الاخبارشؤون عربية ودولية

صاغه الصهيوني برنارد لويس ووافق عليه الكونغرس 1983 “حدود الدم” . . مشروع تخريب وتفتيت المنطقة

355

من الوهلة الأولى نستطيع الجزم بأن كوندوليزا رايس، التي بشرتنا بمشروع “الشرق الأوسط الجديد” في مطلع عام 2005 عبر نشر الفوضى الخلاقة Creative Chaos، قرأت وبعناية فائقة مؤلفات “ميكيافيللي”، الذي يُعرف السياسة بأنها: “فن الخداع والغش”، ويؤكد في كتابه “الأمير” أن “الشجاعة تُنتج السلم، والسلم يُنتج الراحة، والراحة تتبعها فوضى، والفوضى تؤدي إلى الخراب ومن الفوضى ينشأ النظام، والنظام يقود إلى الشجاعة” .
من الأهمية بمكان هنا التذكرة بأن الكونغرس الأمريكي وافق بالإجماع في عام 1983 على مشروع صاغه المستشرق البريطاني الأصل الأمريكي الجنسية، اليهودي الديانة الصهيوني الانتماء، “برنارد لويس” الذي أُطلق عليه اسم “حدود الدم” Blood Borders ويهدف إلى تقسيم وتفتيت الدول العربية والإسلامية إلى دويلات على أساس ديني ومذهبي وطائفي .
بالرغم من وجود مشروعات أخرى مماثلة خرجت من الكيان الصهيوني ذاته، إلا أن مصطلح الفوضى الخلاقة لم يطف على السطح إلا بعد الغزو الأمريكي للعراق الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس جورج دبليو بوش الابن، في تصريح لوزيرة خارجيته كوندوليزا رايس، حيث انتشرت بعض فرق الموت والأعمال التخريبية التي اتهمت بأنها مسيسة من قبل الجيش الأمريكي .
وفي إطار المشروع القديم الجديد للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، الذي يهدف بالأساس لضمان حماية وتفوق “إسرائيل” على الدول العربية كلها، تستخدم العديد من الأدوات السياسية والتكنولوجيا الحديثة والجماعات المتشددة في المنطقة كأدوات رئيسية لنشر الفوضى الخلاقة، كما يلي:
* أولاً: تأجيج الصراع الديني والطائفي والمذهبي، حيث نجحت الولايات المتحدة عقب أحداث 11 سبتمبر في: أولاً، إلصاق تهمة الإرهاب بالعالمين الإسلامي والعربي على وجه التحديد، مستثنية في ذلك العالم الإسلامي في إفريقيا وآسيا . ثانياً، تقسيم منطقة الشرق الأوسط بين الإسلام المعتدل والمتشدد، وبين الإسلام السني والشيعي .
* ثانياً: إقامة علاقة مباشرة مع بعض ما يسمى حركات الإسلام السياسي في المنطقة، بل وتمويلها، ومساعدتها في التخطيط على كيفية الاستيلاء على الحكم، وهو ما حدث في ثورات الربيع العربي . حيث اختارت الولايات المتحدة، على سبيل الحصر، جماعة “الإخوان” المسلمين المنتشرة في أكثر من 70 دولة على مستوى العالم، والأكثر تنظيماً وتماسكاً، وهي تعلم تماماً بأن هذه الجماعات غير مؤهلة للحكم، ولا توجد بها كفاءات وخبرات تستطيع إدارة الشؤون السياسية والاقتصادية للبلاد، بل وتحمل في بنيتها التنظيمية أفكاراً متشددة، ما سيؤدي في النهاية إلى صدام بين قوى المجتمع الحية وهذه الجماعات، ربما تستمر إلى سنوات طوال، وهو ما يؤدي في النهاية إلى “صوملة الشرق الأوسط”، وتجعل دولها أكثر اعتماداً على الولايات المتحدة .
* ثالثاً: خلق كيانات متطرفة جديدة في المنطقة، فلا يستطيع أحد أن ينكر مطلقاً، بما فيهم الأمريكيون، بأن الولايات المتحدة هي التي أسست “القاعدة” ومولتها وتحالفت معها من أجل التخلص وتفكيك الاتحاد السوفييتي السابق بعدما فشلت في تحقيق ذلك عسكرياً، ومازالت هذه التجربة الناجحة، من وجهة نظر الساسة الأمريكيين، قابلة للتطبيق في منطقة الشرق الأوسط عبر إيجاد كيانات متطرفة لهدم وتفكيك بنية الدول العربية، وذلك من أجل الحفاظ على ثوابت الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة بدءاً من حماية أمن “إسرائيل” مروراً بضمان استمرار تدفق البترول وصولاً لعدم عودة أي دور لروسيا في المنطقة .
* رابعاً: استخدام وسائل الاتصال والإعلام الجديد، وذلك من أجل نشر أكاذيب وإشاعات لترويع الرأي العام وإثارة فزع الجماهير وقلقها وتهديد الاستقلال الأمني للدول المستهدفة، الأمر الذي يقود في النهاية إلى خلخلة أوضاعها واستقرارها الاقتصادي، وهو ما يعرف باسم “الجيل الرابع للحروب” .
* خامساً: الكيان الصهيوني، شرطي الولايات المتحدة في المنطقة، أو بمعنى أدق العصا التي تستطيع من خلالها معاقبة الأنظمة العربية التي تريد أن تخرج من فلكها، حيث تستطيع “إسرائيل” اجتياح الأراضي الفلسطينية في أي وقت تشاء، وهو ما تقف الأنظمة العربية أمامه عاجزة لصد مثل هذه التدخلات، وبناء عليه تتم تعرية هذه الأنظمة أمام شعوبها وهو ما يجعلها تعود بسرعة إلى أحضان الولايات المتحدة لإيقاف العدوان “الإسرائيلي” .
ومن الأدوات السابقة التي تستخدم في إطار مسلسل الفوضى الخلاقة في منطقتنا العربية، يمكننا القول بأن سيناريوهات الفوضى أو حروب الجيل الرابع مرتبطة بعدة محددات وعوامل تتعلق ليس فقط ببنية النظام العربي، لكن أيضاً بطبيعة الخصائص السكانية والمذهبية والنظم السياسية المعمول بها في منطقة الشرق الأوسط، وهي كما يلي:
1- طبيعة العلاقة بين المواطن والسلطة القائمة في كل بلد عربي، فإذا كانت هناك ثقة متبادلة بين المواطن والنظام القائم، أدت إلى تقوية بنية الدولة العربية في مواجهة التحديات والمخاطر الداخلية والخارجية، والعكس هو الصحيح .
2- التعاون الثنائي بين الدول العربية، فكلما كان هناك تنسيق وتعاون بين الدول العربية أدى هذا إلى مواجهة التحديات، أما إذا ما حدث العكس فإن البيئة الصراعية والانشقاق سيؤديان إلى مزيد من تفكيك بنية الدول العربية .
3- الأطر والهياكل المؤسسية العربية، فهناك دور كبير لكل من جامعة الدول العربية والاتحاد الخليجي العربي والاتحاد المغربي والتنسيق فيما بينها لمواجهة التحديات والمخاطر الخارجية .
4- إقامة الدولة الفلسطينية وحل الصراع العربي “الإسرائيلي”، وهي القضية الأم للدول العربية، والتي تنال جهداً سياسياً واقتصادياً كبيراً من الشعوب والأنظمة العربية، وباءت هناك تحركات إيجابية صوب هذا الهدف، وهو ما يستوجب بالضرورة توحيد الصف الفلسطيني والعربي .
وفي إطار هذه المحددات فإن هناك ثلاثة سيناريوهات للفوضى الخلاقة في منطقتنا العربية، تقع جميعاً على خط مستقيم، واثنين منهما على طرفي نقيض .
السيناريو الأول، وهو الأكثر تفاؤلاً، ويتمثل في إفشال المخطط الفوضوي في المنطقة، ويتحقق هذا السيناريو عندما تنجح الأنظمة العربية في تحقيق المحددات والعوامل سالفة الذكر، وحينئذ يحدث نوع من اللحمة العربية – العربية .
السيناريو الثاني، وهو بقاء الحال كما هي عليها، محاولات خارجية لتفكيك وهدم بنية الدولة العربية، ومحاولات عربية للحفاظ على ما تبقى منها متماسكاً . واللافت للنظر أن هذا السيناريو هو ما تعيش فيه أغلب الدول عامة ودول “الربيع العربي” خاصة، بعدما نجح بعضها في تعديل مسار الثورات العربية والانحراف بها عن أهدافها الرئيسية في إقامة العدالة الإنسانية وتحقيق الكرامة من خلال محاربة الفساد الإداري والسياسي الذي شهدته بلدان الربيع العربي .
السيناريو الثالث، وهو الأكثر تشاؤماً، ويتمثل في نجاح مخطط الفوضى، وحينئذ لن تكون هناك دولة عربية موحدة، وهو ما سيؤدي إلى تفتيت ما هو مفتت وتجزئة ما هو مجزأ من الدول العربية .
أحدثت موجة “الربيع العربي” تغييرات جذرية في بنية المجتمعات العربية – ومازالت – ليس فقط داخل البلدان التي شهدت “موجات ثورية” بل أيضاً في أغلب البلدان العربية الأخرى، بما فيها الملكية .
وفي هذا الإطار، فإن هناك تداعيات كثيرة لكل سيناريو من السيناريوهات الثلاثة سالفة الذكر . وتتمثل تداعيات السيناريو الأول في تحقيق عملية تحول ديمقراطي حقيقي في أغلب الدول العربية، وحل وخلخلة المشكلات البنيوية (الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتاريخية والدينية) التي تواجه بعض الدول العربية، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إعادة جسور الثقة والتماسك بين النخبة الحاكمة والشعوب، والقبول بالتعددية السياسية داخل النظم العربية، خاصة القبول بالتنوع الأيديولوجي أو الفكري مع القبول بالرأي المخالف وعدم نفي أو رفض الآخرين، وأخيراً فإن القانون هو الذي يحدد اختصاصات السلطات العامة ويخضعها للرقابة المستمرة وأن الفصل بين سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية هو من المبادئ الأساسية المستقرة في دولة المؤسسات، لأن ذلك يضمن عدم خروج السلطات في الدولة على حدود اختصاصاتها حيث تقوم كل سلطة بممارسة اختصاصاتها بشكل مستقل ومرن ولا تسمح للسلطات الأخرى بالتدخل أو التوغل على اختصاصاتها .
وفي ظل هذا السيناريو، ستشهد السياسة الخارجية العربية تحولاً كبيراً ليس فقط في طريقة موحدة للتعامل مع الدول الكبرى لكن تنسيق وتوحيد الجهود في المنظمات الدولية والإقليمية بما يخدم الأهداف والشعوب العربية، والتصدي بكل حزم وقوة لأي محاولات تدخل خارجية أو العبث بأمن ومقدرات المنطقة .
أما تداعيات السيناريوهين الثاني والثالث، فهي جدة خطرة، حيث تزداد فيها الفجوة بين النخبة الحاكمة والشعوب وتصبح البيئة والظروف مهيأة تماماً للفوضى الخلاقة وحتى غير الخلاقة . وهناك سنشهد ليس فقط مزيداً من الصراعات الدينية والطائفية في المنطقة بل أيضاً صراعات سياسية داخل الدولة الواحدة أو بين الدول العربية وبعضها . كما يؤدي هذا السيناريو إلى اختفاء دول من على الخريطة العربية وظهور دول جديدة بمسميات مغايرة، التي ستقع بالضرورة في براثن حروب وصراعات ثنائية وأهلية . وفي هذا الإطار ستقف كل مؤسسات النظام العربي عاجزة عن حل المشكلات أو حتى تسويتها بالطرق السلمية، وستنطلق دعوات شعبية بحل كل المؤسسات التي تعبر عن النظام العربي .
وفي ظل هذا السيناريو، ستتعقد شبكة العلاقات العربية الخارجية، حيث المزيد من التبعية للعالم الخارج، وربط السياسة الداخلية والخارجية بالقوى الكبرى، وسيصبح هامش الحركة المسموح به للدول في المنظمات الدولية معدوماً وتابعاً لسياسات الدول الكبرى لا محال .
وفي النهاية، يبقى القول، بأن أي محاولات جادة للتصدي لأي مشروعات خارجية تداخلية، إقليمية كانت أو عالمية، تتطلب بذل المزيد من الجهود من الحكومات والنخب العربية الحاكمة ليس فقط لمواجهتها لكن لإعادة الثقة المفقودة بين الشعوب والأنظمة القائمة من جانب وتحقيق تحول ديمقراطي وإقامة دول المؤسسات والقانون .
د . يسري العزباوي صحيفة الخليج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق