ثقافة وادبزوايا

بغداد من لذة الظل : تنبجس من روح معذبة ومفعمة بالشعر بقلم : محمد علوش


أتحفتنا الشاعرة الفلسطينية هيام قبلان بقصيدتها الجديدة – بغداد .. من لذة الظل – والتي تأتي متزامنة مع الذكرى السنوية للغزو الأمريكي الامبريالي واحتلال العراق ، وهذه القصيدة الجديدة للشاعرة مفعمة بالصدق وتكشف مكامن الخلل والعار في الجسد المباح وقد سقطت بغداد ، مدينة الله في شرك الغازي الدخيل من ابتهاج الأدعياء الأشباه الذين عانقوا الغريب وقد جاء يدق أسوار بغداد بنار الحقد المسموم .

تتساءل الشاعرة في مطلع قصيدتها – بأي ثوب يدثّرون جسدك المباح / يا قطرة سقطت على هذيان الرّمح / بأيّ وجه يستقبلك حلمك السادس / على أعتاب العراق ؟؟ – تثير تساؤلاتها ألما على ألم في رحلة التيه والنكران والفجيعة التي ألمت بالعراق الذي يطعن في خاصرته وتلعقه لغة العهر بعدما سلبوا منها كل شيء حتى أنهم لم يبقوا لها حليب أثدائها – حلبوا أثداء عذريتك في قصور الحريم / وصاحوا من يأتي بالرّيح ../ من يقرع باب السيّاب – حتى السيّاب وصرخة السيّاب لم يسلما من مكر التاريخ ومن فظاعة الجريمة التي أحاقت بالعراق وشعب العراق الذي مزق إلى طوائف وشعوب وملل واسقط في شرك جهنم مع كل الدلالات المفجعة لما لحق بهذا البلد المسكون برائحة التاريخ والأساطير والتراث القديم الذي يضرب جذوره عميقة في ذاكرة الأرض .

كلمات الشاعرة في قصيدتها سكاكين ومسامير تطعن وتدق حالة الوهن التي أصابت الأمة ورضيت بمرارة ما تعيش من حالة الركون والفاجعة والركود والترهل والذوبان والتبعية حيث تستصرخ كلماتها ضمير الأمة – إن بقيت – كي تنهض وتستعيد أمجادها – بدل البكاء والندب والعويل :
( وتسقط على خاصرة الوقت رقصة الهزيمة

موائد السّفهاء غانية حبلى

بارتعاشة فرح يعاقر كأسه ..

ليلة الميلاد .. قومي يضجّ المشيّعون

يضيئون شمعة باسم الرّب

وأنت حافية على الرّكام

ينحني رمشك ذليلا على جدلية كربلاء …  )

تفضح الشاعرة الصمت الذي لا ينتج إلا الضعف والتسليم بالأمر الواقع وتناجي بغداد كي تعود إلى طبيعتها التي كانت رمزا للعطاء والأصالة وقد تفجرت أنهارها عبقا ونورا وتكسرت أغلالها وعادت إليها الحياة – الحياة ، وقد استطاعت شاعرتنا أن تقتحم بقصيدتها مشهدنا البائس المضطرب وان تلقي حجرا كبيرا في بئرنا العميقة حتى ولو لم يسمع بوحها وصوتها المعذب الملتاع أحد كما لو تناجي شاعرنا الذي هتف قبلها – لقد أسمعت لو ناديت حيّا / ولكن لا حياة لمن تنادي ! – .

قصيدة هيام قبلان الجديدة ترفض الانصياع لواقع الهزيمة والاستسلام رغم تصويرها لهذا الواقع ، تواجه تداعيات الهزيمة بالإصرار عن نيل الحق مهما طال انتظاره ، تجسد صورة الصمود أمام آلة العدوان الامبريالية وقد جاءت لتحتل العراق وتسلبه أمنه وحريته واستقلاله وتعبث بمقدراته وتنهب ثرواته وسط سبات الأشباه الذين لم يحركوا ساكنا ليؤكدوا للعم سام أنهم الحلفاء الأصدقاء أمام هذا ( البعبع ) الذي يسمى العراق .

قصيدة هيام قبلان تنبجس من روح معذبة ومتمردة على الواقع فيها تتجلى نبرات الألم والعذاب الإنساني والقهر القومي ، وهي متمرسة في نقل المتلقي بين الصورة والصورة بتجربة شعرية غنية ومختمرة ممهورة بالصدق والعفوية الفنية والتعبيرية ومن خلال هذه القصيدة تطرح الشاعرة موقفها ورؤيتها من حال العراق في ظل الاحتلال وفي ظل حالة الخراب التي تشهدها بلد النخيل برؤيا إبداعية متوهجة بالشعر وحالة نفسية هادئة ومتماسكة تنبض بالقصيدة التي تحترق بها وبأجوائها الحقيقية لأنها وبكل وضوح صادقة العاطفة ومرهفة الحس وكونها أيضا مخلصة للموقف الشعري كون القصيدة لديها تجربة انفعالية وحالة تجسيد للمعايشة الواقعية .

رغم حالة التيه والفجيعة والتشرد في القصيدة فان الحقيقة التي تتمسك بها الشاعرة وتبحث عنها تنبعث من الرماد ونجد وهج الكبرياء ولغة العناد في كلماتها المتشبثة بالصدق وقوة الموقف المنطلق من خلال وحدة الانفعال التي تختزل حالتها الشعرية والشعورية :

 ( احمل خطاك وسر فوق أشلاء موتاهم / التقط رؤوسا على الأشجار معلّقة / ولا .. تبكي على صدر الرّماد )

وتمضي الشاعرة قبلان في تجربتها وتنوع مساقاتها الشعرية وتمضي في حياكة هذه القصيدة من لذّة الظل مسكونة بوتيرة التحدي والمقاومة ، ثائرة ومبشرة ومتفائلة رغم المذابح والخسارات الكبيرة ورغم النار التي تلتهم البلاد ورغم موائد السفهاء وعباءات الرّيح ورغم الهذيان في الأروقة ، حاملة عناقيد الأمل والذكرى مشرعة نوافذها للريح فلن يقدر هذا المتغطرس المحتل أن يطمس هوية العراق العربية وان يسلب إرادتها وان يقهر حضارتنا وارثها المجبول بتاريخ طويل من المجد والمنعة والسمو ، والحقيقة أن هذه القصيدة وهذا الشعر هو بذاته الذي يحمل بين سطوره أملا ينتصر على الألم ويبشر بالفرح متقاربا بين الرؤى والأشجان المعذبة والحالة التعبوية التي لا بد منها في مثل هذه الظروف التي تشهد حربا مفتوحة يراد منها تكريس الاحتلال وتحويل بلادنا إلى مرتع وملاذ للدخلاء الغرباء الذين لا يملكون أي حق في البقاء فوق أرضنا .

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى