قال رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر، في 8 كانون الثاني 2015، تعقيباً على حادثة إطلاق النار على المجلة الفرنسية «شارلي إيبدو»: «عندما وجّه ثلاثة رجال مقنّعين سهامهم إلى أعزّ ما نملك من المبادئ الديمقراطية، وحرية التعبير، وحرية الصحافة، اعتدوا بذلك على الديمقراطية في كل مكان…
وقد أعلنوا الحرب على كلّ مَن لا يفكر أو يتصرف وفق ما يريدون له أن يفكر أو يتصرف… لقد أعلنوا الحرب على كل بلد – مثل بلدنا- يجلّ الحرية، والانفتاح والتسامح».
واليوم، قالت الهيئة الكندية للإذاعة والتلفزيون، (سي بي سي)، تحت عنوان «أوتاوا تهدد بتوجيه تُهمة الكراهية لمن يقاطعون إسرائيل»: (صدرت عن حكومة هاربر تلميحات توحي بنيّتها استخدام قوانين جرائم الكراهية ضدّ جماعات المناصرة التي تحضّ على مقاطعة إسرائيل).
ومن شأن هذه الخطوة أن تستهدف سلسلة من منظمات المجتمع المدني، من «الكنيسة المتحدة في كندا»، وجمعية الكويكرز الكنديين، (الأصدقاء المتدينين)، إلى الجماعات الطلابية التي قد تمارس الاحتجاج في الجامعات، والنقابات العمالية.
وإذا ما جرى تنفيذ هذه الخطوة، فسوف تكون إجراءً آخر ضمن سلسلة الإجراءات العديدة التي تتخذها الحكومة المحافظة، لتعزيز دعمها لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وقد تم توكيد نيّة الحكومة في معرض الرّدّ على استفسارات البرنامج الإخباري في محطة (سي بي سي)، حول تصريحات وزراء اتحاديين عن نهج «عدم التسامح» مع المجموعات المشاركة في التحالف مع حملة مقاطعة «إسرائيل»، وسحب الاستثمارات منها ومعاقبتها (بي دي إس)، التي شُرع بها عام 2006، بناء على طلب منظمات فلسطينية غير حكومية.
وعندما طُلب من الناطق باسم وزير السلامة، ستيفن بلاني، أن يوضح ما يعنيه عدم التسامح وما سيجري فعله لتطبيقه، ردّ بعد أربعة أيام، بقائمة مفصلة من قوانين الكراهية في كندا، مشيراً إلى أن كندا تملك منظومة محدّثة من هذه القوانين، التي تعتبر من أشمل القوانين «في أي مكان في العالم»). هل بدأ وسْم رقميّ (هاشتاغ) بعنوان «أنا حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها ومعاقبتها»، يشكل اتجاهاً على موقع «تويتر» حتى الآن؟ وبموجب المعايير الجديدة التي طُبّقت في التعامل مع مسألة مجلة شارلي إيبدو- التي تقول إنه لا يكفي الدفاع عن حرية الخطاب؛ بل يجب الثناء على الخطاب المستهدَف بالقمع، وتبنّيه والتعبير عنه أيضاً- هل بَدَأ كل المدافعين المتحمسين عن حرية الخطاب الذين واكبوا حادثة شارلي إيبدو، تنظيم مسيرات مؤيدة لحملة مقاطعة إسرائيل، تحدّياً لجهود القمع التي تستهدفها؟ وهل يمكن لأحد أن يتخيل المسؤولين في نادي الكتاب الأمريكيين، الظامئين إلى الشهرة والرواج، يمنحون جائزتهم المرموقة لأنصار حركة «مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمار منها ومعاقبتها»، المستهدَفين من قِبل إسرائيل، مثلما مَنح أولئك المسؤولون، جائزتهم لمجلة شارلي إيبدو؟
الجواب عن كل تلك الأسئلة هو الآن، وسيبقى، «كلا»، لأن طقوس “شارلي إيبدو” التي مورست، كانت بالنسبة إلى الأكثرية لا للجميع تتعلق بأجندات عدة لا علاقة لها براية حرية التعبير، التي سار ركبها تحتها.
وفي هذا الشأن، يعتبر ستيفن هاربر، المثال الدقيق على الكيفية التي يجري بها التلاعب بحرية التعبير واستغلالها في الغرب.
فعندما تكون الآراء المقموعة مقبولة لدى المُمسكين بزمام السلطة (مثل الرسوم الكاريكاتيرية المُستهزئة بالإسلام)، تكون حرية الخطاب محترمة مبجلة؛ وتكون محاولات قمع تلك الضروب من الأفكار، دليلاً على (أنّ أصحاب تلك المحاولات) «قد أعلنوا الحرب على أي بلد، مثل بلدنا، يُجلّ الحرية، والانفتاح والتسامح». ونشرع عندئذٍ بالتغني بتفوّقنا وتقدّمنا وبأننا مجنيّ علينا، ونركن إلى ما يخلفه ذلك في نفوسنا من ارتياح.
ولكنْ عندما تكون الأفكار المطروحة مزعجة لمَن هُم في السلطة (مثل خطاب المسلمين المنتقِدِ للدول الغربية وحلفائها)، فإنّ المتباكين على حرية الخطاب أنفسهم، يُذعنون للقمع الشامل، أو يؤيِّدونه بكل جلاء.
وهكذا يكون في وسع رئيس الوزراء الكندي، أن يتبختر بكل أبهة وجلال، كأنه الحارس الأمين للمُثل العليا لعصر التنوير، ليطلع علينا بعد ثلاثة أشهر فقط، سالكاً درب المستبدّين التقليديين.
إن كلّ تطبيقات قوانين خطاب الكراهية استبدادية بطبعها، وخطرة وخاطئة، ومن المُربك حقّاً (والمخيف) أن يُقنع الناس أنفسهم بأن حكمهم على الأمور سديد ومعصوم وأن معتقداتهم مقدسة، إلى حدّ اعتبار التشكك في صحتها أو مخالفتها، خروجاً عن القانون.
ولكن، بعيداً عن ذلك، فإن ما نراه هنا مرة أخرى، هو الخطأ المطلق، المتمثل في المصادقة على مثل تلك القوانين من منطلقات براغماتية: إذ أنها ستستخدَم لا ضدّ الأفكار التي يكرهها المرء وحسب، بل ضدّ الأفكار التي يحبذها أيضاً، وعندما يحدث ذلك، إذا هلل المرء عند استخدام تلك القوانين لقمع الأفكار التي يكرهها، فلن يكون لديه أساس منطقيّ عندئذ للاعتراض عليها.
وقد أمضى كثيرون ممّن كرّسوا أنفسهم للدفاع عن إسرائيل، جزءاً كبيراً من وقتهم، في التوكيد على أن الخبر الذي نشرته محطة «سي بي سي»، عار عن الصحة، كما أن الحكومة الكندية حذَت حذوهم، فأصدرت بياناً يشجبه.
ولكن، لسوء حظها وحظهم، فإنّ الرسائل الإلكترونية المتبادلة بين مراسل شبكة «سي بي سي»، التي نشرت الخبر، وبين الناطق بلسان وزارة السلامة العامة، يمكن قراءتها بالتفصيل على شبكة الإنترنت، وهي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أن خبر «سي بي سي»، صحيح مئة في المئة.





