الثلاثاء, مايو 19, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياثقافة وادبتــســلــل لــيــلــي ... زياد خدّاش

تــســلــل لــيــلــي … زياد خدّاش

_20957_kadechslide

التسلل الى غرفة الأب والأم بعد منتصف الليل، وضع كرسي قش تحت الخزانة ثم الوقوف عليه ومد اليد المرتجفة وغرف (ملء اليد) حبات الشوكولاتة اللذيذة، ثم التهامها نصف مهضومة ونصف مبلوعة في نفس اللحظة ونفس المكان وقوفا، ودفعة واحدة، ثم العودة بهدوء على أطراف خوفي الى فراشي في غرفة أخرى وتلمظ بقايا الشوكولاتة حتى الحصة السابعة في المدرسة. تفقد أمي لسبب ما الكرتونة في صباح اليوم الثاني، هجومها الشرس على رأسي ورقبتي بالشبشب البلاستيكي الصلب، وكلمة واحدة تتطاير من فمها كالشرار: مفجوع مفجوع مفجوع. لم تكن تلك المتعة الحسية الخارقة تأتي من مذاق الشوكولاتة الخرافي فحسب، عرفت ذلك فيما بعد، كان هناك غضب شبشب الأم صيحاتها القوية ومطاردتها لي ركضا بين الغرف، والحصار الصارم المفروض على الكرتونة، وتضامن قش الكرسي المجدول بصرامة مع لصوصية باطن قدمي، وفعل التسلل الليلي اللذيذ، والعودة آمنا ومنتصرا ومتلمظا، الى فراشي. حدث هذا قبل ثلاثين عاما. الآن في زمني هذا، الفقير والمضطرب لم يعد هذا يحدث، طعم المتعة الخارقة اختفى. فشوكولاتة السلفانا لم تعد موجودة بعد إقفال مصنعها، قبل سنوات عديدة، أمي لم تعد يدها قادرة على رفع الشبشب، كراسي القش اختفت، لم يعد هناك شيء يستأهل التسلل الليلي، ولم تعد هنا عودات آمنة، بطعم انتصاري الى الفراش. زارتنا جارتنا أم جمال، قبل أيام محضرة معها علبة (مارس)، رمت أمي العلبة على الطاولة، قرب كرسي بلاستيك، لم يتسلل إليها أحد. ارتفعي يا يد الأم، عاليا ارتفع يا صوتها، اسرعي يا أقدامها، هذه رقبتي ممدودة بسخاء، وهذا أنا كاملا بخمسينيتي أفدي قدميك وصوتك ويدك برقبتي وشوكولاتتي وأمان انتصاراتي.

الايام

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب