كلّما تقدم العمرُ ,في دهاليز الغياب ,أراني شاخصاً في الورى , أحاورُ الصدى: هل من اياب ؟
لا شيء يُجيبني , وأنا موزع ٌبين موجتين : أتأمل بعينيَّ اندياح الرذاذ ,وعُري الجسد , وبقلبي استمع لموسيقا الغضب , من جوف الاشياء تجيء ,وأنا شاخص في الورى ,بين احتراق الاجابات ,وانسداد الرؤى.
كلّما تقدم العمرُ , أشتهي لحظةً ناصعةً , لا تخالطها تأتآت ُ الخطى , وارتباك الكلام , ولكنْ ليس بوسعيَّ الآنَ , غيرُ الحنين , الى ظلالٍ شاردةْ .
هناك في أعالي الحياة , كنّا نفصّلُ الوقت كما يشتهي صهيل الشباب , هناك في أعالي الرؤى , كانت تفاصيل ُ بهجتنا الحالمة , لا تعلن بيان تضادها مع الابد ,فكم من والدٍ وكم من ولد ,كانوا شموع الطريق ,في فضاء الحكاياتِ ,التي تسعى الى بهحة المُنتهى .
لا , ليس حباً ولا تودّد اً لسلالم الغياب ,لكنه : هكذا الحضور البهيُّ , الأبيُّ على الانكسار …يسعى في سدرة المُشتهى , على حصانِ حلمهِ ,شامخاً باللغاتِ التي يترجمها الندى ,لانبثاق النهار , هناك في أعالي المدى كانت , وكنّا على سيف لحظاتنا ,نقاوم الوجع ,ولا نعطي فرصةً لانهيار , لكنه في غربة الأحلام ,ذاب
الزمانُ على الكلام, وتلعثمت لغتي بأحوال المكانْ.
كلّما تقدم العمرُ … أراني في انزياحٍ غريب عجيب , عن معاني اللغات الواقفة فهل هذا قصورٌ في تأويلنا , أم أنّ خطانا لم تُحسنِ المشيَ ,في بحر القواميس الهائجة … ؟؟
ربما … ربما ,ولكن ليس بوسعيَ الآنَ , غيرُ الحنين , الى ظلالٍ مَضَتْ , وانتحت في سماءٍ باردة.
هناك كانت قرنفلةُ الصباحاتِ الماطرة ,كانت هناك: تلوّنُ يومنا برضابِ قُبرةٍ وسوسنةٍ ,تُشيعُ الفرح … وكانت هناك قدرةُ العبث الجميل ,برزنامة الوقت . تعبثُ
كيفما شاءت الرغبةُ ,واندياح الأمل …كانت هناك , تغيّرُ موعد الدرس ,من الغرفة الواسعةِ , الى جدول الماء , بين سيقان الشجر , وكانت هناك ملئ روحها , شيّقةٌ ومكتظةٌ بالبهاء , مثلَ نهار ٍ ربيعيٍّ , تشتهيهِ كاملاً دونما نقصان ٍ , فتحرفُ بوصلتهُ من شوارع المدينة الصاخبةِ , ومن زقزقاتِ العصافير , في ارتشاف النهار , الى صخب الجسد , هناك في كوخ ٍ دافئٍ , ليس فيه سوانا , وكأسينِ من نبيذ ٍ , بينهما ظلالُ الهوى , واحتراقاتُ الندى البريِّ , وكانت هناك ,زقزقاتُ السرير الذي يموج ُ بنا من تعب.
كلّما تقدم العمرُ , أدركتُ أن ما كان ,كان حلماً جميلاً , قصيراً ,أو جملة اعتراضيةً
في نشيد الألم , فهل يطولُ هذا الصحو , أم تُراها كوابيس الكهولة , في ضياع أقمارها العطشى , حينما تلوذ الى مساءات الفتى ؟
ردّ ليَ خيلي َ وأحلامي َ, يا أيها الزمن البخيلُ , فأنا أنا في لجة المسعى , ودمي
على سيف القبائل شاهدٌ , فهل كفّ حلمٌ قتيلُ ؟؟
كلّما تقدم العمرُ …
ليس بوسعيَ الآنَ , غيرُ مرآةٍ ناصعةٍ , لا تُجيدُ الكذبَ , أرى من خلالها : ظلال البعيد منا ومنها , وأشتمُّ رائحة الكستناء , في ليل الصخبْ .
كلّما تقدم العمرُ …
أرى غامض الأيام , أكثر وضوحاً في سيرة الأولين َ, وفي جدول الماء البسيط.
هناك التلالُ والبنادقُ والرجالُ , لم نكن نفهم تماماً معانيها , كلّها كانت ملقاةٌ على سفح الحكايةِ , وحدهُ النسّاجُ كان يعلمُ سرَّ النسيج ,ولكنْ :لم يُرنا غير ما يُريد , ونحن هناك , لم ننتبه لتبدل الألوان , في نسيج الحكاية , لا … لم ننتبه.
كنّا مأخوذين الى الداخل العميق ,مُسلمين بنقاء السريرةِ واللغة , لم ننتبه لجواز ِ اللعب , أو فضاءات التأويل المُحتملْ , لم ننتبه لانزلاق ايقاعنا عن سطر موسيقاه , لا لم ننتبه , لغير ايقاع النشيد الخارجي.
ربما هو الزمان يمارسُ انزياحهُ , دونما قصد ٍ , أو أنه … , ربما أنه تحريفٌ مسبق للدهاقنة , أباطرة النشيد البهلواني … ربما , ربما …ولكن كلّما تقدم العمرُ , يجتاحني حنينٌ اليك ِ, اليَّ … وأدرك حجم الكذبة الفادحةْ .
كلّما تقدم العمرُ… أسألُ الأشياء عن سرِّ غيابها , الذي كنا نحتسي معناه ,في كوب الماء الصباحيِّ , وفي رشفة القهوة الباردة , فهل من الحكمة أن تتلاشى المعاني , في موجةٍ عابرة…؟
لا حق لي في اصطناع الدهشةِ , أو سؤالٍ ضاقت به ثلاجةُ الوقتِ ,لأننا منحنا عقولنا منذ البداية ,اجازةً مطلقة ,وأطلقنا الرعاة في حقل الندى ,فضاق المدى في قراءة المرآةِ ,وكفّ بيكاسو عن تجاربه اليانعة ,حتى صموئيل بيكت ,لم يعدْ يدري كيف يرتبُ شخوصَهُ , في دكة المسرح الافتراضي.
كلّما تقدم العمرُ…
أدركت أننا لسنا نحن , في لجة الغيمة القادمة , فهل من حقنا :سؤالَ الخرافةِ
عما تبقى في اناء الوهم…؟؟
تعبتُ يا حبيبتي من طريقٍ ,لا تُنبِتُ غير شوكِ المعاني , وتعبتُ من خطوي الذي لا يستدلُ نهَرهُ , الا من خبص الطمي , التائهِ في صحارى القصائد العاثرةْ ,تعبتُ
فهل من فضاءٍ نستريحُ فيه ,بعد هذه المقامرة؟؟
لا ليس بوسعيَ الآنَ , غيرُ الحنين ,وغيرُ الأنين ,على ما فاتنا من حكمةٍ ضائعة .
كلّما تقدم العمرُ… تعلمت أكثر فن الرياضة , وفلسفة الحسابات ,في دفتر الحانوتيِّ الحذقْ , وأهملتُ قراءة الكفِّ , ونشرةَ الأحوال الجويةِ , مثلَ بحار ٍ مغامر … لأنَّ الكهولة الطاعنة لا تلتفت لفائضِ العمر , في بلاد ٍ لا تحرسها النساءُ .
كلّما تقدم العمرُ…
يُخامرني الانتحارُ , في موجة ٍ لا بلاد لها , لكنَّ مسدسي فارغٌ , ولم أتعلم بعدُ صيد العصافير والغزلان ,مثل َ خليل حاوي … وربما بعدُ لم أزلْ أراهن على
قصيدة طازجة ٍ , وعلى امرأةٍ تحرسُ ما تبقى من القلب ,وعلى بلاد ٍ وسعها الكون , لم أزلْ … ربما يجيءُ الفضاء المُحتملْ , ربما يشتعلُ في ضلوعنا الأمل
ربما , ربما …ربما…




