أقلام واراءزوايا

خطوة أوباما «التاريخية» … بقلم : نعوم تشومسكي

فهرس

يُعتبر قرار استعادة العلاقات الديبلوماسيّة بين الولايات المتحدة وكوبا، والذي أُشيد به على نطاق واسع، حدثاً ذا أهميّة تاريخيّة. ويخلص في هذا الإطار مراسل مجلة «نيويوركر» الأميركية جون لي أندرسن إلى ردّ فعل عام ظهر بين المثقفين الليبراليين، عندما يقول إنّ «الرئيس الأميركي باراك أوباما أظهر أنّ في استطاعته أن يتصرّف كرجل دولة ذي ثقلٍ تاريخي، وهو ما أظهره راؤول كاسترو أيضاً. وستكون هذه اللحظة بالنسبة إلى الكوبيين شافية عاطفياً، بالإضافة إلى كونها تحولاً تاريخياً.

وبقيت علاقة كوبا مع جارتها الأميركية، القوية والغنية، مجمّدة منذ الستينيات، ولأكثر من نصف قرن. وقد جُمّدت مصائرهم كذلك. تعتبر المسألة ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى الأميركيين أيضاً. يُعيدنا السلام مع كوبا، للحظات، إلى ذلك الوقت الذهبّي عندما كانت الولايات المتحدة أُمّة مُحبّبة في جميع أنحاء العالم، عندما كان الشاب الوسيم جون كينيدي في منصبه – وذلك قبل فيتنام، وقبل أليندي، وحتى قبل العراق، وكل المآسي الأخرى – الأمر الذي يسمح لنا بالشعور بالفخر حيال أنفسنا للقيام أخيراً بخطوة في الاتجاه الصحيح».

لم يكن الماضي بهذه المثالية التي يُصوّر فيها، وكأنه استمرار لمملكة كاميلوت. فجون كينيدي لم يكن «قبل فييتنام» – ولا حتى قبل أليندي والعراق، ولكن لندع ذلك جانباً. عندما تسلّم كينيدي منصبه (كانون الثاني 1961)، كانت وحشية نظام ديم في فيتنام (الجنوبية) التي فرضتها الولايات المتحدة، قد أثارت، أخيراً، مقاومة داخلية لم يعد بإمكان أميركا السيطرة عليها. لذا واجه كينيدي ما أسماه «الهجوم من الداخل»، أو «العدوان الداخلي»، وهي عبارة لافته يُفضّل سفير كينيدي لدى الأمم المتحدة أدلاي ستيفنسون استخدامها.

وبناء على ذلك، صعّد كينيدي من التدخل ضدّ العدوان الصريح، آمراً سلاح الجو الأميركي بقصف فيتنام الجنوبيّة، كما أجاز استخدام النابالم، والأسلحة الكيميائية لتدمير المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية، وأطلق برنامجاً لاقتياد الفلاحين إلى معسكرات الاعتقال الافتراضية بهدف «حمايتهم» من المقاتلين الذين كانوا يدعمونهم، كما تعلم واشنطن.

مع حلول العام 1963، بدا أن الحرب التي يقودها كينيدي تقترب من النجاح، بحسب التقارير الواردة آنذاك، ولكنّ مشكلة خطيرة ظهرت في المقابل. ففي آب من العام ذاته، علمت الإدارة الأميركية أنّ حكومة ديم الجنوبية بدأت تسعى إلى مفاوضات مع فيتنام الشمالية بهدف إنهاء الصراع.

ولو كان لدى جون كينيدي أدنى نيّة للانسحاب، حين كانت الفرصة مثالية ومؤاتية للقيام بذلك، من دون أيّ تكلفة سياسية، كان بإمكانه الادّعاء أنّ الثبات الأميركي والدفاع المبدئي عن الحريات أرغما الفيتناميين الشماليين على الاستسلام. ولكن خلافاً لذلك، أيّدت واشنطن انقلاباً عسكرياً لتثبيت جنرالات يعتبرهم كينيدي أكثر انسجاماً مع التزاماته الفعليّة، وقتل، في هذه العمليّة، الرئيس ديم وشقيقه. ومع اقتراب النصر، وافق كينيدي، على مضض، على اقتراح كان قد تقدّم به وزير الدفاع آنذاك روبرت ماكنمارا لبدء سحب القوات الأميركية ، ولكن بشرط حاسم: بعد الانتصار.

وحافظ كينيدي على رغبته بإصرار، حتى اغتياله بعد بضعة أسابيع (تشرين الثاني 1963). وتم تلفيق الكثير من الأوهام بشأن تلك الأحداث، إلا أنها انهارت بسرعة تحت وطأة السجل الوثائقي الذي كان غنياً.

القصة، على المقلب الآخر، لم تكن مثالية كذلك، كما هو الحال في أساطير كاميلوت. وكانت إحدى أكثر قرارات كينيدي المترابطة منطقياً، عندما حوّل، في العام 1962، مهمّة الجيش الأميركي اللاتيني من «الدفاع في نصف الكرة الغربي» – المستمرة منذ الحرب العالمية الثانية – إلى «الأمن الداخلي»، أي بتعبير ألطف الحرب ضدّ العدو الداخلي: السكان.

ووفقاً لتشارلز ميتشلينغ، الذي قاد مكافحة التمرّد والتخطيط الدفاعي الداخلي في الولايات المتحدة في الفترة بين العامين 1961 و1966، فبعد قرار كينيدي، تحوّلت السياسية الأميركية من التسامح بشأن «جشع وقسوة الجيش الأميركي اللاتيني» إلى «التواطؤ المباشر» مع جرائمهم، وكذلك إلى الدعم الأميركي لـ «أساليب فرق الإبادة على غرار تلك التي كانت تابعة لهاينريش هيملر». ولأولئك الذين لا يفضّلون ما يسميه المتخصّص في العلاقات الدوليّة مايكل غلينون بـ «الجهل المتعمّد»، يمكنهم استخدام التعابير التي تناسبهم.

الوقائع واضحة للعارفين، بالرغم من انها لم تمرّ في «مصفاة» الثقافة الفكرية والشعبية العامة، وهي لذلك تشكل مفاجئة لمعظم الأميركيين، بمن فيهم قطاعات المتعلّمين. وبحسب الباحث اللاتيني جون كوتسوورث في الفصل الذي يتحدّث فيه عن أميركا الوسطى في الدراسة العلميّة الصادرة عن جامعة كامبريدج حول الحرب الباردة، فإنّ «التكلفة البشرية» لهذا الجهد، كانت مرتفعة جداً. فبين العام 1960، وهو الوقت الذي فكّك فيه السوفيات معسكرات الاعتقال لدى ستالين، والعام 1990 الذي شهد انهيار الاتحاد السوفياتي، فإن عدد المعتقلين السياسيين وضحايا التعذيب والإعدامات بحق المعارضين السياسيين السلميين في أميركا اللاتينية، تجاوزت إلى حدّ كبير تلك الموجودة في الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية. بعبارة أخرى، فما بين العامين 1960 و1990، كانت الكتلة السوفياتية ككل أقل قمعاً، من حيث أعداد الضحايا البشرية، مقارنة بالعديد من بلدان أميركا اللاتينية».

وفي كوبا، ورث كينيدي سياسة سلفه دوايت إيزنهاور، التي قامت على الحصار وكذلك على خطط رسميّة لقلب نظام الحكم، سرعان ما تصاعدت من خلال غزو «خليج الخنازير». وتسبب فشل ذلك الغزو، بما يمكن وصفه بالهستيريا في واشنطن.

لم تختلف إجراءات كينيدي العمليّة عن تصريحاته. إذ أطلق حملة إرهابيّة قاتلة لجلب «أهوال الأرض» إلى كوبا، بحسب تعبير المؤرخ ومستشار الرئيس الأميركي آرثر شليزينغر. وبمعزل عن قتل الآلاف إلى جانب الدمار الكبير، كانت، «أهوال الأرض» عاملاً رئيسياً في اقتراب العالم إلى حافة حرب نوويّة، كما تكشف الدراسات الأخيرة. واستأنفت الإدارة الأميركية هجماتها الإرهابية حالما هدأت أزمة الصواريخ الكوبيّة (تشرين الأول 1962).

وهناك معيار مُحدّد للتهرب من المسائل غير السارة، وهو الحفاظ على مؤامرات وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ضدّ فيدل كاسترو. تلك المؤامرات كانت موجودة فعلاً، لكنها كانت هامشيّة مقارنة بالحرب الإرهابيّة التي شنّها الأخوان كينيدي (جون وروبرت) بعد فشلهما في غزو خليج الخنازير، وهي حرب تصعب مطابقتها في سجلّات الإرهاب العالمي.

ويكثر الجدل حول ما إذا كان يجب شطب كوبا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، وهو ما يعيد إلى الأذهان كلمات كورنِليوس تاسيتُس (مؤرخٌ ورئيس قضاة في إحدى مقاطعات الإمبراطورية الرومانية): «عندما تُكشف الجريمة، فلا ملجأ لها سوى الوقاحة»، إلا أنها لم تُكشف، وذلك بفضل «خيانة المثقّفين».

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى