يوم 29 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، علقت إسرائيل الاتصالات مع الاتحاد الأوربي حول عملية السلام الشرق أوسطية. وقد أشر هذا التحرك على أحدث رشقة إطلاق نار سياسية تطلق في خلاف إسرائيلي أوروبي متواصل بسبب موقف بروكسل الجديد القاضي بوضع علامات تميز منتجات المستوطنات في هضبة الجولان والضفة الغربية المحتلتين. كما يغطي هذا الخلاف على واحد من إنجازات القدس الدبلوماسية الأخيرة: ففي أواسط تشرين الثاني (نوفمبر)، دخلت إسرائيل في منطقة التجارة الحرة مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بقيادة موسكو؛ وهو تكتل يتكون من روسيا وبيلاروسيا وأرمينيا وكازاخستان وقيرغيزستان.
ويأتي توسيع العلاقات بين إسرائيل والاتحاد الاقتصادي الأوراسي في نقطة حاسمة بالنسبة للقدس. فقد دخلت روسيا في الشهر الثاني من تدخلها العسكري في سورية بالقرب من حدود إسرائيل الشمالية وتسعى كازاخستان وجمهوريات آسيا الوسطى الأخرى إلى الانفتاح على إيران التي ستصبح أقل تقييداً بعد رفع العقوبات الاقتصادية في أعقاب التوصل إلى الاتفاق النووي مع مجموعة (5+1).
بعد أيام فقط من توقيع الاتفاقية بين إسرائيل والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، أسقطت تركيا طائرة سوخوي “سو-24” الروسية بالقرب من الحدود السورية التركية. وردت موسكو بحزمة عقوبات ضد أنقرة. وبذلك، أدرجت روسيا إسرائيل كبديل محتمل للتعويض عن صادراتها إلى تركيا، التي تأثرت بالعقوبات. وهكذا، بالنسبة لروسيا، يأتي دخول إسرائيل في منطقة تجارة حرة مع الاتحاد الأوراسي في الوقت المناسب.
تبدو العلاقات الروسية الإسرائيلية قوية كثيراً اليوم، في تناقض مدهش مع خصومة إسرائيل المريرة مع الاتحاد السوفياتي في حقبة الحرب الباردة. ويفخر البلدان راهناً بعلاقات تجارية صحية وبروابط سياسية قوية جداً بشكل ملحوظ أيضاً -فقد خرجت إسرائيل على حلفائها الغربيين وامتنعت عن التصويت على مشروع قرار في الأمم المتحدة يدعم الوحدة الإقليمية للأراضي الأوكرانية. وبينما تحتفظ موسكو بعلاقات وطيدة مع إيران وسورية، تبدو إسرائيل عازمة على التغاضي وإدارة وجهها إلى الجهة الأخرى -شريطة أن لا تهدد الأعمال الروسية في الشرق الأوسط الأمن الإسرائيلي بشكل مباشر. ولهذه الغاية، وضعت روسيا وإسرائيل آلية تنسيق لتجنب وقوع مواجهات بينهما فوق سورية. وفي أعقاب إسقاط الطائرة الروسية، سجلت إسرائيل نقطة بتمييز سلوكها تجاه روسيا عن أعمال تركيا الأخيرة.
في هذا السياق، تبدو علاقة إسرائيل مع القوة الرئيسية في الاتحاد الأوراسي منطقية. وترتكز علاقات إسرائيل مع ثاني أضخم عضو في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي على تفسير أوسع. فعلى السطح، قد تبدو العلاقات الإيجابية بين إسرائيل وكازاخستان غريبة. وبعد كل شيء، لا تعترف معظم البلدان ذات الأغلبية المسلمة بالدولة الإسرائيلية. لكن تحليلاً أعمق يكشف عن وجود أرضية راسخة للعلاقات بين إسرائيل وكازاخستان، خاصة وأن القدس تشهد توتراً في العلاقات مع بروكسل بسبب المسألة الفلسطينية.
على عكس الاتحاد الأوروبي، تتبنى كازاخستان نهجاً محايداً تجاه النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني. ويتمسك موقف الحكومة بموضوع حل الدولتين المعياري الذي تدعمه معظم البلدان؛ حيث أعلنت وزارة الخارجية الكازاخية بالتزامن عن دعمها لضمان الأمن الإسرائيلي وتقرير المصير الفلسطيني. ومع ذلك، فإن سياسة كازاخستان تقف عند الخطاب الناعم. وتتجنب الأسيتانة النشاط الدبلوماسي الذي يميز الانخراط الأميركي أو الأوروبي مع الإسرائيليين والفلسطينيين. ولا يختلف هذا الموقف عن سياسة الصين تجاه إسرائيل؛ حيث تحافظ بكين على علاقات تجارية إيجابية مع إسرائيل، حتى أنها تتعاون مع القدس في مشاريع دفاعية. ويجري هذا التعاون بالتوازي مع الاعتراف الصيني الرسمي بدولة فلسطينية مستقلة (بالرغم من أنه اعتراف نظري)، وأيضاً “بخطة سلام من أربع نقاط”.
كانت جمهوريات آسيا الوسطى قد حققت استقلالها تقريباً في الوقت نفسه الذي بدأت فيه مجموعات أصولية دينية، مثل حماس والجهاد الإسلامي، في الحلول محل منظمة التحرير الفلسطينية القومية العلمانية، كمعارض رئيسي لإسرائيل.
يتكون معظم سكان بلدان آسيا الوسطى التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي في السابق من المسلمين. لكن حكوماتها طورت أنظمة علمانية حازمة (حتى أنها تقمع الممارسة السلمية للإسلام في بعض الأحيان). وقد تنظر كازاخستان وجيرانها إلى المجموعات الراديكالية الفلسطينية وترى فيها تهديداتها الإسلامية المحلية الخاصة (الحقيقية والمبالغ فيها)، مثل حركة أوزبكستان الإسلامية وحزب التحرير.
ويتبع ذلك أن إسرائيل تتمتع بعلاقات أمنية قوية مع كازاخستان. ولأكثر من عقدين من عمر الدولة الكازاخية، يواصل المقاولون الإسرائيليون المساعدة في تحديث الموجودات العسكرية للأسيتانة، والتي تعود للحقبة السوفياتية. وللشركات الإسرائيلية مثل رفائيل؛ شركة الصناعات العسكرية في إسرائيل، والصناعات الفضائية في إسرائيل، وأنظمة “البيت”، تواجد ملحوظ في قطاع الدفاع الكازاخي، حيث توفر له كل شيء، من الطائرات بلا طيار إلى أجهزة الاتصالات. وفي كانون الثاني (يناير) من العام 2014، توصلت إسرائيل وكازاخستان إلى اتفاقية للتعاون العسكري، والتي تنص على توفير أساس رسمي لمبيعات الأسلحة المتواصلة، بالإضافة إلى تطوير تكنولوجي مستقبلي ومناورات عسكرية مشتركة.
بالإضافة إلى ذلك، تتعاون القدس والأسيتانة في مجالات حساسة أخرى خارج التبادلات العسكرية، حيث تقدم كازاخستان لإسرائيل أكثر من ربع احتياجاتها النفطية. وتساعد إسرائيل كازاخستان في تطوير التكنولوجيات المدنية في مجالات مثل الزراعة والصحة العامة وإدارة ومعالجة المياه. ووراء التعاون العملياتي، تستفيد إسرائيل من حيازة صداقة مع دولة مسلمة، وهو سبب للشعور برضا نادر لإسرائيل.
لكن هناك حدوداً للتعاون بين إسرائيل وكازاخستان. وتشكل إيران المنطقة الأكثر وضوحاً في التباين بين الأسيتانة والقدس. وتقاوم الحكومة الكازاخية بثبات مطالب من كل من إيران وإسرائيل باختيار انحياز واضح في نزاعيهما طويل الأمد. وفي مفارقة حادة مع إسرائيل، رحبت كازاخستان بالصفقة النووية بين إيران والقوى الغربية الخمس وامتدحتها. وفي الأثناء تقدر كازاخستان تقديراً كبيراً علاقتها مع إيران، وتشعر بأن طهران هي شريكها الطبيعي في طائفة من المشاريع. وفي منطقة صادرات الغاز الطبيعي المتجه إلى أوروبا، تستطيع إيران تزويد جمهوريات آسيا الوسطى بمسار بديل لخطوط الأنابيب التي تخضع للسيطرة الروسية، والمسار المثير للجدل عبر بحر قزوين. وتجدر الإشارة إلى أن الأسيتانة تتعاون أصلاً مع طهران في مشاريع بنية تحتية أخرى. وكانت كازاخستان وتركمانستان وإيران قد افتتحت خطاً جديداً للسكك الحديدية في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2014، والذي يستطيع نقل ما يصل إلى 20 مليون طن من التجارة الثلاثية مع حلول العام 2020 (مقارنة مع 3 ملايين طن في العام 2014).
بالإضافة إلى العوائق القائمة أمام التعاون الإسرائيلي مع أعضاء الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ثمة سقف ملموس للمزايا المحتملة للعلاقات. فحجم التجارة الحالي مع الدول المؤسسة للاتحاد الأوراسي يشغل فقط ما نسبته 7.96 من إجمالي الصادرات (صادرات إلى روسيا بشكل رئيسي). وهذه الروابط تظل قليلة بشكل كبير أمام الاتجار مع الاتحاد الأوروبي، وهو سوق يتكون من 508 ملايين شخص ويشتري أكثر من 25 في المائة (14 مليار دولار) من صادرات إسرائيل السنوية. ويأتي أقل من 2 في المائة من الصادرات الإسرائيلية للاتحاد الأوروبي من مستوطنات الضفة الغربية. ومن المؤكد أن دخول منطقة تجارة حرة مع الاتحاد الأوراسي تعد نصراً لإسرائيل، ومن المرجح أنها ستزيد من المبادلات التجارية مع هذا التكتل الاقتصادي. ومع ذلك، وبالنسبة للقدس، يمكن أن تكشف هذه الاتفاقية في نهاية المطاف عن قيمة سياسية أكثر رمزية من الفائدة العملية. وعلى ضوء روابطها الواسعة مع أوروبا، قد تشعر إسرائيل في نهاية المطاف بأنها مجبرة على إصلاح الأمور مع بروكسل..
إيفان غوتسمان – (ذا دبلومات) 2015.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: ?An Israeli Pivot to Eurasia
abdrahaman.alhuseini@alghad.jo





