ثقافة وادبزوايا

صَنعةُ الشّعر ومأزقُ التجديد … خالد علي ياس

 

15qpt867

عندما أراد أرنست فيشر أن يصفَ وظيفة الفن والدور الذي يؤديه في المنظومة الجمالية للإبداع، ابتدأ كلامه في كتابه الشّهير «ضرورة الفن» بمقولة دالّة لجان كوكتو مفادها، أنّ «الشّعرَ ضرورةٌ.. وآهٍ لو أعرف لماذا»، لينطلقَ منها متحدثا عن سرّ متعة الفن وما يقدمه للمتلقي من سبل للتواصل تجعله مشدوداً إليه، على الرغم من كلّ شي؛ ولعلها هي المتعة ذاتها التي شدتْ أرسطو للشّعرالأغريقي، وهوراس للشّعرالروماني، وفعلتْ فعلها مع فيلسوف جمالي مهم مثل هيغل، عندما وجد في الشّعر وسيلة للتواصل الرّوحي، وفيلسوف اجتماعي مثل ماركس الذي وصف الشّعر اليوناني بالصّعوبة وسرّية الإنتاج لما يحمله من متعة فنيّة خفيّة. ولقد فَطَنَ النّقدُ الغربيّ الحديث لأسرار ووسائل صنعة الأدب منذ منتصف القرن العشرين، ولا سيما مع دراسة بيرسي لوبوك «صَنْعة الرّواية» التي وعى من خلالها مبكراً ضرورة تحديد سرّ متعة قراءة الرّواية في ضوء مكوناتها الفنية ووسائلها السّردية الخاصة التي تَميْزها عن غيرها بوصفها نوعاً أدبياً، وهو أمر أراد الكاتب الأرجنتيني بورخس إجراءه على الشّعر الغربي بوصفه صنعة فنية مخصوصة، فخصه بكتاب عنونه «صَنْعة الشّعر»، غير أن هذا المفهوم لم يفارقْ وعيَ نقادنا العرب القدماء، وإنْ لم يحاولوا بدراسة جادّة تتبع تلك الأسرار التي جعلت «القصيدة العربيّة» حيّة فعّالة إلى اليوم، باستثناء ما كتب من عشرات المدونات البلاغية التي يمكن أن يلتقطَ من خلالها وعيَهم بكون الصّنعة الشّعرية ثقافة عامة تؤهل الشّاعر لإنتاج خطابه، وهو ما تَجَلّى مع كثير من القراءات البلاغية التي وسمتْ عنواناتها بالصّنعة.
إنّ غاية هذه المقالة ليستْ بحث هذه التفاصيل في النقدين العربيّ والغربيّ، إنّما هي لأجل إدراك معنى الصّنْعة في النّقد ومحاولة التركيز- بتأثيره – على القصيدة العربيّة الحديثة التي تشهد في هذه المرحلة تحولات هيكليّة كبرى في بناها الجمالية والمعرفية، توافقا مع تحولات الخطاب الأدبي في مرحلتي الحداثة وما بعدها، أي ما حدث ويحدث من محاولات لتجديد إهاب القصيدة كلّ حين, منذ أن بدأ المشوار مع السّياب في إنتاج قصيدة تفعيلة عربيّة، مروراً بما أنجزه جيلٌ من الشّعراء محاولين إنتاج ما يعرف اليوم بقصيدة النّثر، ومنهم إنسي الحاج وأدونيس ومحمد الماغوط وغيرهم، وصولا إلى أنماط شعرية مختلفة مثل النّص المفتوح والقصيدة التفاعليّة وقصيدة الومضة، ثم النمط المحافظ في حداثته قصيدة الشّعر، فظهور هذه الأنماط الشّعريّة المختلفة فنياً ورؤيوياً أدى فعليا إلى إنشاء جدلٍ عميقٍ حول قدرة الشّعر العربي الحديث ومعه الشّاعر، في مواصلة أساليب التّجدد للتعبير عن الثقافة العربيّة، تلك الثقافةُ التي تبنتْ على مدى قرونٍ نمطاً فنياً ثابتاً، فهل آن لها أن تتغيّر؟ وهل آن للقصيدة العربيّة أن تغادرَ شكلَها المعهود؟ً
أما»الثقافةُ» فاعتقد أن جزءاً من مهامها هو التّغيّر والتّغيير ولكنْ بما ينطلق من الأصول، من دون إخلال أو رفض تام للجديد والمعاصر، لأنّ الثقافات لا تفنى ولكنْ تتجدد بما يناسب الظروف المعرفيّة التي أنتجتْها، فالثقافةُ الأمريكيّة مثلاً لم تتجاهلْ إلى الآن ثقافةَ المايا، في الوقت الذي تسعى فيه في مرحلة ما بعد الحداثة إلى كلّ جديد ومبتكر في عالم المعرفة المعاصرة والتكنولوجيا. وأما «القصيدةُ العربيّةُ» فهي معنيّةٌ بضرورات الجدل والاختلاف في وجهات النظر للوصول إلى حقيقة صَنْعَةِ الشّعرِ، المعبّرة عن طموحات الخطاب الشّعري الحديث، وهي ما يتعلق بأسلوب الكتابة وطريقة التّعبير ثم روحيّة الإدراك ورؤية الإبداع للوصول إلى صوغ واعٍ دال على قدرة فريدة في تحويل الرّتيب إلى مدهش، كونها امتزاجا إبداعياً لعناصرَ متباينة ما بين متخيّلة إلى مرئية تجمع الإيحاءَ بالتصريح وقول الحقيقة بالتلميح، وتَهُمُّ بالمنطقي لكنّها تدرك سواه وتعجُّ بالرمزي مكثفةً لغتَها فيه لتغادرَ النثرَ والاسترسال بحثا عن شُحنة وجدانية وطاقة لغويّة معنيتين بالشّعر دون غيره، ليس بوصفه كائناً حيّاً كما يوصف سذاجةً؛ بل لأنّه يفارق غيره بذلك الرّوح الجمالي الذي لا يعيْه إلاّ مَنْ امتلك الوسائلَ وأسرارَ صَنْعةِ الكتابة والتحايل على المعنى وضَخّ الكلمات الوهاجّة المعبرة عن نصٍ متعالٍ في تعبيره عن عالم الحقيقة، لإبدال لحظة الإحساس به إلى لحظة جامحة مدهشة، كونه تلقائيا وحدسيّا أكثر منه مُدرَكا واستنتاجيا، فامتياز صانع هذا النمط من الإبداع لا يتحقق عند كلّ مَنْ تعلم الشروط المدرسيّة بالصّنعة «وزن وقافية ونظام لغوي عام» بل عند الملمّين بذاك الرّوح الخفي، الرّؤية التي لا تتجسد إلاّ عند مَنْ خَبَرَ أسرارَ اللعبة ، وتأمل السّاكنَ كأنّه متحركٌ واستطاع أن يسلطَ الضوءَ على مادته من زوايا عديدة، ذاك هو المبدعُ حقاً بقطع النظر أكانت القصيدةُ عربيّةً خالصةً أم ذاتَ شكل حديث ، واعتقد في ذلك أن نمطَ «قصيدة الشّعر» مثالٌ واضحٌ على الأمر؛ كونُها جمعتْ بين الشّكل الكلاسي والرؤية المعاصرة، وكونُ أصحابها واعين بالقضيّة كما ينبغي، لأنّهُم أجادوا الموزونَ ولا يقلون جودةً في قصيدة التّفعيلة أو النّثر أو أي شكل شعري معاصر؛ ولأنّهُم امتلكوا الوسيلة فكشفوا الأسرارَ وتلك هي روح الصّنْعة لا الجانب الشّكلي منها فقط، وأجد جازما هنا أنّ هذا النمط من الشّعر سيتواصل قُدُماً نحو درجة كتابيّة واضحة من تذويت النّص، ليغدو أساسا من بين الأنماط الشّعريّة التي تعجُّ بها الساحة الأدبية اليوم.
ولعل إنصاتاً دقيقاً لما يجري من اختلاف في الرأي في ما يخص مدى جدّيّة الأساليب الشّعريّة الجديدة في التّعبير عن روحيّة القصيدة العربيّة، كفيلٌ بمعرفة عمق المأزق الكبير الذي وقع فيه الشّاعرُ، الذي لا يُحسن الجمع بين القديم والحديث، وغايةُ ذلك أن لا يتطرفَ تماشيا مع حداثة مفرطة وأنْ لا يتقوقع لصالح قداسة مجحفة؛ لذا اتّفقُ هنا مع عبد الله الفيفي في هجومه العنيف على ما سَمّاه «النثريلة» التي عدّها باقتباس كلام ابن المعتز إسرافا في الصّنْعة الفنيّة التي غدت ضد الشّعر، فغدا بتأثيرها ريحانا يعجبك ريحه سرعان ما يذبُل فيرمى، وهو كلام صحيح يمكن إسناده برأي حديث لسوزان بيرنار التي روجت لهذا النمط فوجدتْ أنّه يحمل بداخله بذرةً فوضويّةً هدّامة أو نظاما يوحي بذلك، وأتّفقُ أيضا مع كثير من الشّعراء الذين يعيبون على «دخلاء الشّعر» عدم قدرتهم على تعلم الوزن والقافية والإيقاع العربي فاضطروا مكرهين إلى اللجوء لهذا النمط الفني حفظا لماء «الوجه/الشّعر» ولن أُطيلَ الكلام لأستفهم مُسْرعاً، هل يُوجَّه الاعتراضُ إلى النّص «القصيدة الحديثة» أم إلى كاتبه «الشّاعر»؟ فإذا كان موجها للنص فإنّ التجديدَ من سمات الأدب ولولاه لما استطعنا اليوم معرفة التحولات في هذا الصّنف من أجناس وأنواع وأشكال، أما إذا كان موجها للشاعر فيجبْ أن لا ننسى أنّ روادَ قصيدتي التّفعيلة والنّثر شعراءٌ كبارٌ بكتابة النّمطين معا، ومنهم السّياب وأمل دُنْقُل ومحمود درويش وأدونيس ومحمد الماغوط وعبد الرّزاق عبد الواحد…وبكتابتهم لهما نعرفُ مدى أهميتيهما بقطع النّظر عن استمرارهما أو أُفولهما في المستقبل،فالمنكرُ لحقّ ظهور النّمط المعاصر مُخْطِئاً بقدر ذاك الذي لا يفقه قوانينَ الشّعر ووسائله الخفيّة، فلجأ إلى هذا النمط هربا من مُساءلة الوزن والقافية؛ لأنّ الذي يمتلك الأدوات قادرٌ على الإبداع مهما تغيرتْ الوسائلُ والأشكالُ والمفاهيمُ، كونه صانعا مقتدرا.
لذا يجب أن نحصرَ اعتراضاتنا وانتقاداتنا على مَنْ لا يجيد أُصولَ اللعبة واشتراطاتها ولا يفقه أسرارَ التّجربة ويعي وسائلَها مستثنين المبدع الحقيقي مهما كان إنتاجه ورؤيته في تعبيره عن العالم، لأنّ الإبداع ومن خلاله المبدع لا يتحددان بأسلوب أو زمن أو وسيلة، بل هما قادران على الإنتاج والمواصلة مع تغيّر هذه الثوابت جميعها، فالانزياح للإبداع قادرٌ أن يعبرَ عن ذاته في أي زمن ولولا ذلك لمَا أثرَ فينا – مثلا- الطّيف الميثولوجي الذي جسده امرؤ القيس بشخصية «فاطمة» تلك التي وجهتْ أبياته نحو درجة من الإلهام للكثيرين، فكان مثالا يستقي شعريته من بيئته دالا عليها وعلى جموح الشّاعر ذاته، ولَمَا أبهرتْنا صناعةُ شخصيّة خالدة مثل «دون كيخوتة» كونها مثلتْ التفاتا شديد الذّكاء لابتكار خَلْقي مُشَوَّه تَلَبَّسهُ الوهمُ فأصبح رسما كاريكوتوريا للحقيقة ومظهرا سلبيا لها، يجب أن يضَعه أيُّ مبدع في الحسبان، وعوْدا على بدء أُكررُ فأَقولُ: عندما نقرأ تراثنا النقدي القديم بإمعانٍ وتأملٍ عميقين- أشدد هنا على الكلمة الأخيرة- نجد أن نقادنا منذُ بشْر بن المعتمر والأصمعي مرورا بعبد القاهر الجرجاني وصولا إلى حازم القرطاجني، كانوا واعين بالإبداع مدركين لجماليات الشّعرعارفين بروحيّة تكوينه المعقد؛ لأنّهم اكتشفوا وسائله وصَنْعَتَه الخَفيّةَ وإنْ لَمْ يخلفوا لأسلافهم مُدَوَّنَةً صريحةً عن هذه الصّنْعة، هكذا وجدتُهُمْ وهكذا وجدتُ النّقاد الغربيين ومنهم جاك دريدا عندما ناقش في كتابه المهم «أطياف ماركس» مسرحية «هاملت» لشكسبير من خلال مقولة: «»The Time is out of Joint «» التي يشكو فيها هاملت من الخراب الكبير الذي آلَ إليه المجتمع،وقد شخص ذلك التّحول الخطير في ضمائر النّاس، من خلال اللغة في حقبة تأريخية معينة، لأجل تحديد القدرة الإبداعية لشكسبير في هتك المخفي، فوعى دريدا ذلك محاولا تفكيكه للوصول إليه وراء الكلمات ووراء ذلك الرّوح الإبداعي الخالد، أقول: هكذا وعى المعنيون – عربا وغربيين- روحيّة الإبداع وأدركوا مكوناته بوصفه صَنْعةً فنيّةً وروحا خلاّقةً لا يمكن لأيِّ مُجَرِبٍ كانَ أنْ يمتلكَها، وهكذا يجبُ أنْ نكون.

القدس العربي ناقد وأكاديمي من العراق

 

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى