
في تزامن، قد يكون مقصوداً أو غير مقصود، شهدت العاصمتان القطرية والمصرية في الأيام الأخيرة الجولة الثانية من المباحثات بين وفدين من «فتح» و «حماس»، استكمالًا للجولة الأولى التي عُقِدت في أوائل شباط الماضي.
ماذا حصل في هذه الجولات؟ وهل يمكن أن يحدث اختراق، وأخيرًا تتحقق الوحدة التي طال انتظارها؟ وهل ستعود المياه إلى مجاريها في العلاقات الحمساوية المصرية؟ ومن يسبق من: الوحدة، أم صفحة جديدة بين مصر و «حماس»؟
نبدأ بالحوار الفتحاوي – الحمساوي الذي يحدث برعاية قطرية، وهذا بحد ذاته يقلل من فرص نجاحه، لأن قطر لا تملك مفاتيح الأقفال التي تُغلق أبواب المصالحة. لذا تمّ التجاوب مع دعوتها من قبيل المجاملة. فمفتاح العديد من الأقفال التي تعيق إنجاز الوحدة بيد مصر، وهي لن تكون متحمسة لفتحها «كرمى لعيون» أمير قطر، الذي تربط بلاده بمصر علاقة من العداء والتنافس. لذا لن يسرّ القاهرة أن تقطف الدوحة ثمار المصالحة التي رعتها مصر منذ حكم مبارك مرورًا بالمجلس العسكري ومرسي وانتهاء بالسيسي، وفي وقت تكون فيه «حماس» على خصومة مع مصر. ومن يعتقد غير ذلك، فما عليه سوى تذكر مصير «اتفاق مكة» و «إعلان الدوحة».
اسم الاتفاق ومكانه لا يفسران وحدهما الفشل. إذ إن «اتفاق القاهرة» لم يُطبّق بعد حوالي خمس سنوات على توقيعه. فهناك أسباب فلسطينية تدفع إلى عدم إنجاز الوحدة، وقد تعاظم تأثيرها في السنوات الأخيرة بعد تراجع تأثير الأسباب الخارجية للانقسام، باستثناء العامل الإسرائيلي الذي لا زال فاعلًا على اعتبار أن الانقسام هو الدجاجة التي تبيض ذهبًا لإسرائيل. فالأسباب الفلسطينية تأتي في الصدارة. ولو توفرت القناعة والإرادة والمصلحة لدى «فتح» و «حماس» لإنهاء الانقسام، لما حالت العوامل الخارجية دون إنجاز الوحدة. ولو كان الشعب حاضرًا، وليس الفصائل فقط، لما حصدنا الثمار المُرّة.
فهناك معسكر يتحدث باسم «فتح» يريد أن تبقى الحركة قائدة للسلطة والمنظمة، ويرغب باستعادة السيطرة على قطاع غزة وبأن تدخل «حماس» تماماً كغيرها من الفصائل تحت مظلة قيادتها. وإذا لم تتمكن من ذلك فليبق الانقسام إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. أمّا المعسكر الذي يتحدث باسم «حماس» فيريد الحفاظ على سيطرة الحركة على قطاع غزة والمشاركة إذا تمكن في قيادة المنظمة، تمهيدًا لتبوّء القيادة في السلطة والمنظمة معاً، لأن «فتح» قادت الفلسطينيين لعشرات السنين ولم تحقق الأهداف الفلسطينية، حتى بعد تقزيمها وحصرها بإقامة دولة في الضفة الغربية والقطاع.
في ظل هذا الواقع، يضحي ما يجري مجرد إضاعة للوقت وضحك على الذقون، لا سيما في ظل غياب تيار ثالث قوي. وهذا يشمل جولات الحوار وتوقيع الاتفاقات وتشكيل حكومات «الوحدة» و «الوفاق». كل ذلك ليس أكثر من إدارة للانقسام ومحاولة من كل طرف لإلقاء المسؤولية على الطرف الآخر. فـ «فتح» تنتظر انهيار «حماس» تحت وطأة تدهور علاقاتها العربية والإقليمية والحصار، بينما تنتظر «حماس» انهيار «فتح» تحت وطأة الصراع الداخلي على خلافة الرئيس محمود عباس، وفقدان الخيارات والبدائل بعد فشل المفاوضات وعدم حسم تبني خيارات أخرى.
بناءً على ما سبق، لن يكون مصير «جولات الدوحة» أفضل من سابقاتها، حتى لو أُعلن في ختامها عن الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، وأنها ستحصل على الثقة أمام الرئيس وليس من المجلس التشريعي. فمثل هذه الحكومة لن تشكل، وإذا شكلت فلن تعمّر طويلًا، وإذا عمّرت فلن تحكم وسيكون مصيرها مثل حكومة الوفاق التي كفّت أن تكون كذلك منذ فترة طويلة.
إن عقد الجولة الثانية من حوار «فتح» و «حماس» في الدوحة لزوم ما لا يلزم. فلا يعقل أن تعطي «حماس» شيئًا جديدًا قبل أن تعرف مصير مباحثاتها مع مصر. وهذا بحاجة إلى أكثر من مجرد أيام لمعرفة ما إذا كانت ستُفْتَح صفحة جديدة بين «حماس» ومصر، أم أن ما يجري لن يكون أكثر من تغييرات ومناورات تكتيكية لا تصل إلى اختراق نوعي. وما يدعو إلى تريث «حماس» أيضًا يتمثل بالأخبار التي أعلنها نتنياهو منذ أيام عن وجود تطور في المفاوضات غير المباشرة حول الجنود الإسرائيليين المفقودين. كما أن الحركة لم تفقد كل الرجاء بسقوط الحكم المصري وعودة «الإخوان» إلى السلطة، علماً أن حبال الرهان على هذا الأمر أصبحت أقصر.
لقد دخلت علاقة «حماس» مع مصر بعد إعلان وزير الداخلية المصري عن مشاركة عناصر من الحركة في اغتيال النائب العام المصري مفترق طرق، وهي قد تكون مقبلة على تدهور أكبر، تهدد مِصْرُ إثره بالضغط من أجل اعتبار «حماسَ» تنظيماً إرهابياً في الجامعة العربية، أسوة بما حصل مع «حزب الله».
يحصل هذا في وقت لا تريد فيه مصر أن يبقى قطاع غزة مصدرًا لتهديد أمنها، ولا أن يسقط في حضنها كما تحاول أن تدفع نحوه إسرائيل منذ فك ارتباطها مع القطاع. ومصر لا تريد إعلان الحرب على «حماس» كذلك. إذ إنها تفضل التعامل مع «حماس» كفصيل مقاوِم، على أن تتخلى عن حكم غزة لمصلحة السلطة التي تعتبرها شرعية، لتعيد ربط الضفة بالقطاع. وهذا لا يتناقض مع حقيقة أن أولوية مسعى القاهرة تتمثل بحفظ الأمن القومي المصري (وهذا من ضحاياه شعبنا في قطاع غزة) وليس الوحدة الفلسطينية، علماً أن الوحدة تساعد على تحقيق هذا الأمن. فالأمر الملحّ مصريًّا هو محاربة التنظيمات الإرهابية التي ترتبط بعلاقات وتعاون مع «حماس». وهي تجد ذلك ضروريًا لأسباب عدة، أيديولوجية وسياسية وعسكرية.
إن تنفيذ السياسة المصرية اصطدم سابقًا بعدم التجاوب من قبل الرئيس محمود عباس مع مساعي القاهرة لتوحيد «فتح»، بهدف شق الطريق أمام إسقاط سلطة «حماس» أو تحقيق المصالحة معها. كما يصطدم بالسياسة الإسرائيلية التي تهدف إلى إدامة الانقسام وتحويله إلى انفصال دائم، عبر التلويح برفع الحصار وفتح الميناء العائم، ثم إنشاء ميناء ومطار، إذا ما قدّمت «حماس» المطلوب منها الذي يبدأ بمعادلة «هدوء مقابل هدوء»، ولا ينتهي بوقف تهريب وتطوير سلاح المقاومة، والاعتراف بإسرائيل والتنسيق الأمني والتبعية الاقتصادية، أي تحقيق نسخة رديئة من «أوسلو»، تكون «حماس» هي المقابل فيها لإسرائيل هذه المرة.
«حماس» تقف اليوم أمام خيارات أحلاها مرّ: إما دفع ثمن تصحيح العلاقات مع القاهرة، أو هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل، أو تحقيق الوحدة الوطنية. والأثمان باهظة في كل الحالات. لكن الوحدة أرحم الخيارات، وهي يفترض أن تكون ضرورة وليس مجرد واحد من الخيارات. فهي تشق طريق التقدم على صعيد القضية الفلسطينية وتفتح صفحة جديدة مع القاهرة والإقليم برمّته. صحيح أنها بذلك قد تعرّض علاقتها مع «الإخوان» للضرر. لكن المطلوب منها لا يتمثل بالانفضاض عن خلفيتها الفكرية، إنما إقامة مسافة واضحة بينها وبين «الإخوان المسلمين»، تمامًا مثلما فعلت حركة «النهضة» التونسية وساهمت بذلك في إنقاذ تونس. فهل ستساهم «حماس» في قسطها بإنقاذ فلسطين؟ وهل ستقوم «فتح» بقسطها أيضاً، كما الفصائل الأخرى؟
السفير


