
ازداد في العقود الأخيرة عدد النظريات التي لا تسبغ على الثورات حكمَ قيمةٍ من حيث نتيجتها، إنْ كانت أفضل أو أسوأ، وتعتبرها خروجاً على ما هو قائم يحرّكه خليطٌ متفاوت من السخط والأمل بشيء أحسن، سواء تحقق هذا الأحسن أم تحقق عكسه.
بالمقابل، تُقدّم الماركسية تمييزاتٍ تقيم الثورات على أساس مفهوميّ مختلف. فهي تميّز بين «الثورة الاجتماعية» التي تنقل المجتمع من نمط إنتاجي إلى نمط آخر، و «الثورة السياسية» التي تُحدِث تغييراً في شكل الحكم من دون تغيير في نمط الإنتاج. وهي تميّز بين «طبقة ثورية» تنطوي على نمط إنتاج جديد تضفيه على المجتمع (مثل البرجوازية والعمال) و «طبقة غير ثورية» بهذا المعنى، مثل العبيد والبرجوازية الصغيرة. وما يجعل طبقة ما ثورية هو توضّعها ضمن نظام الإنتاج وتكاملها معه، وما يتيحه لها من تنظيم بحيث يمكّنها أن تعطله أو تديره على نحو مختلف تماماً. وبذلك لا تضع الماركسية مجرد السخط، أو البؤس والمعاناة، على مستوى الأهمية ذاته مع ما سبق. فهي ليست مجرد نظرية أخلاقية، ولو كانت كذلك لربما كانت ركّزت على المتشردين والفلاحين الفقراء والسجناء والمتقاعدين والطلاب، الذين هم أشد بؤساً ومعاناة، بدلاً من التركيز على العمال.
لا تقلل الماركسية قط من شأن «الثورة السياسية»، لكنها لا تتهاون أيضاً في قراءتها في ضوء أفقها الاجتماعي، فترى إلى تغيير شكل الحكم في ضوء مساعدته على مزيد من التغيير الاجتماعي، وترى إلى الفئات القائدة للثورة السياسية بمقدار ما تتيحه من حريات سياسية للطبقات الشعبية الأوسع. من هنا، يُفترض ألا يتردد الماركسيون في الانخراط في الثورات الديموقراطية، بل وفي دفع برنامج العمال والطبقات الشعبية الراديكالي إلى قيادتها ما أمكن. الأمر الذي يعني، بالمقابل، عدم تربية أيّ أوهام شعبوية على مجرد غضب فئات قد تكون مقهورة، لكنها لا تناصر الحريات وحقوق المواطنة المتساوية.
يمكن القول، بصيغة أخرى، إنّ تحديد طبيعة الانفجار الاجتماعي السياسي الذي يشهده مجتمع من المجتمعات – ما إذا كان ثورةً أم مجرد احتجاج ساخط، وما إذا كان ثورة اجتماعية أم سياسية… إلخ – يتوقف عند الماركسيين على أمرين مترابطين تماماً: أولهما هو طبيعة الوضع الاقتصادي الاجتماعي القائم وأفق تغييره، وثانيهما الطبيعة الاجتماعية السياسية للفئات القائدة للثورة أو التي تمارس عليها أكبر الأثر.
بالطبع، لا يقتصر ما في تراث الماركسية عن الثورة على هذه التخطيطات المبسّطة الأوليّة. ثمّة محاولات بالغة القيمة تذهب أبعد لغرامشي وفانون وغيفارا وماو والشيوعيين اليوغسلاف والفيتناميين وكابرال وماركوزة وهوبزباوم وغي ديبور وباديو، وعشرات بل مئات الحركات والمناضلين والمنظّرين والأكاديميين، غالباً في جمعٍ قلّما عرفته اتجاهات أخرى بين النّظري والممارِس. حتى المحاولات غير الماركسية في هذا الموضوع تصعب رؤيتها على غير كونها نوعاً من الحوار والنقد والتفاعل مع الرؤية الماركسية.
غير أنَّ هذه التخطيطات، على أوليّتها وتبسيطها، تبقى، باعتقادي، جوهر الرؤية الماركسية للثورة ونواتها. ولعلّ من المغري أن نقارن، في هذا الضوء، بين نظراتٍ للثورة قديمة وجديدة تشيع اليوم بوصفها نظرات حداثية وما بعد حداثية، والرؤية الماركسية التي بات يُعتقد على نطاق واسع أنها تقادمت وباتت كلاماً من كوكب آخر وعصر آخر. والمغري أكثر أن نستكشف، في الضوء ذاته، حال ثورات «الربيع العربي»، ولا سيّما السورية منها.
السفير




