واشنطن- القدس دوت كوم- افاد تقرير صادر عن مجلس الشيوخ الاميركي الثلاثاء ان الاستجوابات التي قامت بها وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية (سي آي ايه) “لم تكن فعالة”، وانها كانت اعنف مما اعترفت به الوكالة حتى الان.
ونشرت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الثلاثاء نسخة مختصرة لتقرير دقيق يندد بالاحتجاز السري لنحو مئة شخص يشتبه بارتباطهم بالقاعدة، وهي ممارسة سمح بها بشكل سري في عهد الرئيس السابق جورج بوش.
واعلنت رئيسة اللجنة دايان فينستاين في بيان مقتضب ان “تقنيات الاستجواب المتشددة للسي آي ايه لم تسمح في اي لحظة بجمع معلومات مرتبطة بتهديدات وشيكة، مثل معلومات تتعلق بـ /قنابل موقوتة/ مفترضة اعتبر الكثيرون انها تبرر هذه التقنيات”.
ويتهم التقرير السي آي ايه ايضا بانها كذبت ليس على الجمهور الواسع وحسب وانما ايضا على الكونغرس والبيت الابيض، بشان فعالية البرنامج وخصوصا عندما اكدت ان هذه التقنيات سمحت بـ”انقاذ ارواح”.
اما بالنسبة الى التقنيات المستخدمة في الاستجوابات، فقد خلص التقرير الى القول انها “كانت عنيفة واسوأ بكثير مما وصفته السي آي ايه للنواب”.
وعلى الفور ندد مسؤولون جمهوريون بما اعتبروه تقريرا منحازا، و”اعادة كتابة احداث تاريخية”، بحسب بيان لميتش ماكونيل رئيس كتلة الاعضاء الجمهوريين في مجلس الشيوخ ولنائب الرئيس الجمهوري للجنة الاستخبارات ساكسبي تشامبلس.
وتحسبا لاعمال انتقامية، فرضت تدابير أمنية مشددة حول المنشآت الدبلوماسية والقواعد العسكرية الاميركية مع اقتراب موعد نشر النسخة المقتضبة لهذا التقرير البرلماني المرتقب منذ أشهر والتي حذفت منها المعلومات الاكثر حساسية.
وتحادث باراك اوباما هاتفيا مع رئيسة وزراء بولندا ايفا كوباتش. ويأمل المسؤولان في الا ينعكس نزع السرية عن التقرير سلبا على العلاقات بين بولندا والولايات المتحدة وفقا لما افادت وارسو.
وسيتطرق التقرير الى السجون السرية التي أنشاتها الـ “سي اي ايه” في عدة دول اجنبية لاستجواب معتقلين من دون ذكرها بالاسم. وحكمت المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان على بولندا لـ “تواطؤها” في اعمال التعذيب التي ارتكبت على اراضيها بحق فلسطيني وسعودي.
وكان الهدف من التقرير الذي وضعته لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ إثر تحقيق دقيق استمر أكثر من ثلاث سنوات بين 2009 و2012، القاء الضوء على البرنامج الذي وضعته السي اي ايه سرا لاستجواب اكثر من مئة معتقل يشتبه بارتباطهم بتنظيم القاعدة بين 2001 و2009 باستخدام تقنيات مشددة مثل الايهام بالغرق والحرمان من النوم.
وقال جوش ارنست الناطق باسم الرئيس باراك اوباما الذي وضع حدا للبرنامج عند دخوله الى البيت الابيض في كانون الثاني/يناير 2009 ان “الرئيس يعتقد انه من المهم ان ينشر حتى يفهم الناس في الولايات المتحدة وعبر العالم ما حصل بالضبط”.
وبالرغم من اقراره بأن “الوقت غير مناسب” لنشر مثل هذه الوثيقة اعتبر جوش ان الامر ضروري لضمان “عدم تكرار الامر ابدا”.
وقال ستيف وارن المتحدث باسم البنتاغون، ان مراكز القيادة الاقليمية تبلغت بنشر التقرير “الوشيك” وتلقت أمراً “باتخاذ تدابير الحماية المناسبة”.
ووافقت اللجنة على التقرير السري في كانون الاول/ديسمبر 2012 وصوت اعضاؤها في نيسان/ابريل الماضي لنزع السرية عن عشرين من خلاصاته وعن ملخص من حوالى 500 صفحة شطبت منه المعلومات الاكثر حساسية.
ومذذاك تتفاوض اللجنة مع البيت الابيض حول كمية المعلومات التي يجب شطبها.
وردا على سؤال حول هدف نشر التقرير رأت دايان فينستاين الرئيسة الديموقراطية للجنة انه مفيد “لمجتمع عادل يستند الى القانون”.
ويتوقع ان تلقي خطابا في مجلس الشيوخ صباح الثلاثاء.
وندد العديد من الجمهوريين مسبقا بنشر تقرير اعتبروه منحازا وكلف دافعي الضرائب الاميركيين بحسب ما اشاروا اليه اربعين مليون دولار.
ودافع نائب الرئيس السابق ديك تشيني من ادارة الرئيس جورج بوش بقوة عن تقنيات الاستجواب المشددة هذه معتبرا انها “مبررة تماما”.
وقال متحدثا لصحيفة نيويورك تايمز انه “تم السماح بالبرنامج .. والتدقيق فيه من وجهة نظر قانونية من قبل وزارة العدل” معتبرا ان عناصر السي اي ايه الذين نفذوا هذا البرنامج “ينبغي تقليدهم اوسمة عوضا عن انتقادهم”.
وفي مقال نشر في صحيفة “واشنطن بوست” ندد خوسيه رودريغيز المسؤول السابق في هذا البرنامج في السي اي ايه بـ “القدر الكبير من النفاق” الذي يبديه السياسيون في هذا الملف.
وكتب “فعلنا كل ما طلب منا .. ونحن على يقين بان ذلك كان فعالا”.
ويثير هذا البرنامج السري جدلا اساسيا لمعرفة ما اذا كان اتاح فعليا الحصول على معلومات جوهرية قادت الى تحديد موقع زعيم تنظيم القاعدة اسامة بن لادن الذي قتل عام 2011 في باكستان في عملية شنتها وحدة كومندوس اميركية.
وتناول اوباما مطولا مطلع اب/اغسطس تقنيات الاستجواب هذه التي “يفترض باي شخص منطقي ان يعتبرها بمثابة تعذيب”، معتبرا ان الولايات المتحدة “اجتازت خطا”.
لكنه وان ندد بهذه الوسائل، فهو دعا ايضا الى وضع الاحداث في سياقها، ما فاجأ بعض الديموقراطيين.
وقال: “من المهم ان نذكر كم كان الناس خائفين. لم يكونوا يعرفوا ان كانت اعتداءات اخرى ستقع بشكل وشيك. كان الضغط هائلا على عاتق قوات الامن”.
من جهته قال وزير الدفاع الاميركي تشاك هيغل الثلاثاء انه امر كبار قادة الجيش في انحاء العالم باعلان حالة التاهب العالية قبل النشر الوشيك لهذا التقرير.
وصرح هيغل للصحافيين في بغداد: “امرت جميع قادة قواتنا القتالية بان يكونوا على درجة عالية من التاهب في كل مكان في العالم”، مضيفا انه لم يتم الابلاغ عن تهديد محدد.
تواريخ “البرنامج”:
“برنامج السي اي ايه للاعتقال والاستجواب” أجازته سرا ادارة جورج بوش الابن في 2002 بعد اشهر على توقيع الرئيس بوش لمذكرة تجيز لسي اي ايه قتل وأسر واستجواب قادة في القاعدة في العالم.
اعتبارا من 2002 انتشرت شائعات عن سوء المعاملة والتعذيب اولا في “باغرام” في افغانستان. وتساءلت منظمات غير حكومية ونواب تدريجيا عن مصير عدة “معتقلين سريين” لا تكشف الحكومة الاميركية اي معلومات عنهم. وفي 2005 كشفت الصحف الاميركية عن الرحلات السرية لسي اي ايه لنقل “معتقلين مهمين” الى “مواقع سوداء” سرية لا يتدخل فيها حتى مكتب التحقيقات الفدرالي (اف بي اي).
وسمحت دول عدة خصوصا اوروبية لهذه الرحلات بالمرور عبر اجوائها.
في كانون الاول/ديسمبر 2005 صوت الكونغرس على قانون يحظر المعاملة “الوحشية واللاانسانية او المهينة”. وتعاظم الجدل حول اعمال التعذيب واطلقت تحقيقات ادارية واقرت السي اي ايه في 2007 باتلاف اشرطة فيديو لعمليات استجواب اثارت فضيحة.
وفي شباط/فبراير 2008 اقر مدير السي اي ايه مايكل هايدن بان ثلاثة معتقلين اخضعوا لاسلوب الايهام بالغرق وان الوكالة لم تعد تستخدم هذه التقنية منذ خمس سنوات، وهم خالد شيخ محمد العقل المدبر لاعتداءات 11 ايلول/سبتمبر وابو زبيدة اول عضو نافذ في القاعدة يقع في الاسر والقيادي عبد الرحيم النشيري. وكشف ان خالد شيخ محمد اخضع لهذا الاسلوب 183 مرة وابو زبيدة 83 مرة.
وفي كانون الثاني/يناير 2009 تعهد الرئيس الجديد باراك اوباما باحترام معاهدة جنيف ووعد بان ادارته لن تلجأ الى التعذيب اثناء استجواب معتقلين. والغى رسميا برنامج الاستجواب. وفي نيسان/ابريل 2009 نشرت السلطة التنفيذية مذكرات من وزارة العدل تعود الى 2002 و2005 بررت اللجوء الى تقنيات الاستجواب العنيفة.
وفي اذار/مارس 2009 اطلقت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ التي يسيطر عليها الديموقراطيون تحقيقها.
– اي اساليب ؟
اضافة الى الايهام بالغرق كانت اساليب الاستجواب تشمل وفقا لشهادات معتقلين الصفع او الضرب والاخضاع لدرجات حرارة متدنية والارغام على البقاء في اوضاع مؤلمة لفترات طويلة والحرمان من النوم.
وذكر تقرير داخلي لسي اي ايه في 2004 رفعت عنه السرية جزئيا في 2009 ايضا اعدامات وهمية واستخدام مسدس والة ثقب لاخافة عبد الرحيم النشيري. وقد يكون عميل هدد ايضا بقتل اسرة خالد شيخ محمد.
– مواقع السجون السرية لسي اي ايه :
استجوبت السي اي ايه معتقلين مهمين في اماكن سرية معروفة بـ “المواقع السوداء” قبل نقلهم الى سجن غوانتانامو العسكري على جزيرة كوبا في 2006.
ويتهم تقرير برلماني اوروبي في 2007 بولندا ورومانيا باستقبال بين 2003 و2005 مراكز اعتقال سرية في كيكوتي شمال شرق بولندا وبوخارست.
ويشتبه في موقع في ليتوانيا زاره برلمانيون اوروبيون في انتافيلاي على بعد 20 كلم من فيلنيوس.
وقد تكون تايلاند وافغانستان حيث شن الجيش الاميركي حربا، استقبلت ايضا سجونا سرية.
ولا يتوقع ان تنشر اسماء الدول في التقرير.
– ما هو عدد المعتقلين ؟
وفقا لتقرير مجلس الشيوخ استجوبت وكالة الاستخبارات حوالى 100 معتقل في اطار برنامج سري.





