لعل أفضل وصف للاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة + 5 أنه يثير أسئلة أكثر مما يقدم إجابات، إن بالنسبة لتفسير بنوده، ولكل طرف فيه تفسيره، أو لجهة التزام تطبيقه من جانب إيران التي طالما تهربت من موجبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو خاصة لناحية ما قد يكون للاتفاق من مردود سياسي وجيوستراتيجي ستحاول طهران تجسيده قوة سياسية ودوراً إقليمياً لها خارج حدودها.
في رأس هذه الأسئلة، وبعيداً من النقاط التقنية التي لها من يشرحها ويفندها، ما أشار إليه الرئيس الأميركي باراك أوباما، وهو يعلن توقيع الاتفاق، من أن مستنده الأساسي هو «عملية التحقق وليس الثقة». وفي كلامه هذا، يؤكد أوباما أن الثقة بالنظام الإيراني ما تزال معدومة على رغم الاتفاق، وأن عملية التحقق والتزام إيران بها يبقيان قيد الاختبار ليس للفترة المقبلة المحددة فيه فقط، أي منتصف كانون الأول وتقرير الوكالة الدولية للطاقة المنتظر فيه، إنما على امتداد الأعوام الـ15 كلها أيضاً. وفيه كذلك، أنه كان لا بد من الاتفاق والاختبار، ليس فقط لمحاصرة البرنامج النووي الإيراني ومنع تحوله إلى سلاح تدميري، بل أيضاً لمعرفة حقيقة النظام في طهران والدور الذي يريد، أو يمكن له عملياً، أن يلعبه في المنطقة وضمن الأسرة الدولية.
وبهذا المعنى، فما تم التوقيع عليه في فيينا يوم الثلاثاء في 14 تموز الجاري هو اتفاق بين طرفين يعلن أحدهما في أثناء التوقيع عليه أنه لا يثق بالآخر من جهة أولى، وأنه قيد الاختبار والتجربة لـ15 عاماً كاملة وتحت سيف التهديد باعتباره كأنه لم يكن (إعادة فرض العقوبات في حال الإخلال بأي بند من بنوده) من جهة ثانية.
وفي هذه النقطة تحديداً، إذا كان للأعوام الـ36 من عمر النظام الإيراني أن تعطي إشارة إلى ما ستكون عليه الحال في المستقبل، إن بالنسبة للتعامل مع الأمم المتحدة ووكالة الطاقة الدولية أو مع «الشيطان الأكبر» والغرب عموماً، فضلاً عن دول الجوار العربي، فلن يكون مبالغاً فيه توقع انتهاء الاختبار، إذاً الاتفاق كله، إلى الفشل.
أما إذا سارت الأمور في اتجاه آخر، وذلك مستبعد أقله حتى الآن بدليل أن الرئيس الإيراني حسن روحاني لم يجد في الاتفاق سوى أنه «انتصار للديبلوماسية على الحرب»، فإن إيران جديدة ومختلفة عما كانت عليه في السابق تكون قد برزت فعلاً في الساحة الدولية وفي المنطقة في شكل خاص.
السؤال الثاني في الاتفاق، الذي وصفه الكاتب الأميركي تشارلز كراوثامر بـ «أسوأ اتفاق في تاريخ الديبلوماسية الأميركية»، أنه يقدم لنظام الملالي الإيراني ما قد يعتبره «جائزة ترضية»، أو ربما حتى «مكافأة»، على ما قام به من أعمال تخريبية وإرهابية طيلة الأعوام الـ36 الماضية في المنطقة كما في العالم الخارجي، وبأن يتصرف تالياً على أساسها. وعملياً، فقد استبق مستشار المرشد الأعلى، علي يونسي، الاتفاق بحديثه قبل شهور عن استعادة بلاده ما كانته في التاريخ القديم «إمبراطورية فارسية عاصمتها بغداد»، وسقوط 4 عواصم عربية في يدها، بنتيجة هذه الأعمال.
أكثر من ذلك، فوفق كراوثامر، تبقى العبرة في نهاية الأمر في نوايا النظام الإيراني وليست في أعماله وحدها، وأن نواياه هذه لم تخرج في يوم عن كونها متطرفة أيديولوجياً وسياسياً من ناحية، وتوسعية جغرافيا على حساب جيرانها القريبين والبعيدين من ناحية ثانية، فضلاً عن تركيبة النظام العسكرية والنووية والصاروخية العابرة للقارات من ناحية ثالثة. والمسألة هنا إذاً ليست في «ماذا» فعل النظام طيلة الأعوام السابقة في الداخل والخارج، إنما هي أولاً وأخيراً في «لماذا» فعل النظام ذلك، وما هي أهدافه المبيتة من ورائه.
وعلى سبيل المثال، يسأل كراوثامر هنا، كيف ستنفق هذه الدولة مبلغ الـ150 مليار دولار الذي ستفرج عنه الولايات المتحدة من أرصدة إيران المجمدة لديها، والذي يفوق بـ25 ضعفاً ميزانية «الحرس الثوري الإيراني» السنوية، إذا أخذ في الاعتبار أنها كانت، وهي تحت العقوبات الدولية، تمول عملياته التخريبية في العراق وسورية ولبنان واليمن والبحرين؟
السؤال الثالث، أنه إذا كانت «الديبلوماسية قد نجحت» كما قال روحاني وأوباما معاً في حديثهما عن الاتفاق النووي، فمتى وكيف تنتهي الحروب المعلنة التي تشنها إيران وميليشياتها المذهبية في كل من سورية والعراق واليمن والبحرين ولبنان؟ بل هل هناك ما يشي بـ «ديبلوماسية» ما، فضلاً عن أن «تنجح» بدورها، في تلك البلدان التي لم تشهد حروباً تدميرية وفتنوية وتقسيمية من هذا النوع، إلا لأن النظام الإيراني مد يده المذهبية والميليشياوية المسلحة إليها؟
وإذا كان أوباما يعتبر أن المنطقة كانت ستكون أقل أمناً في ظل البرنامج النووي الإيراني، وهي إذاً باتت أكثر أمناً من وجهة نظره بعد اتفاق الدول الست مع إيران حوله، فكيف يفسر للرأي العام في بلاده حربه المعلنة حالياً ضد إرهاب «داعش» وغيره من التنظيمات التكفيرية… تلك التنظيمات التي لم توجد أصلاً، ولم ينضم إليها شبان من الولايات المتحدة نفسها ومن بلدان أوروبا، إلا نتيجة التدخلات الإيرانية السافرة في سورية والعراق وغيرهما؟ بل هل يعرف أن الغارات الجوية التي تشنها طائراته ضد «داعش» في سورية والعراق تجيّرها إيران لحسابها وحساب حليفيها نظامي بشار الأسد وحيدر العبادي في البلدين؟
وأي أمن في منطقة الشرق الأوسط، وفي العالم وفق تبريرات أوباما للاتفاق، إذا كانت هذه هي الحال مع إيران ذات الأنياب النووية أو مع إيران المنزوعة الأنياب، ما دامت «الثقة» بها مفقودة (كلام أوباما)، وما دامت نواياها «الامبراطورية الفارسية» (كلام مستشار المرشد) لم تتغير؟
إن اتفاق فيينا هذا إنما يثير أسئلة أكثر مما يقدم إجابات، ولن يتحول إلى «اتفاق تاريخي» كما يحلو للبعض أن يسميه ما لم يعكس الآية فيعطي إجابات واضحة ومحددة عن هذه الأسئلة.





