حياة وسوق – عبد الهادي عوكل – لم تستجب حركة حماس في قطاع غزة لنداءات الخبراء، والفصائل، والمجتمع الأهلي بوقف العمل بقانون “ضريبة التكافل” الذي يستهدف فرض رسوم على السلع والخدمات بنسب تتراوح ما بين 1 – 10 % بحجة “ايجاد مصاريف لتشغيل الوزارات في غزة”.
ويحذر خبراء من تداعيات فرض هكذا ضريبة في ظل معدلات بطالة تصل الى 43% في قطاع غزة وفقا للجهاز المركزي للاحصاء، ووصول نسبة الفقر الى ما لا يقل عن 44%. وقالوا: “ان المضي بتطبيق هذه الضريبة يعني مفاقمة الظروف المعيشية وصولا لمرحلة الانفجار نظرا للمس بالأمن الغذائي”. وكانت المؤسسات الأهلية الحقوقية أصدرت بيانا مشتركا جاء فيه: “ان تنفيذ قانون ضريبة التكافل يلحق ضرراً بالغ الأثر بشرائح المجتمع كافة خاصة الفقراء منهم، حيث انه سيؤثر سلبا على تمتعهم بحقوقهم المعترف بها في القانون الأساسي الفلسطيني وكذلك المواثيق والمعاهدات الدولية فضلا عن تعميق الانقسام”.
ضريبة التكافل جريمة
يرى الخبير الاقتصادي د. سمير أبو مدللة، أن ضريبة التكافل “جريمة وسلوك غير مسؤول، واجراء غير قانوني، والأهم أنه يأتي في ظل ارتفاع معدلات البطالة التي تزيد عن 43%، ومعدلات الفقر تزيد عن ذلك”.
ويلفت أبو مدللة الى ان 47% من السكان يعانون من نقص في الأمن الغذائي, في حين تسجل عمالة الأطفال أكثر من 3%, فضلا عن أن ثلثي السكان يعتمدون على المساعدات الخارجية.
وقال ان ارتفاع الأسعار, واستغلال أرباب العمل, وتدني مستويات المعيشة, وسوء التغذية, عوامل تستدعي سن قانون للحماية الاجتماعية, وليس فرض ضرائب.
وحذر من المس بالأمن الغذائي في ظل معاناة 28% من الأطفال في غزة من فقر الدم. و6.2% من الأطفال من سوء تغذية مزمن بدرجات عالية جداً، و37% من النساء الحوامل من سوء تغذية وفقر بالدم، ووصول معدلات البطالة في صفوف الخريجين الى 70%.
وقال: “إن كتلة التغيير والإصلاح التي سنت القانون دون تمريره على بقية الكتل البرلمانية, كذلك من يقر القانون المفترض وزارة المالية في حكومة التوافق وليست حكومة الأمر الواقع سابقا وظلت حاليا, وبالتالي فهو من الناحية القانونية غير قانوني”.
وشدد على ضرورة أن “يعرف كل مواطن كل شيقل يتم جبايته وقنوات صرفها, ولا يعقل أن يتم جباية ضرائب من الفقراء والعمال لتمويل نفقات تشغيلية لوزارات”.
وشدد على أن الضريبة المفروضة تستهدف السلع الأساسية والضرورية وليس السلع الكمالية كما يتحدث نواب كتلة التغيير والاصلاح, لافتاً إلى أن هناك 400 سلعة أساسية الفاكهة, اللحوم, الأدوات المنزلية, البقوليات وغيرها، إلى جانب أن فرض رسوم على المعاملات الحكومية هي ضمن الخدمات الأساسية للمواطن (رسوم الصحة, المعاملات الحكومية, الزواج, الطلاق وغيرها).
وأشار إلى أن نسبة الضريبة في القانون مرتفعة من 1% إلى 2% وصولاً إلى 10% (وفي الواقع فإن الارتفاع يكون أضعاف ذلك), وانعكاس ذلك خطير, حيث سيتراجع الطلب المحلي في الأسواق, وحدوث ركود وكساد في بعض الأنشطة, إضافة لتفاقم الوضع المعيشي وتدني ذلك لحدود تصل إلى الحرمان من بعض السلع الأساسية, وبذلك ومع ارتفاع الأسعار سيدخل من هم ضمن العاملين في الأجهزة الحكومية أو القطاع الخاص إلى حد الفقر.
وشدد الخبير الاقتصادي أبو مدللة على أن التبريرات التي ساقها نواب حماس غير مقنعة، ولا يعدو الأمر عن كونه “خاوة”, خاصة تلك المتعلقة بأن هذه الضريبة لن تؤثر على مناحي الحياة.
وحول اعلان نواب حماس عن تقديم دعم شهري لـ 4000 أسرة بقيمة 100 دولار أشار أبو مدللة إلى أن هذه التبريرات غير صحيحة “ولو كانت كذلك فإن تلك الأسر سيتم تمويلها من قرابة 176,000 أسرة فقيرة, أي أن ذلك غير عادل وهو بمثابة حل سيزيد من تفاقم المشكلة، كما أن 4000 أسرة لا تشكل إلا 2,2% من مجمل أسر غزة”.
وتوقع أبو مدللة أن غزة قادمة على كارثة في ظل سن قانون التكافل في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية واستغلال التجار, وعدم الرقابة, والانقسام, وعدم تطبيق قانوني الحد الأدنى والتضامن الاجتماعي.
