![]()
ليست أوروبا حيزاً جغرافياً بمقدار ما هي مبادئ فلسفية وحلف سياسي، فإذا ما انهارت تلك المبادئ وتهاوى ذاك الحلف، فسيتضاءل الاسم إلى دلالة على مكان جغرافي فحسب. وبالعودة إلى التاريخ، يمكن القول أن أوروبا الحديثة ليست سوى تلك التي تأسست في الخمسينات، بل إن تسمية أوروبا ذاتها، كمكان جغرافي، لم تكن متداولة حتى القرن الخامس عشر، وكانت توصف، عادة، على لسان البابا، بـ «الكومنولث المسيحي». في القرن الثامن عشر، سيصف فولتير، أحد من فلاسفة التنوير، أوروبا بأنها «نوع من الجمهورية الكبيرة، المنقسمة إلى دول عدة، لكنها تملك الأساس الديني ومبادئ القانون العام والسياسة ذاتها… وهي غير معروفة في أجزاء أخرى من العالم». يعي الليبراليون الأوروبيون هذه الحقيقة جيداً، فهم، إذ يقبلون بإعادة النظر ببعض آليات عمل الاتحاد الأوروبي، يقاومون محاولات اليمين الصاعد تمزيق تلك المبادئ الفلسفية التي تتركّب من قيم التنوير، مثل حقوق الإنسان، النزعة الفردية، الروح الليبرالية ومؤسسات الدولة الديموقراطية.
في برلين، شدد رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس على الخطر الداهم الذي يحيط بفكرة أوروبا وأخطار انهيارها، محذراً من «أننا نواجه لحظة تاريخية… تشكل خطراً على العالم، خطراً على أوروبا وخطراً على فرنسا»
لم يكن فالس متفرداً في قرع الجرس، لكنه أوجز، ببلاغة صارمة، حالة الرُهاب الحاد التي يعيشها طيف سياسي واسع، من وصول اليمين المتطرف إلى سدة السلطة على ما في هذا الرهاب من تهويل. فالقول أن العالم يواجه خطراً، وليس فقط الإقليم الأوروبي، يردنا إلى لحظة الصعود النازي، مع ما ارتبط به من روح عسكرية مغامرة وتدميرية على المستوى الكوني. وعلى رغم صحة الاعتقاد القائل أن أفكار اليمين المتطرف تتصل بنزعات مدمرة ثلاث هي النزعات القومية والإمبراطورية والعسكرية، فإن إعادة عجلة الزمن إلى الوراء تبدو ضرباً من المستحيل. ذلك أن موازين القوى القائمة، داخل المجتمعات الأوروبية ذاتها، لن تسمح بإعادة بعث الروح الفاشية مرة أخرى من جديد.
لقد تغذى اليمين، لفترة طويلة، على خطايا المؤسسة وفساد النخبة والرعب من الأجانب وما أفرزته الأزمة الاقتصادية الحادة من كساد وبطالة، داعياً إلى استعادة «السيادة الوطنية» وضبط الحدود، التي أهدرتها العولمة وبروكسيل. لكنه لم يتجرأ على تقديم ورقة عمل أو استراتيجية تحدد الطريقة التي ستُحل عبرها تلك القضايا المصيرية سوى رفع شعار الخروج من الاتحاد الأوروبي.
صحيح أن جزءاً وازناً من المواطنين أعطى اليمين تفويضاً لإعادة النظر في طبيعة الدولة الفوق قومية التي يمثلها الاتحاد الأوروبي، لكنه لم يمنحه تفويضاً لإعادة النظر في قواعد الفلسفة السياسية التي تتأسس عليها الدولة الأوروبية الحديثة. على العكس من ذلك، يبدو أن المجتمعات الأوروبية بدأت تشعر بأن ثمة انحرافاً عن القيم والمثل والمؤسسات الديموقراطية التي تبنتها عبر قرون. وإذا ما أخذنا فنلندا، الدولة التي يتشارك اليمين في حكمها، مثلاً، سنجد أن اليمين لم يستطع مراجعة أي من القواعد السياسية والفلسفية التي ينهض عليها المجتمع، بل كان لافتاً أن ذاك اليمين بالتحديد كان من فتح الأبواب لأكبر عدد من اللاجئين في تاريخ فنلندا الحديث.
من المؤكد أن أوروبا تعيش أزمة اقتصادية بنيوية حادة قد تودي بها إلى حالة ركود اقتصادي طويل. صعود اليمين هو من علامات هذه الأزمة وواحد من تعبيراتها. لكن هذا لن يمنع من أن يصبح هو ذاته، قريباً، من ضحاياها أيضاً.
عن الحياة اللندنية



