضد التحالف. وقال إن الحكام العرب الذين انضموا إلى غير المسلمين لمحاربة المسلمين هم مرتدّون، حسب رأيه. وفي 27 تشرين الأول (أكتوبر)، أعاد الأردن المقدسي إلى السجن مرة أخرى. وأعلنت السلطات القضائية عزمها إعادة أبو قتادة إلى المحاكمة. وبينما تتكثف الحرب ويزداد المزاج قتامة، أصبح أي أمل بأن يفضي إطلاق سراح المنظرَين إلى زرع الفرقة والانقسام بين المتطرفين يخلي مكانه لمشاعر الخشية من احتمال أن يساعد الرجلان في توحيد صفوفهم حول راية الجهاد السوداء.

تقرير خاص – (الإيكونوميست)  ترجمة: علاء الدين أبو زينة– الغد الاردنية

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب