الرئيسيةزواياأقلام واراءخيارات السعودية في مواجهة زلزال الاتفاق النووي الإيراني ...بقلم: امين حطيط

خيارات السعودية في مواجهة زلزال الاتفاق النووي الإيراني …بقلم: امين حطيط

فهرس
قد تكون من المرات النادرة أن تشعر السعودية بالحاجة للعضب وللتمرد على قرار أميركي له انعكاس وتداعيات مباشرة عليها، فالسعودية التي تعتبر جرما يدور في الفلك الأميركي ويعتبر من يمارس السلطة فيها جزءا من منظومة حراس المصالح الغربية عامة والأميركية خاصة، السعودية هذه بحكم طبيعة نظامها الوظيفي في خدمة المشروع الغربي في المنطقة لا تملك أصلا حق مناقشة السياسة الأميركية في المنطقة واقصى ما يمكنها فعله إذا أجيز لها ذلك هو الاستفسار عن فحوى قرار اتخذ ليس أكثر.

لكن هذه المرة وفي مناسبة الاتفاق النووي الإيراني الدولي، شعرت السعودية بان هناك وضع استثنائي يحملها على التصرف المنفرد لحماية مصالحها حتى ولو كان في التصرف تعكير لجو الانفراج الدولي الذي أعقب الاتفاق أو كان فيه إزعاج لمتبوعها أميركا التي قررت أبرام هذا الاتفاق، ومرد هذا الاستثناء برأينا عائد إلى أسباب ثلاثة:

أولها يتصل مباشرة بالمدلول السياسي الاستراتيجي للاتفاق و الاعتراف الدولي بإيران القوية و انعكاسه على صورة الدولة السعودية بالمقارنة مع الدولة الإيرانية وللتوضيح نقول إن السعودية التي تطرح نفسها قائدة للعالم الإسلامي والتي أنشأت أو رعت وتستمر في الهيمنة على أكثر من منظمة إقليمية أو دولية لتثبيت هذه القيادة، تجد نفسها أمام دولة إسلامية يعترف العالم بها و بقوتها ما يجعلها خاسرة بنتيجة المقارنة بين دولة تمنع المرأة من قيادة السيارة ولم تحقق على الصعيد العلمي أو التقني الحضاري شيئا تنافس به أحدا من دول العالم الصناعية الكبرى رغم ما تملك من ثروات وما تمسك به وتمارس من نفوذ، و بقيت حتى اللحظة دولة استهلاكية ثقيلة الحركة تغرق في تبعية قاتلة ترهنها كليا للغرب. بينما ظهرت إيران وباعتراف دولي بانها دولة متقدمة حضارية تنافس الدول الكبرى في أخطر واهم مواضيع العلم والتصنيع والتقنية علم الذرة والتقنية النووية.

ثانيها يتصل بالمقارنة بين نظام الإسلام السياسي الوهابي التكفيري الذي تقوده السعودية و نظام الإسلام السياسي الوحدوي الجامع الذي تقوده ايران ، حيث أن الأول ابقى الشعوب مكبلة متخلفة واخرج المنظمات التكفيرية الإرهابية من القاعدة و داعش و النصرة إلى آخر سلسلة البنات و الأبناء الإرهابيين لتنظيم القاعدة التي قامت بإحراق المنطقة و قتل شعوبها أو شتيتهم في اربع أصقاع الأرض ، بينما انتج الثاني و رعى تنظيمات مقاومة حررت و صمدت في مواجهة الاستعمار الاحتلالي و تستمر في التصدي لأي مشروع اجنبي يرمي إلى مصادرة قرار المنطقة و ثرواتها ، ثم يأتي الاتفاق النووي ليحرر ايران من العقوبات و العزلة و الحصار و يمدها بمصادر القوة المالية و غير المالية ما يجعلها قادرة على رفع مستوى مساعدتها للمقاومة بكل فصائلها وتنظيماتها خدمة للمشروع الاستقلالي السيادي و هذا أيضا يؤدي بنتيجة المقارنة إلى فضح السعودية و يفضح نهجها ونظامها.

أما الثالث فيتصل بالفضاء الاستراتيجي المرتقب توسعه وتمدده لصالح إيران وانحساره وتقلصه ضد مصلحة السعودية التي باتت بشكل جدي تخشى سقوطها عن عرش العالم الإسلامي، وأبعادها عن كرسي التحكم بقرار العالم العربي بعد انكشاف عجزها في المواجهة وافتضاح دورها في رعاية الإرهاب الذي يعمل لتدمير وأحراق بلاد العرب، في الوقت الذي تتصدى إيران للإرهاب وتقدم المساعدات للشعوب المستهدفة في العراق وسورية واليمن، فضلا عن دعمها للمقاومة في لبنان وفلسطين وتأييدها لمطالب شعب البحرين. وبما أن منطق الأمور وسنة التاريخ تقود إلى انتظار انتصار تلك الشعوب في مواجهة من يظلمها ومن يعتدي عليها، فإن السعودية ستجد نفسها مع الطرف المرتقب خسارته بخلاف إيران التي ستكون بدون شك مع الطرف الذي سيربح المواجهة ثم جاء الاتفاق النووي ليعزز هذا الكسب الاستراتيجي لإيران ويثبت لها فضاءا استراتيجيا واسعا.

لقد استبقت السعودية التوقيع و ذهبت للعدوان على اليمن وظنت إنها ستحقق هناك من الإنجازات ما يظهر قوتها و حزمها ، و لكن جاءت النتيجة خلافا لما أرادت حيث غرقت في مستنقع اليمن و في رماله المتحركة و ظهر عجزها العسكري ففاقم مأزقها ، ثم جاء الاتفاق النووي الإيراني الدولي في لحظة تاريخية قاتلة للسعودية ، و راكم خسائرها الاستراتيجية حيث شعرت السعودية بالعجز المتعدد العناوين و الاتجاهات عجز في الميدان اليمني ، عجز في الميدان السوري و العراقي ، عجز في الأروقة السياسية و الدبلوماسية عجز أدى إلى اختلال التوازن الاستراتيجي في المنطقة لغير صالح السعودية ما وضعها أمام الخيارات الصعبة ، فما هي هذا الخيارات التي يمكنها ولوج دروبها ؟

أننا نرى أن السعودية وفي اللحظة الراهنة أمام خيارين رئيسين لا ثالث لهما، رغم أن لكل خيار منهما أكثر من تفريع وتفصيل خاص ضمن العنوان الرئيسي العام. وهذين الخيارين هما المسار الواقعي السلمي، أو الخيار الانتحاري اللاواقعي الذي تتحكم به الأوهام.

ففي الأول تستطيع السعودية أن تتقبل الواقع لتتجاوز مأزقها و تعمل على وقف الانهيار في مواقعها الاستراتيجية ، و تلاقي اليد الإيرانية الممدودة لها و لدول الخليج ، و تتوقف عن اعتبار النصر الإيراني هزيمة سعودية و تعتبر أن نجاح ايران في مسارها النووي و تاليا مواجهتها للغرب أنما هو نجاح إسلامي و إقليمي يستفيد منه كل من في المنطقة من دول و شعوب و السعودية منهم ، و هنا قد يكون هذا الفهم مدخلا لحل مشاكل كثيرة في المنطقة و مساهمة في علاج أزماتها بدءا من اليمن حيث تغرق السعودية الأن مرورا بالبحرين حيث تتخبط السعودية في مواجهة الشعب البحريني وصولا إلى العراق و سورية حيث لا امل للسعودية بتحقيق أي نجاح أو نصر أو حتى المحافظة على مواقعها السابقة هناك .

أما الثاني فيكون بالاستمرار بالمكابرة والعناد والإصرار على المواجهة والصدام بكل أشكاله العسكرية كما تفعل السعودية في اليمن أو السياسية والاقتصادية كما فعلت وتفعل في أكثر من ميدان. فاذا أصرت السعودية على هذا المسار – وهي كما يبدو تجنح حتى الآن اليه -فأننا نرى أن املها بتحقيق إنجاز يخرجها من مأزقها يكاد يكون صفرا لأكثر من اعتبار ويكفي أن نذكر السعودية بانهيار كل مخططاتها في سورية وفشلها الذريع في تحقيق أي من أهدافها هناك كما نلفت إلى عجزها العسكري في اليمن.

فالسعودية إذن بعد الاتفاق النووي أمام خيارين أما التعقلن والواقعية ووضع حد للانهيار الاستراتيجي الذي يصيبها الأن والعمل بسياسة تحديد الخسائر، أو المكابرة ومجافاة الواقع وعندها ستساهم بيدها في تسريع ضمور فضائها الاستراتيجي وانحساره في مرحلة أولى ثم انهيارها الذي لن يتوقف عند الحدود التي رسمتها مملكة عبد العزيز بن سعود لنفسها منذ نيف وثمانية عقود والعاقل من يتبصر ويتدبر قبل فوات الأوان.
عن البناء اللبنانية

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب