ثقافة وادبزوايا

«مولانا».. فيلم يدين إدارة الدولة لموضوع الدين

20161412084018
كتب سعيد أبو معلا/ دبي: بماذا يطمح إعلامي تلفزيوني وقد أصبح روائيا؟ ببساطة أن يتحول عمله إلى فيلم سينمائي، هذا بالضبط ما حصل مع الإعلامي المصري إبراهيم عيسى في روايته “مولانا”، حيث حولها المخرج المصري مجدي أحمد علي، صاحب “خلطة فوزية” و”عصافير النيل” إلى فيلم.
لكن ماذا عن الرواية التي تضم في جنباتها الكثير من الأفكار والموضوعات الأكثر جدلية بالنسبة للمشاهد العربي؟ حتما ستكون المهمة الأصعب التي تصدى لها المخرج في عمله باقتدار من دون أن يؤثر ذلك على دراما الفيلم ذاته.
أما هل تُخلص السينما بصريا لذاتها في تقديم موضوع فكري بامتياز وفي ظل كونها تتحدث عن رجل حكاء/ داعية إسلامي؟ إنه التحدي الأكثر صعوبة الذي قبل به المخرج مجدي علي، وقدم أخيرا الرواية في فيلم سينمائي سيعجب كثيرين وسيثور عليه كثر أيضا، ومع ذلك قدم عملا مستحقا ومحكما، مليئا بالدراما والأفكار، من دون أن تطغي إحداهما على الأخرى.
إنه فيلم يحمل وجهات نظر ويعلنها على الملء، لا يهمس فيها على عادة السينما بل يجود بها بصوت عال، وهو هنا عمل متسامح ولا يعادي الدين، كعادة الكثير من الأفلام المصرية التي حاولت أن تتصدى للحضور الديني في المجال العام في السنوات العشر الأخيرة “لست معنيا بالاشتباك مع الجمهور، أريدهم أن يشاهدوا الفيلم ويفكروا فيما يقوله” بحسب تصريح المخرج.
الفيلم الذي يعرضه مهرجان دبي السينمائي الدولي في دورته الحالية الـ 13 ضمن فئة مسابقة أفلام المهر العربي مأخوذ عن رواية كانت الأفضل مبيعا، وطبعت أكثر من 12 مرة حتى اللحظة سيحظى بالاهتمام النقدي والشعبي، فهو يخاطر بطرح أفكاره الدينية ويقدم نقدا لاذعا للدور الذي تقوم به الدولة عبر أجهزتها الأمنية وداخليتها مسيطرة على الخطاب الديني، ومستغلة ذلك في إثارة الصراعات وتحطيم الخصوم.
ليس هذا فحسب بل يمكن ان نعتبر أنه الفيلم الأول الذي يحاول ان يقدم علاقة الشاشة العربية (والمصرية هنا تحديدا) بالخطاب الديني ورجال الدين بهذا العمق والتفصيل.
يقدم الفيلم حكاية “مولانا” (في دور عمرو سعد) الشيخ أو الداعية البسيط “حاتم الشناوي” والذي يتحول إلى داعية تلفزيوني مشهور (على غرار مجموعة من الدعاة الذين أظهرتهم الشاشات العربية خلال السنوات العشر المنصرمة)، مرتبطا بالشاشة التي تدر عليه الأموال والمجد والحظوة السياسية.
إنه رحلة صعود تبدو مُعتادة لشيخ صغير في مسجد حكومي، من مجرّد إمامة المصلين إلى داعية تلفزيوني شهير يملك حق «الفتوى» التي يتلقاها الملايين بالإعجاب لجرأته في الخروج قليلاً عن المألوف في مجتمع متأثر بدعاوى التشدّد. يجد الشيخ حاتم نفسه في شبكة من الصراعات المعقّدة، بين فقده الجزئي لطفلٍ تأخّر إنجابه، ويُعالج في مصحّة خارج الوطن، وامرأة فتر حبها مع وطأة الفقد لرباط الأمومة. وما بين مؤسسات أمنية تَسعى للسيطرة عليه، وتوريطه، واستغلال نقاط ضعفه لخدمة معاركها، بينما تورّطه جهة سيادية عُليا في حل مشكلة أحد أبنائها، الذي يعرّض الأسرة الرئاسية لحرج لا تتحمله ظروف مجتمع هشّ.
“إنني لا أستطيع قول الحقيقة كلها، ولكنني أبذل طاقتي كي لا أنطق بغيرها”. هذا ما يحاول الشيخ حاتم فعله في شبكة من الصراعات المعقدة والتي يكون الدين في صلبها.
في هذا الفيلم نرى الكثير من التفصيل في تلك العلاقة المركبة والتي تؤثر كثيرا على الخطاب الديني وما تقدمه الشاشات من مضامين، ونرى كيف تتم صناعة نجوم الدعاة الجدد الذين يرتبطون بالشاشة وجمهورها ومجموعة من الأدوار السياسية والاقتصادية التي تتحدد لهم بدقة.
وبرع المخرج في تصوير الصراع القائم على تطورات الأحداث السياسية وكانت الكوميديا التي مصدرها الشيخ ومفارقات بعض الفتاوى في التخفيف من حدة الموضوعات الفكرية التي طرحها الفيلم، فيما قدم نموذجا لشخصية المتشدد (ابن مسؤول في الدولة) يتحول للمسيحية ليكون دور الشيخ إعادته للإسلام، لكن هذه الفئة تحديدا التي ترتبط بعواطف لا عقائد راسخة تجعله يتحول إلى متشدد يقوم بتفجير الكنيسة.
وبحسب الممثل عمرو سعد الذي قدم شخصية الشيخ بطريقة متقنة فإن “العقائد الفاسدة والراسخة منذ مئات السنين لا تواجه إلا بخفة الدم والضحكة غير المبتذلة”، وهو ما نجح الفيلم فيه، لكن هل يرضى كثيرون بذلك؟ إنه الفيلم الذي يرضي كثيرين ويغضب أيضا كثيرين، إنه دور السينما بالمناسبة.

بطاقة تعريف بالمخرج:

مجدي أحمد علي، درس في المعهد العالي للسينما في القاهرة. عمل مساعداً للإخراج مع: محمد خان، ويوسف شاهين. فاز فيلمه الطويل الأوّل «يا دنيا يا غرامي» (1996) بجائزة أفضل فيلم، وجائزة أفضل ممثلة في مهرجان مونتريال. تشمل أفلامه: «البطل» (1997)، و«أسرار البنات» (2001)، و«خلطة فوزية» (2008)، و«عصافير النيل» (2009).

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى