عقد ونصف على انتفاضة الأقصى، وما يزال الفلسطينيون في قطاع غزة والضفة الغربية يواجهون صعوبات بالغة في التنقّل من الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1948 وإليها، وبين شقّي الوطن. يعني ذلك انقساماً جغرافياً يمارسه الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين له ما له من تأثيرات بالغة على خريطة الصراع.
عدا عن حرمانهم من الإقامة في الأراضي المحتلة أو العمل فيها، يواجه الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة انقطاعاً مستمراً عن إمكانية التواصل والتنسيق لتوحيد النضال الشعبي ضد الاحتلال وممارساته، ممّا جعل من غايات الوحدة الوطنية الفلسطينية في جبهات النضال كافة حلماً يشرع الحديث عنه ومواجهته في زمن الانتفاضة.
ما ترك آثاراً غير محصورة على الجسد النضالي الفلسطيني وصراع المجتمع الفلسطيني المشتّت مع البقاء، هو الانفصال الجغرافي والسياسي بين المناطق المقسمة عن بعضها البعض بشتى أنواع الحدود، يتبعه من الناحية العملية انفصال في التكوين الاجتماعي المؤسس لأيّ حركة نضال فلسطينية موحّدة ومنظمة لمواجهة الاحتلال في جميع أراضي فلسطين التاريخية.
حديثاً، وبعد انتشار شبكات التواصل الاجتماعي التي أثبتت قدرتها كأداة على التشبيك بين الشباب العربي والقدرة على بلورة الأفكار والتحرك من أجلها، اكتشف الفلسطينيون في جميع مناطق إقامتهم أن بالإمكان كسر الجمود الحاصل في النسيج الشبابي والمجتمعي الفلسطيني، بسبب التقسيم الجغرافي الإسرائيلي والانفصال في النظام السياسي الفلسطيني في الضفة وغزة، ذلك عبر التردد إلى صفحات ناشطين من الداخل والضفة الغربية بدايات 2011 تماشياً مع أدوات الثورات العربية وجراء التحضيرات الأولى لفعاليات حراك “15 آذار” الشبابي لإنهاء الانقسام الفلسطيني. كانت حركة الاتصال بين الشباب في غزة والضفة والداخل الفلسطيني لتنظيم الفعاليات بشكل متزامن، ولتوحيد المطالب والجهود والعمل بشكل جماعي دعوة للوحدة الوطنية.
تحكي ثمينة حصري، الناشطة السياسية من مدينة أم الفحم، والتي انتقلت إلى مدينة القدس لاستكمال دراستها الجامعية لعدم وجود جامعات فلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 48، عن مسيرتها في النشاط النضالي ضد الاحتلال وأعوانه في فلسطين، التي بدأت العام 2008 تزامناً مع العدوان الإسرائيلي الأول على قطاع غزة. وقتها انتسبت حصري إلى الحراك الشبابي المقدسي الذي للمرة الأولى يجمع بين صفوفه أفراداً من الداخل الفلسطيني المحتل، ومن ثم شاركت في أنشطة الحراك الذي عمل على محاور عدة مبتعداً في أجندته الداخلية عن الحزبية والفصائلية التي اكتسحت الشريحة الأكبر من توجّهات الشباب الفلسطيني، وبالتالي خضوعها لكثير من الاعتبارات السياسية الخارجية المعرقلة للعمل النضالي في صورته النهائية.
تزامن ولوج ثمينة إلى المجتمع المقدسي بكل صنوفه، وانخراطها في التصدي لمعاناته اليومية مع الاحتلال والمستوطنين في المواجهات وعلى الحواجز الأمنية هناك، إضافة إلى البقاء في خضم الهبّة التضامنية المناصرة لقطاع غزة ضد العدوان الإسرائيلي عليه، تزامنت كل تلك الأحداث مع دخولها إلى شبكات التواصل الاجتماعي ومفاجأتها بوجود شباب وناشطين من قطاع غزة على تلك الشبكات ينقلون الأحداث بصورتها الحية ومقدرتهم على التغطية وحشد الرأي العام العالمي في صفّهم، بل وحتى التنسيق مع جهات دولية وخارجية لتنظيم فعاليات مناصرة للقطاع. شكّل ذلك دافعاً لثمينة للبحث عن المزيد من الأفراد من قطاع غزة والتواصل معهم باستمرار للوصول إلى نقاط التقاء على أرض الواقع، من الممكن العمل عليها والخروج عبرها إلى الشارع في وجه المحتل.
لم يحدث لقاء حقيقي بين الناشطين الفلسطينيين إلا قليلاً عبر العلاقات الفردية بين الناشطين من الشباب وذلك في مدن عربية كالقاهرة وعمان. لكن نتائج التعبئة والتواصل المستمرين في كل موجات الحدث في الشارع الفلسطيني ظهرت مؤخراً في انتفاضة القدس، التي نشأت فعلياً من بين الفئة الأكثر تواجداً وحضوراً على الشبكات الاجتماعية، والتي من أبرز مفارقاتها كانت في اقتباس كلمات الشهداء على صفحاتهم على الانترنت. فعبر التقاء الكلمة بالدم كانت انتفاضة الشباب الفلسطيني في كل جبهات النضال في فلسطين، وتحت راية مطلبيّة موحدة، كرامة وحرية وفداء.
(غزّة)
السفير





