الرئيسيةزواياثقافة وادبمع شهاب محمد في ( حلم الفتى العائد ) : هتاف للروح...

مع شهاب محمد في ( حلم الفتى العائد ) : هتاف للروح ومراودة للنص ..بقلم : محمد علوش

11329041_10207009731665406_1302399767_n

الفن ليس مرآة تعكس صورة العالم ، بل مطرقة تشارك في تشكيله وأنا اعتقد أن الفن والأدب والشعر يجب أن تكون مرايا ومطارق.. كما يقول الشاعر الروسي فاجاكفسكي أن القلق الذي يعيشه الكاتب أو الشاعر الفلسطيني قلق مختلف ، هو قلق وجودي ومصيري ، يتعلق بأسئلة المصير البشري ، وأسئلة الحق الإنساني والوطني والتي ما زالت تنتظر الإجابة كما يرى الروائي يحيى يخلف ونتفق معه ، فقد تسبب الاحتلال الإسرائيلي الغاشم في حرمان الكاتب الفلسطيني من حقه في نسج بيئته الثقافية ومن حقه في الاستمتاع بالحرية وفي إبراز ذاتيته الثقافية ، وفي التواصل مع محيطه الإنساني.

يزداد قلق الكاتب الفلسطيني يوميا ، ولكنه لا يفقد الأمل ، يعلق قناديل إبداعه عاليا حتى يهتدي إليه الأحرار ودعاة الحرية الباحثون عن الحق والجمال وروعة الإبداع.

” حلم الفتى العائد ” قصائد للشاعر شهاب محمد ، في هذه المجموعة الشعرية المسكونة بالأحلام والرؤى والأوهام والانكسارات ينصهر الشاعر/ الفرد مع صوت الجماعة..

لا يعيش الشاعر معزولا عن محيطه الاجتماعي وعن القضايا اليومية التي تؤرقه كشاعر وإنسان ، يتفاعل داخل بنية القصيدة ، ويدخل مناطقه الشعرية بجرأة وجدية ويكتب بلا تحفظ ويفتح أبوابا جديدة للتطور الفني والفكري ويرقى بقصائده لفضاءات الحداثة محلقا في سماء البوح والجمال مبدعا في تشكيل لوحاته الشعرية التي تزيدها جمالا تلك الأطياف الساحرة التي يوظفها في تشكيل لوحاته.

يبوح شعرا صافيا ممسكا بناصية اللغة التي يطعمها بشعريته المتوهجة وتكمن روح البلاغة في هذا الوعي بالفارق الممكن بين اللغة الماثلة في الشعر واللغة الممكنة التي كان من المحتمل أن تستخدم بشكل بسيط ، ويكفي أن نقيم هذا الفارق في الذهن كي نحدد مساحة أو فضاء الشكل البلاغي كما يطرح الناقد صبحي الشحروري ، فلكل مجاز معنى وكل شكل مجازي هو شكل قائم بذاته وهو يتضمن تعديلا خاصا يجعله لب وجوهر المجاز انه ذو شكل ويكمن الشكل البلاغي في الفصل بين العلامة والمعنى ، أو الدال والمدلول ، حيث تقوم المساحة أو الفضاء الداخلي للغة ، ويتحدد وجود الشكل وخاصيته المميزة بوجود العلامات البديلة وبروز خواصها.

نجد خلفية ميثولوجية للشاعر شهاب محمد في نصوصه التي يمزجها بإرث ديني/ لاهوتي/ متدفقة بالمعاني والخواطر العابقة ببطولة الأشياء والهاجسة بروحانية المكان:
واصلبوني..

كلما حاولت

أن اكشف سرا للحجر..

كلما حاولت،

أن اطرق بابا للسفر..

واقتلوني..

كلما حاولت

أن ارسم ظلا للشجر

أو أرى البحر،

وأشكو قسوة الموج،

وأحوال القدر.. (ص 64)

في ديوان الشاعر خطرات وومضات شعرية تنبجس من روح معذبة تتشبث وتقاوم ولا تنثني وهجا وموقفا.

يقول كلامه مباشرا آنا وكأنه يبعث رسائل موجهة وآنا يرمز ويغلف عباراته بالرمز الشفاف ، بلغة البوح ، والشعر متعدد الرؤى لدى الشاعر الذي نكتشف نبرات الألم ونبرات الأسى لديه والتي يصوغها له شجنا مضافا إلى أشجان الإنسانية المسحوقة المعذبة.

شهاب محمد راسخ القدم في شاعرية مستفيضة ومعتبرة ، يحرس الحلم الفلسطيني بمفهومه الواقعي العلمي ويدرك جيدا الفرق الكبير بين الرومانسية الحالمة والحساسية المفرطة وبين الواقعية التي تحرس الحلم وتواكب التطلعات والتي تقاتل ، وفي هذا الديوان تترسخ قيم الثورة والعدالة والأمل وهذه القصائد وهذه العبارات تجسد أحلام الشاعر في أروع صور تكونها ، ويتردد صداها في الذاكرة والقلب والوجدان ويهديها الشاعر للإنسان الإنسان ، الذي هو هدف الموت والحياة في حدود الزمن الضيقة وسنوات العمر القصيرة ، ويهديها أيضا للمبادئ التي تكتب بالدم والتي هي أكثر من الأرض ودورتها ثباتا كما يقول إهداؤه.

هنا تورق الذكريات ،

هنا..

قناديلها ،

لا تضيء اشتهاء

ولا تشتهي رعشة الموت ،

فينا..

ولا تنتهي روعة الحلم ،

فينا..

وفي جسدي لغة

لا تنام..

(ص 36-37)

هنا يجول الشاعر بياض الورق إلى جمر متوهج بالكلمات ويعبر شاعرنا نهر الكلمات متدفقا بالصور والتعابير ذو قدرة مبدعة على الصياغة في المبنى والمعنى بشعرية واثقة تحمل في طياتها وبين ثناياها رسالة الحب والحياة والولادة والانتظار، يتخطى كل جنون الخطر وكل أخطار الجنون ، فارس أحلام للبحر، تجلت مهارات الشاعر في توظيفه البحر رمزا ووجودا وعمل على أنسنته والحوار معه والجدل حوله ، أبدع في توظيف رمزية هذا العالم الخطير والجميل في آن ، والبحر هو رمز التجدد والانبعاث لشعب صامد مكابر وعنوان للتحدي ورمز للبقاء وتجدد الحياة والأمل:

قالها البحر

وهذا البحر

لا يكذب سره.. (ص 55)

يستحضر الشهداء في قصائده على تراب الأنبياء وفي مهجة الجرح النازف ، ويحمل أوجاع الأرض ونار الثأر وغضب الشعب ، يشرع نوافذ الحلم رغم لهيب المؤامرة ، فاللهجة تبقى عربية واللسان عربيا أبدا:

ما زال نشيدا أبديا

فأرضعيهم لبن الثأر سخيا

أرضعيهم غضب الشعب

ونار الثأر حبا سرمديا

انه ما كان قد كان

ولكن

سوف يبقى الحب والاقدام

فينا..

عربيا عربيا عربيا..

)ص 56(

وتتصف كتابات الشاعر عموما بالصدق وقوة النبرة والإحساس العالي بالأشياء ، وتتجلى في قصائده روحه ومهجته الثائرة المتأججة بالشوق والحنين والغضب والثورة العارمة والنقمة على أشباه الرجال السماسرة المخادعين والمتخاذلين ، وفي قصائده روح وتفاعل وصفاء.

في الديوان نجد شهاب محمد قريبا من ذلك المناخ الشعري الذي صنعه التيار الشعري المهجري القادم من وراء البحار والمتمثل بقصائد جبران وأبي ماضي ونعيمة والمعلوفيين ، وفي قصائد شعارنا قوة سحرية أخاذة وآسرة تستدرج المتلقي للولوج إلى ثناياها في الديوان.

تتوزع أحلام الشاعر على مساحة الديوان وفي وطن القصيدة الشهابية المعبرة عن هموم الإنسان الفلسطيني والعربي وعن القضايا التي يحياها هذا الإنسان والتي يكابد خلالها كل صنوف العذاب والظلم والاجحاف.

جمع الشاعر بين كافة أشكال الكتابة الشعرية ، يكتب بلغة الإيحاء والرمزية ويدخل مدارات المباشرة في بعض الأحيان ، يكتب كما يرى وفق حالاته النفسية والفنية واللغوية.

أبدع في كل مجالات القصيدة على اختلاف الشكل والمضمون ففي “حلم الفتى العائد” نلتقي مع الشعر العمودي وشعر التفعيلية وقصيدة النثر وقصيدة النثر، ونلتقي مع موسيقى الوزن والموسيقى الداخلية وإيقاعات اللغة ، مع مواضيع الحب والوطن والوجود ومع فلسفة الأشياء ، مع الإبداع الجليل ، فقد استخدم الشاعر كل مهاراته اللغوية والإبداعية في معركة التجلي يسمو بقصيدته إلى أروع صور البهاء والنشوة.

يركز الشاعر على الصورة الشعرية وعلى المستوى اللغوي للقصيدة فهو يشحنها بتيار الوعي الثقافي الذي يرقى لمستوى الذائقة الأدبية ، ينظر للشعر بوصفه حالة جمالية لها دور هام وكبير في صياغة الحياة.

في قصيدة “ابتسامة” يغدق الشاعر على محبوبته أرقى وأسمى الأوصاف في لحظة مراودة الحلم في لحظات الوجد:

احبك.. أغنية في دمي

احبك.. لحنا ونايا

أنا لون عينيك

يا امرأة في نشيدي الطويل

ويا وردة في اشتهاء الشفاه

وعرس الصبايا

أنا سحر عينيك

يأذن لي بالخشوع

وقلبي يؤذن..

في ساحة المجد

يا فاتنة..

يراودني الحلم ،

في لحظة الوجد

هل يفضح القلب أسراره… (ص 118-119)

شهاب محمد متسلح بالقصيدة وشراعه الكلمات..

“حلم الفتى العائد” – أحلام الإنسان العائد للجزء المتاح من الوطن كما يقول صديقنا احمد دحبور ، مزيج من المشاعر والرؤى المشفوعة بالحلم الوردي في وطن القصيدة.

هذا العمل الفني ” يغوص في خضم الكيان الإنساني الفلسطيني الرحب بما فيه من قلق وانهزام وألم ويأس وفرح وأمل وحب ، وبما ينطوي عليه من تفجر وخلق وتمرد” .

هذا العمل الفني الشعري إضافة إبداعية لإبداعات شهاب محمد الذي يقدم عصارة فكره وتجربته عبر قصيدته.

تحية إعزاز للشاعر.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب