ثقافة وادبزوايا

حوريّة البحر… من الأسطورة إلى الواقع


العربي الجديد- نور عويتي /منذ أن تكوّن الوعي بالوجود لدى الإنسان، استطاع أن يتخطّى بخياله العوالم المحيطة به، ليحيك الأساطير وينسج حكايات تفسِّر بداية الخلق. واعتمد في أساطيره على الآلهة التي أعطى كلاً منها دوراً للتحكُّم بعوامل الطبيعة، مثل بوسيدون إله البحر في الحضارة الإغريقية، وأفروديت آلهة الحب والجمال، كما تخيَّل كائناتٍ تفوقه جمالاً وقوَّة، واعتمد في خياله على الدمج بين جسد الإنسان مع الكائنات، والحيوانات التي يعرفها. وتخلّلت تلك الأساطير كائنات مثل القنطور، وهو كائن نصفه العلوي إنسان ونصفه السفلي حصان، وكذلك المينوتور، وهو حيوان نصفه إنسان ونصفه ثور. وأيضاً حوريات البحر، اللاتي يتكون جسدهنّ من نصف أنثى ونصف سمكة.
في الأساطير الإغريقية، لعبت حوريات البحر الدور الثاني بعد الآلهة، فمنهم من ربّى الآلهة، كما وقع بعض الآلهة بحبهنّ.
أغرت تلك الأسطورة الإنسان، وجذبت العديد من الشباب الذين خاطروا بحياتهم لاكتشاف بحار مجهولة لرؤية حورية البحر التي تختصر الجمال في نصفها الأعلى. والبعض حذر الشباب المندفع حينها، من ذلك الإغراء الذي قد يقودهم للهاوية، ليكون للحوريات جانب مظلم. فتطورت الأسطورة الشعبية، لتعطي الحوريات طابعاً شريراً، فهن يستهدفن البحارة، وينشدن ألحاناً عذبة تخدّر العقل. مما يجعل السفن تشرَد في البحر وتتوه. وبذلك، برَّر بعض الناس عدم عودة بعض المراكب البحرية التي انطلقت بحثاً عن الحوريات.
تأثَّر الفنّ بشكل عام بأسطورة العصور القديمة، فُرِسمَت حوريات البحر في العديد من اللوحات، وجُسِّدَت بالعديد من المنحوتات بطرق مختلفة. وفي سنة 1837، نشر الكاتب الدنماركي، هانس أندرسن، رواية بعنوان “الحورية الصغيرة”، وتدور الرواية حول حورية كئيبة لا شيء يجعلها تبتسم، إلى أن وقعت في حب أمير بشري أنقذته من الغرق، دفعها حبها أن تلجأ لساحرة شريرة للحصول على قدمين. إلا أن الحوريّة ندمت بعد أن تحولت إلى إنسان، وشعرت بالألم عندما ما مشت على الأرض. وعندما فشلت بأن تجعل الأمير يقع في حبها، ماتت وتحوَّلت إلى زبد البحر.
في عام 1989، أطلقت شركة “ديزني” فيلماً عن الحكاية ذاتها، ولكن الفيلم لم يحمل الطابع الحزين الموجود في الحكاية، وغير في مضمون الرواية الأصلية، فحورية البحر “أريال” في الفيلم/ تهوى البشر وتجمع أشياءهم التي تغرق في قاع المحيط، وتحلم بأن تصبح آدمية. وعندما تنقذ أحدهم وتقع في حبه تلجأ إلى الساحرة الشريرة لتحصل على قدمين، ولكنّ الساحرة تحرمها صوتها الذي كانت تغني به، إلا أن حب “أريال” والأمير، يتفوق على السحر الشرير، وتبقى “أريال” آدمية، ويعود لها صوتها، وتتزوَّج الأمير، ويبارك أبوها ملك البحار زواجها.
عشقت الفتيات حول العالم شخصية “أريال”، وكانت أوّل أميرة غير بشريَّة من أميرات “ديزني”، وبينما كان حلم “أريال” أن تتحول إلى إنسان، كان حلم الفتيات التحوَّل لحورية بحر. وبسبب نجاح الشخصية، قامت “ديزني” بإنتاج جزء ثانٍ للفيلم، ورسَّخت هذه الأفلام شخصية حورية البحر كرمز للجمال والأنوثة. إن انتشار هذه الأفكار، دفع مجموعة من النساء في الصين لاستثمارها، فقاموا باختراع “ذيل حورية البحر” المخصَّص للسباحة، وأقاموا دورات لتعليم الفتيات السباحة باستخدام الذيل، وبطريقة الحوريات، وأقاموا الدورة في حوض سباحة كبير يحتوي على الأصداف وكائنات بحرية متنوعة. ولاقت هذه الفكرة إقبالاً كبيراً، فاشتركت بها حتى اليوم ما يزيد عن ألف فتاة، قمن بدفع 500$ لقاء دورة لا تزيد مدتها عن ثلاثة أيام. لتؤكّد هذه التجارة الرابحة أن عشق الفتيات لشخصية حورية البحر الأسطورية، يفوق كل التوقعات، ولتؤكد على ولع الناس حول العالم بشخصيات أميرات “ديزني”. فالمشاركات صرحن بلقاءاتهن أن حبهن لشخصية “أريال” هو ما دفعهن لخوض هذه التجربة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق