
إسطنبول، تركيا — على أرضية متحف طهران العسكري الكبير الجديد، ثمة الحطام المشوه لأربع سيارات تمزقت بفعل قنابل قاتلة، وقد وضعت في داخل زجاج تخليداً لعلماء إيران “الشهداء النوويين” الذي كانوا قد اغتيلوا بين الأعوام 2012 إلى 2014.
كان اغتيال أولئك العلماء جزءا من حرب سرية طالت لسنوات، والتي شنتها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل من أجل تبطيء البرنامج النووي الإيراني، واشتملت على فيروسات كومبيوتر وتخريب. وكانت سبباً دفع زعيم إيران الروحي، آية الله علي خامنئي، إلى قول أنه يرفض عمليات التفتيش على المواقع العسكرية والوصول إلى العلماء النوويين.
في أعقاب محادثات مضنية، تقف إيران وست قوى عالمية على بعد أسبوعين تقريباً من الموعد النهائي المحدد في 30 حزيران (يونيو) للتوصل إلى صفقة للحد من برنامج إيران النووي بحيث لا تستطيع إنتاج قنبلة، في مقابل رفع العقوبات الشديدة المفروضة عليها.
ستتيح الصفقة المجال لفتح برنامج إيران النووي أمام التدقيق والفحص على نحو لم يحدث من قبل، تطبيقاً لاتفاق إطار عمل كان قد تم الاتفاق عليه في لوزان بسويسرا يوم 2 نيسان (أبريل) الماضي. وما يزال عمق ومدى فتح البرنامج أمام مفتشي الأمم المتحدة -واستغلاله المحتمل من جانب أجهزة الاستخبارات، كما يقول محللون- عقبات رئيسية كأداء مطروحة على طاولة التفاوض.
ومن جهته، قال الرئيس الإيراني حسن روحاني في عطلة نهاية الأسبوع الماضي أن إيران “لن تسمح أبداً بأن تصبح أسرارها في أيدي آخرين من خلال البروتوكول الإضافي أو أي وسائل أخرى”. وكان يشير بذلك إلى عمليات تفتيش أكثر تطفلاً، والتي تشكل مادة إضافية تطوعية تضاف إلى لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، والتي يقول دبلوماسيون أن إيران ستقبل بها بموجب الصفقة.
وكانت إيران تخضع لعمليات التفتيش من جانب وكالة الطاقة الدولية التابعة للأمم المتحدة أكثر من أي بلد آخر. لكن هناك قضايا تخص أعمالاً يحتمل أن تتعلق بالأسلحة، والتي تعود إلى أكثر من عقد مضى، ما تزال غير محلولة لأن إيران تحد من وصول المفتشين إلى المواقع العسكرية والعلماء.
وقال السيد روحاني في مؤتمر صحفي في مطلع الأسبوع الماضي: “من المهم بالنسبة لإيران أن نوضح للعالم، على صعيد تنفيذ هذا البروتوكول، أن الاتهامات التي نواجهها فيما يتعلق بمحاولة بناء قنبلة هي اتهامات لا أساس لها”.
وفق قائمة لوزارة الخارجية الأميركية حول “الحدود” التي تم الاتفاق عليها بين إيران ومجموعة 5+1 في نيسان (أبريل) الماضي، فسيكون هناك وصول لكامل سلسلة إيران من الإمدادات النووية؛ ووصول إلى مواقع إنتاج أجهزة الطرد المركزي لمدة 20 عاماً؛ و”عمليات تفتيش صارمة” لمناجم ومطاحن اليورانيوم لمدة 25 عاماً.
كم هو الذي كشفت عنه إيران من أسرارها؟
تتضمن الإجراءات التي عرضتها قائمة الولايات المتحدة “قناة مخصصة للشراء”، والتي ستحصل إيران عبرها على موادها النووية، وسيكون “مطلوباً” منها منح مفتشي الوكالة الدولية للطاقة النووية الوصول إلى كافة المواقع المشكوك فيها. وهناك بيان مشترك لإيران-الاتحاد الأوروبي، والذي صدر 2 نيسان (أبريل) أكثر غموضاً، والذي يشير ببساطة إلى أن إيران سوف تقدم “وصولاً معززاً من خلال إجراءات متفق عليها”.
يقول مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية: “لدينا حل لكل شيء (تم الاتفاق عليه في لوزان)، لكن هناك وراء كل واحد من تلك الحلول عدداً من التفصيلات للتأكد من أن الحل الذي تعتقد بأنك حصلت عليه، تكون قد حصلت عليه”. ويقول المسوول أن أي تغيير في أحد المعايير يتطلب إعادة قياس لمعيار آخر، بحيث أن “كل القطع ما تزال مدرجة على الطاولة” حتى الآن. وتستمر المحادثات في فيينا.
بالنسبة لإيران، تشكل الصفقة مقايضة، حيث يتم وزن إنقاذ الاقتصاد والمحافظة على العناصر الرئيسية لبرنامجها النووي، في مقابل السماح بحصول المفتشين – وبالتالي، أجهزة الاستخبارات الأجنبية بشكل شبه مؤكد -على فهم أكبر لطبيعة جهودها النووية.
هبطت وتيرة الحرب السرية بشكل كبير في الأعوام الثلاثة الماضية فيما بتعلق بالتطورات التي تحتل العناوين الرئيسية، مثل اغتيال العلماء وفيروس الكمبيوتر “ستكس نيت”. لكن مصير أسرار إيران النووي عاود الظهور مؤخراً كموضوع مهم.
يقول بول بيلار، المتقاعد من وكالة الاستخبارات الأميركية وضابط الاستخبارات القومية السابق للشرق الأدنى وجنوب آسيا: “مما لا شك فيه أن هناك الكثير من البحث الذي يجري في طهران حول كم من الأسرار التي عليهم أن يظهروها في هذا المجال من أجل التوصل إلى صفقة”.
هل تجسست إسرائيل على المباحثات النووية؟
يقول السيد بيلار الذي يعمل راهناً في جامعة جورج تاون: “إذا كان لهذه الألعاب (السرية) أن تبدأ ثانية، أعتقد بأن الإيرانيين سيسيرون بخطى سريعة جداً للتصرف بحماقة، وسنكون أمام خطر رؤية كل الاتفاقية وهي تتقوض”.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، قال مسؤول أمني إيراني رفيع أن القوانين الجديدة ستمنع استخدام الهاتف الذكي من جانب المسؤولين الإيرانيين الذين يتمتعون بوصول إلى المعلومات السرية لأنه “يمكن الوصول إلى البيانات”.
ومن جهتها، شرعت السلطات السويسرية والنمساوية في بدء تحقيقات منفصلة مؤخراً بعدما ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن شركة بارزة في الأمن السيبراني وجدت أن ثلاثة فنادق تستضيف المباحثات النووية تعرضت للاستهداف بفيروس كمبيوتر يعتقد بأن جواسيس إسرائيليين استخدموه. وتنفي إسرائيل تورطها رسمياً. وكانت صحيفة الجورنال قد أوردت أولاً في آذار (مارس) الماضي أن المسؤولين الأميركيين علموا في العام 2014 عن تجسس إسرائيل على المباحثات.
تعارض إسرائيل الصفقة النووية لأن إيران ستحتفظ في نهاية المطاف بقدرة تخصيب اليورانيوم بدرجة توليد الطاقة النووية. وإذا تم تخصيب اليورانيوم إلى مستويات أعلى، فسيكون من الممكن أيضاً استخدامه لصنع سلاح.
“الكثير من الفرص للاستخبارات”
إذا تم التوصل إلى اتفاق، سيترتب على إسرائيل “مضاعفة محاولاتها الاستخباراتية لرصد التطورات في الجمهورية الإسلامية، بحيث تستطيع إطلاق الإنذار إذا دعت الحاجة”، كما يقول البريغادير جنرال (احتياط) يوسي كوبرفاسر، الرئيس السابق لقسم البحث في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية في تقرير نشره مركز بيغن-السادات للدراسات الإستراتيجية في جامعة بار إيلان الإسرائيلية مؤخراً. ويقول كوبرفار أن الفضل في عدم تطوير إيران أسلحة نووية طيلة الأعوام السبع والعشرين الماضية “يعود إلى جهود إسرائيل في جزء كبير منه”.
في الأعوام الماضية، حذرت كل من إسرائيل والولايات التحدة من توجيه ضربات عسكرية لمنع إيران من الحصول على قنبلة. ويشير بعض المحللين إلى أن الوصول الأعمق لبرنامج إيران النووي بموجب اتفاق، يستطيع تحسين اختيار الهدف لأي ضربة مستقبلية.
وتدعو الصفقة إلى “مستويات استثنائية للرؤية في البرنامج، والتي تخلق المزيد من الفرص لجمع المعلومات الاستخبارية” كما يقول أوستن لوغ، الخبير الأمني في جامعة كولومبيا والذي كان قد قدم المشورة للقوات العسكرية الأميركية في العراق قبل سنوات.
ويشير إلى أن إيران ستسمح بموجب الصفقة –على سبيل المثال- بعقدين من الرصد في مواقع حيث تصنع مكونات أجهزة الطرد المركزي، والتي تتجاوز معيار الوكالة الدولية للطاقة النووية للرصد. فإذا تم استهداف هذه المواقع في ضربة عسكرية، كما يقول السيد لونغ، سيترت على إيران إعادة بناء خطوط الإنتاج تلك قبل أن تبدأ في إعادة بناء أجهزة الطرد المركزي المدمرة -ربما بما يتجاوز بسنوات قدرتها على إعادة بناء برنامجها النووي.
“جمع معلومات أكثر من العمل السري”
يقول لونغ في إشارة للكيفية التي تقبل بها الصفقة بالتخصيب على الأراضي الإيرانية -والذي كان ذات مرة خطاً أحمر أميركياً، واستمرار البحث النووي والسماح ببرنامج نووي كبير: “أعتقد بأن الإيرانيين يجب أن يكونوا مدركين ذلك، وأنهم قد توصلوا إلى الحكم بأنهم سيحصلون على ما يحتاجونه فعلاً”.
ولكن، لأن الولايات المتحدة وإيران لا تريدان أن تشاهدا وهما تنتهكان الصفقة، كما يقول لونغ، فمن المرجح أن الجهد الاستخباراتي سوف “يقتصر على جمع المعلومات أكثر من كونه عملاً سرياً على الجانب الأميركي”.
مع ذلك، يعرب مسؤولون إيرانيون رفيعون عن القلق. وقال نائب قائد الحرس الثوري حسين سلامي في منتصف نيسان (أبريل) الماضي: “إن عدم ثقتنا بالعدو لا نهاية لها، وإيران لن تصبح جنة للجواسيس”. وخلص إلى القول “إن إيران لن تبسط سجادة حمراء لأولئك الذين يريدون التغلغل واختراق كنوزنا السرية”.
سكوت بترسون — (كريستيان سينس مونيتور
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:Iran nuclear deal: Will Teheran be able to protect its secrets?
abdrahaman.alhuseini@alghad.jo
Facebook TwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظ



