
لقد حان الوقت لإعادة النظر في موضوع العراق وسورية. ويبدأ ذلك بالاعتراف بأن الحدود القديمة قد ولّت، وبأنها لن تمكن استعادة سورية أو عراق موحدين أبداً، وبأن تقسيم سايكس-بيكو أصبح بائداً وجزءا من الماضي.
ربما لا نريد أن نعلن هذه السياسة رسمياً. فهي تتعارض، بعد كل شيء، مع المبدأ القائل بوجوب الحفاظ على الحدود الاستعمارية، مهما كان مستوى الجنون الذي رُسمت به، وبأن البديل سيكون أسوأ بشكل كامل تقريباً. ومع ذلك، ستكون البلقنة في بلاد ما بين النهرين هي السبيل الوحيد للمضي قدماً.
لأن ذلك حدث مسبقاً في الحقيقة، ولم يعد بالوسع قلب وجهته. ففي العراق، على سبيل المثال، أصبحنا نحصد الكارثة تلو الأخرى من خلال التظاهر بأن حكومة بغداد -الطائفية بعمق، والتقسيمية التي تدين بالولاء لإيران- ينبغي أن تكون مركز سياستنا وأن تمر عبرها كل المساعدات العسكرية.
فلننظر إلى ما حدث في الفلوجة والموصل والرمادي. إن الجيش العراقي مهزلة. إنه يرى العدو ويهرب ويترك أسلحته وراءه. ويقول رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة: “لم يتم طرد قوى الأمن الداخلي من الرمادي. إنهم خرجوا من الرمادي”. ثم يعترف وزير دفاعنا نفسه بأن “القوات العراقية لم تُظهر إرادة للقتال”.
يمكننا أن ندربهم إلى الأبد. لكن المشكلة تكمن في الإرادة. إنهم لا يريدون القتال. ولماذا ينبغي أن يفعلوا؟ إنهم تحت إمرة قادة فاسدين وطائفيين وغير أكفياء.
ما الذي يجب عمله؟ أن نقوم بإعادة توجيه جهودنا إلى قوات صديقة، والتي تكون ملتزمة التزاماً عميقاً بالقتال، بدءا من الأكراد الذين لديهم الإرادة والمهارة، والذين أثبتوا نجاحاً يعتد به. وفي هذا العام وحده، تمكن الأكراد من استعادة أكثر من 500 بلدة مسيحية وكردية من “الدولة الإسلامية”. ومع ذلك، كان الأكراد، على عكس الجيش العراقي، في عوز شديد للأسلحة، لأننا نرسلها إليهم –بما يكفي من الغرابة- عبر بغداد، التي لا ترسل إليهم سوى قدر ضئيل.
هذا الاسبوع، تحقق المزيد من النجاح الكردي. فبدعم جوي أميركي، استعاد الأكراد السوريون بلدة تل الأبيض الاستراتيجية من “الدولة الإسلامية”. وهو أمر مهم لسببين: تسيطر بلدة تل الأبيض على الطريق الذي يربط عاصمة المجموعة الإرهابية، الرقة، بتركيا، والذي تتلقى منه المقاتلين والأسلحة والإمدادات. وبذلك، تشكل تل الأبيض “رئة تتنفس من خلالها (الدولة الإسلامية) وتتصل عبرها بالعالم الخارجي”، كما قال القائد الكردي حقي كوباني.
بالإضافة إلى ذلك، تساعد تل الأبيض على ربط المناطق الكردية المعزولة في الشمال السوري بالمناطق المجاورة، مثل كردستان العراق. وهو ما يوحي بأن هذه الأرض يمكن أن تعمل بالضبط كنوع من “منطقة آمنة” سورية، والتي ما تزال الدعوة إلى إقامتها مستمرة منذ فترة طويلة، ويمكن من خلالها العمل ضد كل من “الدولة الإسلامية” ونظام بشار الأسد على حد سواء.
ثمة المزيد من الأخبار الجيدة تأتي من خط معركة آخر. ففي الأسبوع الماضي، قامت الجبهة الجنوبية للجيش السوري الحر، المدعومة والمدربة أردنياً، بطرد قوات الحكومة السورية من آخر قاعدة رئيسية لها في شرق محافظة درعا، الواقعة على بعد أقل من 60 ميلاً من دمشق.
تقترح هذه النجاحات وضع استراتيجية أميركية جديدة. ويجب أن تتضمن هذه الاستراتيجية تخلينا عن ولائنا الذي عفى عليه الزمن للحكومة العراقية المركزية (التي هي الآن تحت سيطرة إيران إلى حد كبير على أي حال) والبدء في تزويد الأكراد العراقيين بجسر جوي مباشر من الإمدادات على مدار 24 ساعة، على غرار جسر برلين. وفي سورية، يجب علينا تكثيف تدريبنا، وتقديم التجهيزات والمعدات والدعم الجوي للمنطقة الكردية الآمنة الكردية التي تتطور الآن. وبالمثل، تقديم مثل ذلك إلى الجبهة الجنوبية للجيش السوري الحر من خلال الأردن. ولن تفضي هذه الاستراتيجية الجدية التي لا تعرف الكلل فقط إلى تراجع مساحة الأراضي التي تسيطر عليها “الدولة الإسلامية”، وإنما ستبطل أسطورة “الدولة الإسلامية” التي لا تقهر أيضاً.
من الناحية النظرية، ينبغي أن نمنح المساعدات المباشرة أيضاً لرجال القبائل السنية الصديقة في العراق، الذين تمكنت صحوتهم في الأنبار، والتي انضمت إليها ببراعة زيادة عديد القوات التي نفذها الجنرال ديفيد بترايوس، من إلحاق الهزيمة الكاملة بسلف “الدولة الإسلامية”، تنظيم القاعدة في العراق، في الفترة 2006-2007. لكن المشكلة هي: بعد أن تخلينا عنهم ذات مرة عندما قام الرئيس أوباما بتصفية وجودنا هناك في العام 2011، أي سبب يجعلهم يثقون بنا أبداً مرة أخرى؟
أما بالنسبة للجيش العراقي، فيمكننا مراجعة الأفكار والاقتراحات، ولكن أفضل ما يمكن أن نأمله هو تحقيق احتواء قلق، والذي سيضمنه وكلاء إيران في نهاية المطاف. وليس هذا احتمالاً سعيداً في الحقيقة، ولكنه أفضل ما يمكننا القيام به بعد أن خسرنا وضعنا المهيمن في العراق في العام 2011.
في ذلك الوقت، كان العراق دولة عاملة. والآن ذهبت تلك الدولة. ولا ينبغي لنا أن ننفق المال أو نخاطر بخسران الدماء في محاولتنا بعث تلك الدولة. إن هدفنا الآن هو هزيمة “الدولة الإسلامية” وضمان سقوط نظام الأسد. ولا يتطلب ذلك غزواً أميركياً، لكنه يتطلب إدراك الواقع حقاً، وتقديم الدعم الواسع لحلفائنا الحقيقيين القلائل على الأرض.
يوم الأربعاء الماضي، شهد وزير الدفاع، آشتون كارتر، بأننا لن نستطيع الوفاء تماماً بهدفنا المتمثل في تدريب 24.000 جندي عراقي خلال خريف هذا العام. لماذا؟ لأن هناك مشكلة في التجنيد. ولا يبدو أن العراقيين يريدون الانضمام. ولدينا نقص بمقدار 15.000 مجند.
إنها فكرة حمقاء على أي حال. إذا كنا بحاجة إلى التظاهر بدعم حكومة بغداد، فليكن ذلك. ولكن استراتيجيتنا الفعلية يجب أن تكون الالتفاف عليها ومساعدة حلفائنا الحقيقيين على تحمل أعباء القتال.
تشارلز كراوثامر – (الواشنطن بوست) ترجمة: علاء الدين أبو زينة
*نشر هذا المقال تحت عنوان: A new strategy for Iraq and Syria
ala.zeineh@alghad.jo