خطوة من شأنها تعميق الانقسام
وأعلنت شبكة المنظمات الأهلية، والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان “ديوان المظالم”، ومركز الميزان لحقوق الإنسان والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ومؤسسة الضمير، عن رفضها المطلق لضريبة التكافل باعتبار أن سلطة التشريع لأي جسم تشريعي منتخب ليست سلطة مطلقة دون أي قيود، “بل إن الفقه والعمل القانونيين حول العالم، قد أرسيا العديد من الشروط والقيود على ممارسة صلاحية التشريع على رأسها ضرورة انسجام أي تشريع مع سياسة تشريعية واضحة المعالم والأهداف، وضرورة دراسة انعكاساته على المجتمع، بما يضمن تجنب آثاره السلبية على المواطنين وما ينطوي عليه من تكلفة مالية سوف تثقل كاهلهم”.
وأكدت المؤسسات في بيان مشترك أن قانون فرض ضريبة التكافل “يفتقر إلى مبررات واضحة، بل ان تنفيذه يلحق ضرراً بالغ الأثر بشرائح المجتمع كافة وخاصة الفقراء منهم، حيث انه سيؤثر سلباً على تمتعهم بحقوقهم المعترف بها في القانون الأساسي الفلسطيني وكذلك المواثيق والمعاهدات الدولية، خاصة أن هذه الضرائب قد فرضت على العديد من السلع الأساسية، ما يثقل كاهل المواطن الفلسطيني في قطاع غزة، الذي يعاني من تدهور مستويات المعيشة وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية نتيجة أسباب كثيرة يقف على رأسها الحصار الإسرائيلي الجائر المفروض على قطاع غزة منذ نحو ثمانية أعوام متواصلة”.
من جهة أخرى، أكدت المؤسسات الحقوقية أن إقدام كتلة التغيير والإصلاح البرلمانية التابعة لحركة حماس، على سن هذا القانون وفرض هذه الضريبة هو خطوة نحو تعزيز الانقسام الداخلي، خاصة في ظل وجود حكومة الوفاق الوطني الفلسطيني.
وشددت على ضرورة أهمية إجراء المشاورات والمناقشات المجتمعية التي لا بد أن تسبق في العادة إقدام الهيئة التشريعية على إصدار أي تشريع جيد، ويأخذ هذا الأمر بعداً محورياً بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بفرض ضرائب جديدة أو رفع قيمة ضرائب على المواطن والمستهلك الفلسطيني. وأوضحت أن حصر تطبيق قانون ضريبة التكافل الوطني، بمدة زمنية معينة ومحددة، وكذلك حصر الضرائب بنسب معينة، ليست أسبابا كافية للقبول به.
وطالبت المؤسسات في بيانها، كتلة التغيير والإصلاح البرلمانية، بالتراجع الفوري عن تطبيق قانون ضريبة التكافل الوطني، ومعالجة أي آثار له بأثر رجعي. وضرورة توقف الكتلة عن سياسة إصدار تشريعات بقوة الأمر الواقع في غزة باسم المجلس التشريعي.
استمرار لنهج التفرد بالقرار
ورأى الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل، ان قانون التكافل الاجتماعي الذي فرضته كتلة حماس البرلمانية يحمل رسالة واضحة باستمرار حالة الانقسام وتعميقه، إضافة إلى عدم تمكين حكومة التوافق الوطني من قطاع غزة.
وقال عوكل لـ “حياة وسوق”، إن القانون جاء في سياق استمرار سياسة التفرد وتعميق حالة الانقسام من قبل حركة حماس. وتساءل عوكل: “إذا كانت هناك حكومة توافق وطني كيف يمكن سن مثل هذا القانون وأي قانون آخر تحت عنوان التكافل الاجتماعي للصرف على رواتب موظفي حماس في الوقت الذي من المفترض انه توجد حكومة يجب ان تتولى صرفها”.
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور ماهر الطباع لـ “حياة وسوق” ان قانون التكافل الاجتماعي من شأنه أن يساهم في تخفيف الأعباء المالية في غزة من نفقات تشغيلية في الوزارات والخدمات وصرف سلف منتظمة لموظفي غزة، إلا أنه يحمل أعباء مالية على كاهل المواطن. خاصة في ظل استمرار الحصار، وارتفاع نسبة البطالة وتعثر اعادة الاعمار وانخفاض الانشطة الاقتصادية. وأضاف: ان القانون سيزيد من ضعف القوة الشرائية وسيساهم في زيادة الكساد التجاري الموجود حالياً.
وأوضح الطباع أن المطلب الرئيسي للغرفة التجارية هو تجميد العمل بالقانون لحين دراسته بشكل أوسع، لافتاً إلى أن النواب وعدوا بإعادة دراسة الموضوع والرد على الغرفة التجارية. معرباً عن أمله في أن تكون الحلول ايجابية.
حماس ماضية في تطبيق القانون
ودافع نواب حماس عن القانون على اعتبار انه يستهدف فقط الشركات الكبيرة التي تزيد أرباحها عن المليون دولار سنويا، إلا أن نص القانون الذي حصل “حياة وسوق” على نسخة منه، يؤكد من خلال نصوصه ان الضرائب ستطال السلع الأساسية. ويبدأ تنفيذه من الأول من نيسان 2015، وحتى نهاية كانون الأول من العام نفسه.
ورغم نفي نواب حماس بدء تطبيق القانون إلا ان تجاراً أكدوا بدء سريان “القانون”، وهو ما أكده القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جميل مزهر في تصريحات صحفية له.
وأمام الانتفاضة والعاصفة الشعبية الرافضة للقانون، ستجيب الأيام القادمة عن مدى انصياع كتلة حماس البرلمانية لمطلب الشارع الغزي بالتراجع عن القانون، أو ضرب الكتلة لمطلب الشارع عرض الحائط لتنفيذ أجندتها الخاصة من القانون.




