الاخبارشؤون فلسطينية

طردٌ سياسيّ من الحيّز العام قراءة في حملة الاعتقالات ضد فلسطينيي الداخل

3634_193936
أكثر من 200 شاب وشابّة وطفل وطفلة من فلسطينيي الداخل اعتقلهم الأمن الإسرائيليّ خلال شهر تشرين الأوّل / أكتوبر المنصرم على خلفيّة نشاطهم السياسيّ في الهبّة الشعبيّة التي تشهدها فلسطين. ليست هذه حملة الاعتقالات الأوسع إذا ما قارنّاها بتلك التي أعقبت اختطاف الطفل محمّد أبو خضير وإحراقه حياً، ومن ثمّ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة. لكنّها الحملة الأكثر حدّة منذ سنوات، فرقعة أهدافها تعدّت الإخماد الموضعيّ للنشاطات الاحتجاجيّة، وصارت تهدف إلى قمعٍ شاملٍ للاحتجاج كأداة إنتاج “السياسي” للفلسطينيّين داخل إسرائيل.
“مرحلة الاعتقال” التي تستخدمها إسرائيل، بحسب القانون الجاف، هي مرحلة احتجاز المشتبه لدى الشرطة حتّى انتهاء التحقيق معه وتقديم لائحة الاتهام ضدّه أو إغلاق الملف في حال انعدام الأدلة. وهدف هذه المرحلة بحسب القانون ألّا “يعبث المشتبه بمجريات التحقيق”، وألا يشكّل “خطورةً فوريّة” على الجمهور. لكنّ الاعتقالات، التي مددتها المحاكم بشكلٍ شبه “أوتوماتيكي” خلال الحملة الأخيرة، استُخدمت تارةً كإجراء عقابيّ ضد الناشطين ـ من دون لائحة اتهام أو محاكمة -، وتارةً كإجراء استباقيّ، بمعنى اعتقال الناشطين قبل أن يرتكبوا “جريمة” التظاهر. ولم تكن هذه الأدوات ممكنة من دون دور الجهاز القضائي (الذي يعتبره العالم تاج “الديموقراطيّة الإسرائيلية”!) الفعال في تأطير الاحتجاج في خطاب قانونيّ يعتبر الحالة السياسيّة الفلسطينيّة برمّتها حالةً “إرهابيّة”، وذلك بهدف إقصاء الوجود السياسي الفلسطيني من الحيّز العام الذي تجري فيه عملية الإنتاج السياسي.
في مواجهة ذلك، يلجأ المحامون الفلسطينيّون الذين يدافعون عن المعتقلين أمام المحاكم الإسرائيليّة إلى الخطاب القانونيّ الدستوري لما يضْمنه، نظرياً، من حريّة في التعبير عن الرأي.. وذلك بمعزل عن عدم ثقة المحامين بعدالة القضاء الإسرائيلي، وباعتبار إطلاق سراح المعتقل هدفاً رئيسياً. وفي إطار هذا الخطاب جرت محاولات في السابق (خلال الاحتجاجات ضد مخطط “برافر” مثلاً الذي يهدف الى إفراغ النقب من الفلسطينيين) عرض رواية مغايرة في المحكمة من خلال الإطار “الحقوقي الدستوري” بدل الإطار الجنائي الذي يتعامل معه القضاة عادة. وكانت أولى المهام في المحكمة لمحامي عدالة مثلا، هي إخراج القضاة من طبيعة تعاملهم اليوميّ مع المجرمين والجناة، وإقناعهم بأن هذه القضيّة هي قضيّة حقوقيّة ودستوريّة، بحيث أن الشبان والشابات المعتقلين تظاهروا من اجل قضية عادلة يؤمنون بها. وكان “سلاح” الحقّ الدستوري ناجعاً إلى حدٍ ما حين لم تكن سياسات الاعتقال هذه منهجيّة واستراتيجيّة كما نراها اليوم.

“نحتل الحيّز العام، وبهذا نحن نقاوم”

لكننا اليوم أمام وضع جديد، وصلنا إليه بتدهورٍ متدرّجٍ عبر سنوات، يتبنّى فيه الجهاز القضائي الإسرائيلي خطاباً أمنياً يُعسّكِرالقانون، من خلال توفير دعم كامل ومطلق لممارسات القمع وعنف الشرطة الإسرائيليّة، ومن خلال تمديد شبه “أوتوماتيكي” للاعتقالات بحجّة الخطورة التي يشكّلها كل معتقَل في ظل “الوضع الأمني الحرج”، على فرض أن المعتقل سيعود، في حالة إطلاق سراحه، للتظاهر والاحتجاج. إذ اعتبر القضاة أن عمليّة الاحتجاج هذه لا تندرج في الإطار الدستوري للتعبير عن الرأي، مشدِّدين على أن الاحتجاج شمل إغلاق الشوارع و”الإخلال بالأمن العام”، وعليه فإن المخلّين بالأمن العام (المتظاهرين) يجب أن يبقوا رهن الاعتقال لاستمرار سبب الاحتجاجات (الأوضاع السياسيّة).
في مواجهة انحسار مساحة المرافعة الدستوريّة أمام المحاكم في قضايا الاعتقالات هذه، تكمن العقبة الأساسيّة في محاولة التمسك بخطاب قانونيّ تقليديّ في ظل تغيّر الواقع السياسيّ على الأرض، وأن فعل “إغلاق الشوارع” و “الإخلال بالأمن العام” لم يعودا تفصيليْن هامشييْن في الحالة التي أمام المحكمة. يضاف إلى ذلك أن الخطاب القانونيّ لم يعد يتناغم فعلاً مع الدوافع الفكريّة للحالة الشعبيّة. وقد بان ذلك خلال الحديث الى المعتقلين الذين وصفوا ما يفعلونه بالمقاومة، أو بكلماتهم: “نحن نغلق الشارع، بمعنى أننا نحتل الحيّز العام، وبهذا نحن نقاوم قمعنا ونقاوم احتلال أرضنا وشعبنا”. وفِعْل “احتلال الحيّز العام” هذا هو الأساسيّ هنا، لأنه فِعْلٌ مشروعٌ ومتّبعٌ في القضايا الحارقة تحت أنظمة سياسيّة تعتمد القانون الدستوري في العالم. فالدولة تسمح بعمليّة إنتاج سياسي على هامش القانون في قضايا مصيريّة عامّة، وجزء من هذه العمليّة قد يكون “الحق في احتلال الحيز العام” من أجل الإنتاج السياسيّ، حتى لو خرق هذا الفعل تعليمات القانون الحرفيّة. وهكذا وبالفعل، فكّرنا باستخدام خطاب “هامش القانون” أمام المحكمة، وذلك اعتماداً على سابقة إسرائيليّة مشابهة جداً من العام 2005، (حين سنّ البرلمان قانون إعفاء لغالبيّة المتّهمين والمدانين ـ من المستوطنين ـ بالاعتداء على رجال الأمن خلال إخلاء مستوطنات غزّة) تفاصيلها القانونيّة مشابهة جداً، لكنّ فرقاً شاسعاً واحداً يفصل بين تلك السابقة وحالتنا اليوم: هوية المتظاهرين ومنطلقاتهم الإيديولوجية.

“هامش القانون” ضدّ “ما فوق القانون”

فكرة الاحتجاج المشروع على “هامش القانون” في قضايا مصيريّة، بقيت في عداد المنشود، حيث لم تسمح المحكمة، بما عمّها من أجواء تحريضيّة ضد المعتقلين، بعرض مثل هذه المواقف. فقد نصّبت الشرطة الإسرائيليّة نفسها، وبدعم المحكمة، في موقع “ما فوق القانون”. وهكذا صادقت المحاكم على اعتقالات غير قانونية، واحتوت عنف الشرطة وخروقات كثيرة لحقوق المعتقلين وحتى الأطفال منهم. بهذه العملية أخرج مندوبو الشرطة والقضاة، المعتقلين من دائرة “المواطنة” إلى دائرة “العدو”، إذ تبنّوا خطاب “الدوافع القوميّة” للمتظاهرين لينزعوا عنهم الحقوق التي يكفلها القانون الإسرائيلي لمن يُفترض أن يكونوا مواطنيه، ويُدخلوا احتجاجهم في خانة “العمل الإرهابيّ” أو امتداداته من خلال توسيع مفهوم الإرهاب ودلالاته إلى أوسع الحدود ليشمل رشق الحجارة “والإخلال بالأمن العام”.
مثال آخر على تفوّق الأذرع الأمنيّة الإسرائيليّة على القانون، نجده في فوج آخر من المعتقلين خلال هذه الحملة، حيث تم استصدار أوامر اعتقال بحق مجموعة من الشابّات والشبّان الذين اشتُبه بهم بالتنسيق لاحتجاج “غير قانوني” مستقبلي ومحاولة الإخلال بالأمن العام في الاحتجاج.. الذي لم يحدث بعد! على الرغم من أن القانون الإسرائيلي لا يمكّن من اعتبار التظاهرة غير قانونيّة إلا في اللحظة التي تخالف فيها قانون التظاهر على الأرض. في قرارها، مددت المحكمة اعتقال الشابّات والشبّان لأنّ “المواد المطروحة أمام المحكمة تعزز الفرضية بأن التظاهرة المزمع عقدها كانت ستحمل طابعاً عنيفاً وخطيراً”. خلال جلسات المحاكمة لتمديد الاعتقال، اتّضح أن الافتراض كان مبنياً على أن المعتقلين دعوا الجمهور لإحضار البصل إلى التظاهرة كمضاد للغاز المسيل للدموع!
الواقعي الوحيد في هذه المحاكمة، كان أن الشابّات والشبّان يقبعون خلف القضبان ـ أما كل الأمور الأخرى والتي شكلت الأساس لقرار الاعتقال فهي افتراضات حوّلتها المحكمة بفعلها إلى وقائع قضائيّة تبرر عقوبة الشباب عن طريق تمديد اعتقالهم وبتبرير انه ليس بإمكانها “أن تتغاضى عن الفترة الهائجة التي نعيشها، والتي انجرّ الكثيرون خلالها إلى العنف، والذي هو نقيض التعبير المسموح به”. لكنّ في الحالة التي اعتبرت فيها السلطات الإسرائيليّة أن احتلال الحيّز العام من قبل حركة احتجاج فلسطينيّة هو امتداد لفعل “إرهابيّ” أو “عمل يشكّل خطورة بالغة”، أصبح من الشرعيّ أن تقبل وجود الشرطة فوق القانون، وتكرس فرضيّاتها لتبرر اعتقال شبان وشابات لم يخالفوا حتّى المفاهيم القانونيّة الإسرائيليّة.

احتلال المساحة.. الافتراضيّة

لكن يد الشرطة المطلقة في القمع لم تتوقف في التصدّي لاحتلال او التخطيط لاحتلال الشباب الفلسطيني للحيّز العام، إنما تعدّت ذلك بكثير لتقتحم الحيّز الافتراضيّ: يوم 16 تشرين الأوّل / أكتوبر اعتقلت الشرطة الإسرائيليّة الشاب أنس خطيب البالغ من العمر 19 عاماً. لم يحتلّ أنس الحيّز العام، ولم يخطط لأن يحتلّه، وحتّى أنه لم يكن يحمل بصلاً في حقيبته! كل ما فعله أنس أنه عبّر عن مشاعره ومواقفه عبر صفحة الفايسبوك: “أنا في قائمة الانتظار. ليكتب كل منا كلمة في حق كل شهيد. ما الكتابة فوق وجع وحرقة أمه وأخته؟ ها نحن نقول الأرقام والأرقام الى ما لا نهاية، هل يجب علينا العد فقط؟ أين حقهم؟ هل تستكفي أرضنا الأم بروية دمهم؟ لا وألف لا. ذكراهم لا تُخلّد إلا بثأرهم، وثأرهم هو تحرير بقاعنا من احتلال وجب زواله. عهد قطعته على نفسي، غالبيتكم كنفسي، العين بالعين والرأس بالرأس!..” هذه المرّة قلنا: القضيّة سهلة! فما كتبه أنس يقع تحت إطار الحق في التعبير عن الرأي بأضيق تفسيراته، ولا يوجد أي مبرر قانوني لتمديد اعتقاله. الشرطة الإسرائيليّة ادّعت أنّ ما كتبه أنس يندرج تحت إطار “التحريض على الإرهاب”، ويمكنه أن يدفع الكثيرين للمس بأمن الدولة، والإثبات على ذلك بأن أقواله تلك حصلت على 52 كبسة إعجاب (LIKE)…!
مددت المحكمة اعتقال أنس حتّى 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، وكتبت في قرارها أن “خطورة المعتقَل لا تُختبر في الفراغ، إنما على خلفيّة الواقع المُعطى، ففي هذه الأيّام تكفي شرارة من أجل إشعال نار كبيرة، ومقابل حريّة التعبير هناك قيمة أخرى: سلامة الجمهور”. بهذا القرار، حوّلت المحكمة الحيز الافتراضي الشخصي لشاب فلسطيني، الذي يحدد مساحته عدد الأصدقاء في فايسبوك، إلى حيّز عام يدفع خطيب ثمن “احتلاله” بموقفه السياسيّ ومشاعره، فيتحوّل من تعبير عن الرأي الى”تحريض على الإرهاب”. بهذه القضيّة، لهذه الجولة، أفرغت المحكمة الحقّ في التعبير عن الرأي من أي مضمونٍ حقيقيّ أو مجازيّ وأعلنت إفلاسه.
الهدف: نزع الشرعيّة عن الوجود السياسي
إنّ العمليّة الإسرائيليّة الممنهجة في وجه الفلسطينيين في الداخل، والتي يشكّل الجهاز القضائي جزءاً لا يتجزّأ منها، لا تهدف لإخماد الهبّة الشعبيّة بعينها، إنما هدفها تجريم العمل السياسي ونزع الشرعيّة عن الاحتجاج من خلال إقصاء الفلسطينيين من الحيّز العام الذي يُفترض أن يكون مُتاحاً لإنتاج العمل السياسي. ومنهجيّة عمل السلطات الإسرائيليّة هي تأطير الاحتجاج، كفعل مقاوم أو كتعبير عن الرأي، في إطار التعريف الإسرائيلي للأعمال “الإرهابيّة” ودلالاتها. ويمكن قراءة هذا التأطير جليّاً في مرافعة الشرطة الإسرائيليّة أمام المحكمة ومواقف القضاة الإسرائيليين، وهو يحوّل النشاط السياسي للفلسطينيين في الداخل إلى نشاط إرهابيّ أو امتداد للنشاط الإرهابي، والنتيجة الفعليّة هي اعتبار كل معتقل في هذه الهبّة الشعبيّة على “درجة عالية من الخطورة” ضمن حالة “إرهابيّة” عامّة.
بذلك تحقق إسرائيل في علاقتها بالفلسطينيين داخل الخطّ الأخضر وظيفتها الثانية، بعد أن هجَّرت الانسان، واستولت على الأرض، وطمست الصفات الأصلانيّة للحيّز الطبيعيّ والمدنيّ، ومحت الرواية التاريخيّة الفلسطينيّة عن المكان: نزع الشرعيّة عن الوجود السياسيّ للفلسطينيين، وإقصاء الفلسطينيين عن أي عمليّة إنتاج سياسيّ ممكنة في الحيّز العام أو حتّى الافتراضي، ليبقى حيّز الفعل السياسي حيّزاً حصرياً للتجاذبات فقط داخل الحركة الاستعماريّة ذاتها، وحصرياً في إطار الرواية الكولونياليّة الصهيونيّة.
السفير
سهاد بشارة *
* محامية في “مركز عدالة الحقوقي” المعني بفلسطينيي 1948

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى