
رام الله – كتب محمد بلاص- “الأيام الالكترونية” :لم يكن الأمر مفاجئا بالنسبة للمزارعين في سهل «البقيعة» بالأغوار الشمالية، عندما أحضر العشرات من مستوطني مستوطنة «روعيه» أشتالا من العنب لزراعتها في قطعة أرض كانت مغلقة بقرار من سلطات الاحتلال لأغراض التدريب العسكري.
الأمر يتعلق بمساحات واسعة من الأراضي، كما يقول الخبير في شؤون الاستيطان والانتهاكات الإسرائيلية في الأغوار، عارف دراغمة، أصبحت في حكم المصادرة، بعد أن منحتها حكومة الاحتلال للمستوطنين بعد نحو عشر سنوات من إعلانها منطقة عسكرية مغلقة.
وبحسب دراغمة، فإن هذه المنطقة كانت مغلقة على مدار نحو عشر سنوات مضت، حيث وضع جيش الاحتلال حجرا كبيرا كتبت عليه عبارة «منطقة عسكرية مغلقة»، ولكن سرعان ما تبين أن هذه مجرد وسيلة لوضع اليد على آلاف الدونمات تمهيدا لمنحها للمستوطنين، ضمن سياسة تتحالف فيها مؤسسات الاحتلال لتهويد الأغوار ومصادرة الأراضي.
عملية ضم
ولجأ المستوطنون، إلى وضع بوابة حديدية على مدخل الأرض المصادرة التي بدؤوا بزراعتها بالآلاف من أشتال العنب، ما ينذر بضمها إلى مستوطنة «روعيه» وهي مستوطنة زراعية أقامتها سلطات الاحتلال على الأراضي الفلسطينية المصادرة في العام 1987.
ما حدث هناك، كما قال دراغمة لـ»الأيام»، كان تجسيدا على أرض الواقع للسياسة التي تنتهجها حكومات الاحتلال المتعاقبة والتي من الممكن أن تختلف على أي شيء باستثناء إطباق السيطرة بكافة الوسائل على منطقة الأغوار.
ولا يختلف الحال كثيرا في خربة «الساكوت» حيث نجح المزارعون وأصحاب الأراضي في استصدار قرار من المحكمة العليا الإسرائيلية يقضي باستعادة 3500 دونم من أراضي الخربة إلى جانب نحو ألف دونم من أراضي سهل قاعون القريب في الأغوار، بعد مصادرتها في العام 1967.
حبر على ورق
وأكد دراغمة، أن هذا القرار كان أشبه ما يكون بحبر على ورق، حيث فرح المزارعون كثيرا بصدور قرار إعادة أراضيهم التي كانت محرمة عليهم طيلة أكثر من 49 عاما، إلا أنهم سرعان ما اصطدموا على أرض الواقع بتضييق الخناق عليهم من المستوطنين وقوات الاحتلال التي ما تزال تمنعهم من زراعة أو حرث أراضيهم المستعادة بموجب قرار قضائي صدر قبل نحو أربعة شهور.
وأشار إلى أن تلك المنطقة كانت قبل نحو 49 عاما منطقة عسكرية مغلقة ومنطقة ألغام، وتمت مصادرتها بشكل تعسفي، وذلك رغم امتلاك أصحابها كل الوثائق والمستندات التي تؤكد ملكيتهم الشرعية والقانونية لها، شأنهم في ذلك شأن مئات المزارعين ممن صادر الاحتلال أراضيهم وحولها إلى مناطق عسكرية مغلقة لأغراض التدريبات أو ضمها إلى المستوطنات المقامة أصلا على أراض مصادرة.
تدمير 32 قرية
وأوضح دراغمة، أن قوات الاحتلال دمرت في العام 1967 نحو 32 قرية على امتداد الشريط الغوري الملاصق لنهر الأردن، وبقيت عين «الساكوت» زاخرة بحياة مائية مستدامة، حيث أن فيها بركة مائية تحتوي على أسماك، إلى جانب عيون المياه الجارية.
أوامر جديدة
وكشفت مصادر صحافية إسرائيلية، النقاب عن نية سلطات الاحتلال إصدار أوامر جديدة لتقسيم نحو 5000 دونم من أراضي الفلسطينيين المصادرة في الأغوار، على المستوطنين الذين استولوا في العام الماضي على 600 دونم من الأراضي الخاصة ومنعوا أصحابها من دخولها بحجج أمنية.
وأكدت أن تلك الأراضي ذات ملكية فلسطينية خاصة وجرى تسليمها للمستوطنين في سنوات سابقة، وتقع بين الجدار الحدودي ونهر الأردن، ويمنع أصحابها من دخولها بموجب الأمر العسكري رقم 151 الصادر في أعقاب احتلال الضفة في حرب العام 1967، وألغي في أعقاب توقيع اتفاقية السلام الإسرائيلية – الأردنية.
وأضافت، «تعتبر هذه الأراضي خصبة جدا لقربها من مجرى نهر الأردن، وكان الفلسطينيون يزرعونها حتى الاحتلال العام 1967، وسمحت سلطات الاحتلال للمستوطنين الذين يحملون السلاح بزراعتها، بزعم أن الهدف هو إقامة منطقة عازلة تمنع عمليات التسلل من الأردن، وسلمت سلطات الاحتلال هذه الأراضي لـ(الهستدروت) والتي بدورها سلمتها للمستوطنين».
حملة عدوانية شرسة
ومن وجهة نظر دراغمة، فإن هذه الممارسات تميط اللثام على الوجه الحقيقي للسياسة الإسرائيلية في منطقة الأغوار الشمالية والتي تمتد من الجفتلك جنوبا إلى بردلة شمالا، ويئن أصحابها الشرعيون تحت وطأة الضغوط والتحرشات والمضايقات الممارسة ضدهم من سلطات الاحتلال والمستوطنين، وتمثلت بهدم منازلهم وتشريدهم في العراء، ومنع المزارعين والرعاة من الوصول إلى مراعيهم في تلك المناطق، وإغلاق مساحات واسعة من الأراضي، والاستمرار في إجراء التدريبات العسكرية بالذخيرة الحية.
وأكد دراغمة، أن سلطات الاحتلال وقطعان المستوطنين تشن منذ فترة طويلة حملة عدوانية شرسة بحق المواطنين في تلك المنطقة، من أجل تفريغها من أصحابها الشرعيين واجتثاث الوجود الفلسطيني فيها، من خلال مصادرة الأراضي وضمها إلى المستوطنات ومعسكرات الجيش المنتشرة بشكل كبير في تلك المنطقة.
قهر ومعاناة
ومن أشد أشكال القهر التي يعاني أهالي الأغوار، ملاحقتهم من دوريات الاحتلال، ومنعهم من الخروج من مناطق القرى المأهولة بالسكان، بالإضافة إلى عدم السماح لهم بالوصول إلى المراعي لإطعام مواشيهم، فيما هدمت قوات الاحتلال المئات من مساكنهم المشيدة من الصفيح وبيوت الشعر، وأخطرت العشرات منهم بالرحيل.
وقال دراغمة، شهدت الآونة الأخيرة زيادة ملحوظة في ملاحقة الاحتلال للمزارعين ورعاة المواشي من خلال هدم منشآتهم الزراعية وإصدار أوامر هدم للبعض منها، بحجة البناء غير المرخص، إضافة إلى استيلاء المستوطنين على مزيد من الأراضي لصالح المستوطنات القريبة، في خطر يتصاعد تحديدا بالنسبة لمنطقة المالح والتي تكمن أهميتها بالنسبة للاحتلال في كونها تقع على ثاني أكبر حوض مياه في الضفة الغربية، فضلا عن كون طبيعتها تحاكي طبيعة جنوب لبنان، ما جعل الاحتلال يستخدمها لإجراء التدريبات العسكرية.
مناطق تدريبات عسكرية
ولفت إلى أن جيش الاحتلال سبق وأن حول نحو 70% من أراضي المالح إلى مناطق تدريبات عسكرية، بالإضافة إلى مناطق مزروعة بالألغام الأرضية التي باتت تنتشر بين ثنايا بيوت ومزارع البدو البسيطة، والمصنوعة في الأصل من الصفيح والخشب محولة المنطقة إلى وضع أشبه بالثكنة عسكرية.
وأشار دراغمة، إلى أجواء الرعب والخوف التي تعيشها العائلات البدوية في مناطق متفرقة من الأغوار بسبب التدريبات العسكرية التي تجريها قوات الاحتلال، والقذائف التي تطلقها الدبابات في مناطق عديدة من المالح وقراها، حيث يواصل جيش الاحتلال حصار المنطقة ويقطع الطريق الواصلة بين طوباس والأغوار.
وأضاف: في خربة ابزيق عاشت العائلات أوضاعا صعبة للغاية بسبب سياسة الإخلاءات والتدريبات التي لا تبعد عدة أمتار عن مناطق سكناها والتي أجبرها الاحتلال على مغادرتها، في ظل أجواء باردة ومرعبة، حيث لجأت تلك العائلات إلى العراء.
وبين أن هذه العائلات تعرضت لانتهاكات كثيرة من قبل الاحتلال حيث عمليات الهدم لمنشآتها ومصادرة الجرارات الزراعية، والإخلاءات العسكرية المتواصلة.
وفي خربة يرزا، أكد دراغمة، أن التدريبات العسكرية الأخيرة التي أجرتها قوات الاحتلال، تسببت بتدمير آبار جمع المياه والطرق الترابية المؤدية إليها.
خندق في البقيعة
وركز على الخندق الذي أقامته سلطات الاحتلال في بداية العام 2000 وقطع أوصال منطقة البقيعة وطمون وقرى وخرب عديدة في الجهة الشرقية، حيث يضطر المواطن لقطع نحو 100 كم للوصول إلى المستشفى بسبب هذا الخندق بدلا من 10 كم.
وقال، إن هذه دعوة موجهة إلى المؤسسات الحقوقية والإنسانية من أجل الضغط على سلطات الاحتلال لإزالة هذا الجدار الترابي وتسهيل حركة السكان للوصول إلى أراضيهم والحصول على الخدمات الإنسانية الضرورية.
من جهته، قال منسق ملف الأغوار في محافظة طوباس، معتز بشارات: إن قوات الاحتلال أغلقت مناطق واسعة من الأغوار، واحتجزت طلبة المدارس والأطفال بحجة إجراء التدريبات العسكرية.



