الاخبارشؤون عربية ودولية

التهديد السلفي في تونس حقيقي جداً

فهرس

بدت تونس دائماً مكاناً غير مرجح لأن يكون معقلاً للجهادية المتطرفة. ولكن، بعد أربعة أعوام من بدء الربيع العربي، أصبح تهديد العنف السلفي أكثر إلحاحاً وخطورة من أي وقت مضى.
طوال نحو 32 عاماً، سعى نظام الرئيس زين العابدين بن علي إلى السيطرة على كل النشاطات الدينية بصرامة، وإلى تعريف التونسيين بما يجب أن يعنيه إسلامهم بالضبط. وبدأت مجموعات سلفية صغيرة في التشكل في الفترة الأخيرة كرد فعل على هذا الاحتكار الذي تمارسه الدولة، والوحشية التي يعاني منها ناشطوها في السجون، وتغذت بالأفكار تلقتها من الواعظين الخليجيين عبر محطات التلفزة التي تبث بواسطة الأقمار الاصطناعية.
بعد سقوط بن علي، اندفعت هذه المجموعات إلى محاولة ملء الفراغ السياسي، مستفيدة من الكبت والاستياء ومشاعر الاستياء المنتشرة على نطاق واسع في أوساط شباب المدن المحرومين. وفي البداية، ركزت مجموعات مثل “أنصار الشريعة”؛ أول تنظيم سلفي رئيسي يظهر في تونس، على الوعظ بطريقة عززت نظامها الأخلاقي ونشاطها الاجتماعي. وقد راقت هذه المجموعات للتونسيين الشباب العاطلين عن العمل، والذين يشعرون بالسخط العميق من نظام سياسي واقتصادي كان يفضل النخب في المناطق الساحلية على الدوام. وسعى الشباب المؤدلجون دينيا إلى مناطق جديدة للتعبير، بعد أن تحرروا بسرعة غير معجبين بالتنازلات الاستراتيجية التي قدمتها حركة النهضة الإسلامية ذات الاتجاه السائد، والتي اعتبروها مجرد “ضوء إسلامي”. وبينما أصبحت حركة النهضة تعاني لتجنيد أعضاء جدد من الشباب، نما السلفيون من حيث العدد.
وفي الأثناء، انتقلت المجموعات الدينية إلى الإجرام، وغالباً ما أصبحت منخرطة في تهريب المخدرات والأسلحة، خاصة عبر الحدود الليبية المسامية. وبينما هبطت ليبيا إلى درك عدم الاستقرار، بدأت مجموعات انتهازية جديدة تنتعش في تجارة التهريب. وأصبح من الأسهل على الرجال المسلحين تلقي التدريب في ليبيا قبل العودة إلى تونس لتنفيذ هجمات -كان قتلة متحف باردو، من بين آخرين كثيرين، قد تدربوا عبر الحدود.
في البداية، كانت الحكومة الائتلافية بقيادة حزب النهضة بطيئة في فهم واستيعاب ثقل المشكلة، وظلت تعتقد أنها تستطيع جذب المتطرفين إلى الاعتدال عبر إدخالهم في صفوف العائلة الإسلامية الواحدة. وبعد اغتيال سياسيين يساريين، شكري بلعيد ومحمد براهمي، في العام 2013، حظرت الحكومة مجموعة “أنصار الشريعة” واعتقلت المئات من الشباب. ومنذئذٍ تقسمت الحركة الجهادية السلفية إلى مجموعات صغيرة عديدة. وفي كثير من الأحيان، كانت السلطات غير راغبة في التمييز بين المنجذبين إلى التبشير غير العنيف بالسلفية الذين سعوا إلى ترويج رؤية دينية جديدة لتونس، وبين العدد الأصغر من المتطرفين عاقدي العزم على استخدام العنف.
كان حوالي 3000 شاب قد غادروا من أجل القتال في سورية والعراق، غالباً في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، ويبدو أن مئات عدة آخرين قد ذهبوا إلى ليبيا أيضاً. وفي داخل تونس، ازدهرت مجموعات صغيرة عدة بما فيها كتيبة عقبة بن نافع في جبال تاشمبي بالقرب من الحدود مع الجزائر، والذين كانوا مسؤولين عن قتل العشرات من أفراد القوات الأمنية في عمليات عسكرية صغيرة عدة. وكانوا أصلاً على صلات مع مجموعة القاعدة في المغرب الإسلامي، كما يبدو أنهم أصبحوا مقربين راهناً من “داعش”.
في وجه هذا التحدي، مالت الحكومات المتعاقبة إلى شن عمليات اعتقال واسعة النطاق. ففي العام 2014، تم اعتقال 1000 من المشتبه بهم على الأقل، والمنتمين غالباً إلى خلايا صغيرة. وفي الشهور القليلة الأولى من هذا العام، تم اعتقال 400 آخرين، وفق ما أفاد به رئيس الوزراء حبيب الصيد. وأعلنت وزارة الداخلية عن عدد من الغارات الكثيفة التي قتل فيها عدد من المشتبه بهم، رغم أن هذه العمليات جلبت أحياناً من الأسئلة أكثر مما جلبت من الأجوبة.
في الشهر الماضي، أعلنت الوزارة أن القوات الأمنية قتلت قائد مجموعة عقبة بن نافع، التي قالت إنها كانت مسؤولة عن هجوم متحف باردو. لكن مجموعة أخرى مختلفة، تطلق على نفسها اسم “جند الخلافة”، أعلنت في اليوم التالي مسؤوليتها عن هجوم باردو، وأعلنت الولاء لتنظيم “داعش”، وقالت إن مزيداً من الهجمات ستأتي على الطريق.
كانت كل الحكومات منذ العام 2011 قد فضلت استقرار القطاع الأمني على الإصلاح. وفي الأسابيع الأولى بعد الانتفاضة، تم حل جهاز البوليس السياسي، لكنه ما يزال هناك افتقار إلى إجراء الإصلاح السياسي العميق، وخاصة في وزارة الداخلية الغامضة. وبالمثل، ما يزال النظام القضائي بلا تغيير في الجزء الأكبر منه منذ حقبة بن علي. وفي وقت أقرب، تم تبني استراتيجيات جديدة لمكافحة الإرهاب، وتم تشكيل قوة جديدة لمكافحة الإرهاب.
ومن جهته، قال الرئيس الباجي قائد السبسي للتونسيين بعد هجوم متحف باردو إنهم في حرب ضد الإرهاب، متعهداً بالقول “سوف نقاتلهم بلا رحمة وحتى آخر نفس لدينا”. لكن الحكومات فضلت خطاب الاستقرار الأمني على الإقرار بالحاجة إلى وضع حل سياسي للمسببات الاجتماعية-الاقتصادية التي تقف وراء هذه الأزمة -إلى جانب سياسة استخبارات سرية واستراتيجية مكافحة إرهاب مستهدفة إلى حد كبير.
الغد الاردنية

روري مكارثي* – (كارنيغي للسلام الدولي)
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo
*مرشح لنيل شهادة الدكتوراه في كلية سانت انطونيو في جامعة أكسفورد. كان مراسلاً سابقاً في الشرق الأوسط لصالح صحيفة الغارديان البريطانية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Tunisia’s Salafist threat is very real

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى