الأربعاء, مايو 13, 2026
spot_img
الرئيسية بلوق الصفحة 17

علوش يبحث في شنغهاي آفاق التعاون الحضاري ويؤكد أهمية التبادل المعرفي بين الشعوب

شنغهاي – واصل عضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، الكاتب والباحث محمد علوش، لقاءاته الأكاديمية والفكرية في جمهورية الصين الشعبية، حيث زار جامعة فودان في مدينة شنغهاي، والتقى مع وفد مركز دراسات مبادرة الحضارة العالمية، إلى جانب عدد من المسؤولين والأساتذة والخبراء في الجامعة.

 

وتناول اللقاء بحث جملة من القضايا الفكرية والسياسية، أبرزها أفكار الرئيس الصيني شي جين بينغ حول الديمقراطية الشعبية، وآليات عمل الحزب الشيوعي الصيني، إضافة إلى المبادرات العالمية التي طرحتها الصين، ولا سيما مبادرة الحضارة العالمية ومبادرة الحوكمة.

 

كما شملت الزيارة جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، حيث زار علوش مركز الدراسات الصيني العربي للإصلاح والتنمية، وعُقد لقاء حواري معمق في قاعة القبة بمكتبة الجامعة، بحضور نخبة من الأكاديميين والباحثين.

 

وألقى رئيس الجامعة، الدكتور مونغ تشونغجيه، كلمة أكد فيها أهمية تعزيز الحوار الحضاري والتبادل الأكاديمي، فيما ألقى رئيس مركز دراسات مبادرة الحضارة العالمية الدكتور كاوه محمود كلمة تناول فيها دور المبادرات الفكرية في بناء جسور التفاهم بين الشعوب.

 

وتخلل اللقاء عرض فيلم تعريفي حول أنشطة المركز، إضافة إلى محاضرة بعنوان “التبادل والاستفادة المشتركة بين الحضارتين الصينية والعربية”، قدمها أمين عام مركز الدراسات الصيني العربي الدكتور وانغ قوانغدا، حيث سلطت الضوء على آفاق التعاون الثقافي والمعرفي بين الجانبين.

 

وأكد محمد علوش في كلمته أهمية تعزيز الحوار بين الحضارات، مشدداً على أن التجربة الصينية تمثل نموذجاً مهماً في التنمية والاستقرار، وقادرة على إلهام العديد من الشعوب، بما فيها الشعب الفلسطيني، في سعيه نحو الحرية وبناء دولته المستقلة.

 

وأشار علوش إلى ضرورة توسيع مجالات التعاون الأكاديمي والثقافي بين المؤسسات العربية والصينية، بما يسهم في تعميق الفهم المتبادل وتعزيز قيم العدالة والتعددية، مؤكداً أن التبادل المعرفي يشكل ركيزة أساسية في بناء مستقبل أكثر توازناً وإنصافاً على المستوى الدولي.

 

وفي سياق متصل، شدد علوش على أن القضية الفلسطينية تمر بمرحلة دقيقة في ظل التحديات والمخاطر المتصاعدة التي تهدد الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال وسياسات الاستيطان ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض، وأكد أن هذه التطورات تستدعي تعزيز الموقف الوطني الفلسطيني، وتكثيف الجهود العربية والدولية الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، بما يضمن حمايتها وصونها وفق قرارات الشرعية الدولية، وصولاً إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

النضال الشعبي :  تشارك حركة فتح بمعرض للتراث بيوم الأسير الفلسطيني في مخيم اليرموك

دمشق / بدعوة من حركة التحرير الوطني الفلسطيني-فتح-منطقة اليرموك شاركت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني في معرض للتراث الفلسطيني بمناسبة يوم الأسير الفلسطيني الذي يصادف في ال17 من نيسان في مخيم اليرموك.
بحضور أبو خلدون عضو قيادة فرع اليرموك وممثلي فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وبحضور حشد جماهيري من أبناء شعبنا الفلسطيني.


وتأتي هذه المناسبة لتوحيد كل الجهود والطاقات لدعم صمود الأسرى، والتأكيد على أن قضية الأسرى ستظل دوماً في مقدمة المهام الوطنية, والتأكيد على ان يوم الأسير الفلسطيني ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو نداء صادق وحر، وتجسيد لروح الشعب الفلسطيني العنيدة، التي لا تنكسر ولا تُساوم على كرامتها وحقها في الحرية، إنه يوم يُعبّر فيه الفلسطينيون عن التزامهم الثابت والمبدئي تجاه من نذروا حياتهم في سبيل الحرية، وهو دعوة للعالم بأن يقف في صف الحق والعدالة، لا في صف الجلاد , ورفضا للوجود الصهيوني وممارساته البشعة على أرض فلسطين.

قراءة في تحولات المشهد الإقليمي انفكاك طهران: غزة غنيمة مذبوحة ولبنان ظهر لا يحتمل  . . بقلم: نسيم قبها

في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالشرق الأوسط، يلوح في الأفق مشهد استراتيجي جديد يحمل في طياته إعادة تشكيل قواعد اللعبة الإقليمية. إن الهدنة التي ترتسم ملامحها بين إيران والولايات المتحدة، والتي تحمل في جوهرها تفاهماً ضمنياً حول مناطق النفوذ وحدود التأثير، تضع تحالفات إيران أمام اختراق وجودي غير مسبوق. فما إن بدأت طهران تشم رياح التفاهم مع واشنطن، حتى أخذت تلفظ أنفاسها الأخيرة كحاضن إقليمي للمقاومة في لبنان، بعد إنهاء عسكرة حماس في غزة ، تاركة الساحتين فريسة لتوازنات جديدة لم تكن في الحسبان.

غزة: غنيمة مذبوحة على مذبح المصالح الإيرانية

إن المشهد الفلسطيني في غزة اليوم ليس سوى انعكاس مأساوي لسياسة “الاستنزاف بالوكالة” التي أتقنتها طهران لعقود. فبينما كانت إيران توزع بطاقات الدعم المالي والعسكري كأوراق لعب في لعبة إقليمية كبرى، كانت غزة تتحول تدريجياً إلى ساحة تجارب لصواريخ وأفكار لا تخدم إلا أجندة التوسع الإيراني. واليوم، ومع بدء طهران بسحب يدها بهدوء تحت غطاء التفاهمات مع واشنطن، تكتشف غزة أنها تركت كغنيمة مذبوحة على تخوم التوازنات الجديدة.

إن مفهوم “الابتزاز الجيوسياسي” الذي طالما مارسته إيران عبر أذرعها المختلفة، يفضح اليوم زيف الشعارات التي رفعتها طهران لعقود. فلم تكن غزة بالنسبة لإيران أكثر من “ورقة ضغط” في معادلة تفاوضية كبرى، ورقة يمكن التضحية بها حين تسنح الفرصة لصفقة أكبر. وهنا تبرز المفارقة الفلسفية العميقة: حين تصبح المقاومة سلعة في سوق النفوذ الإقليمي، فإن أول ضحاياها هم أولئك الذين آمنوا بها كعقيدة تحرر وليس كأداة تفاوض.

لبنان: ظهر إيران الذي لا يحتمل

على الجانب اللبناني، تتجلى المأساة بشكل أكثر تعقيداً. فلبنان الذي تحول إلى ساحة صراع بالوكالة بين إيران وإسرائيل، يدفع اليوم ثمن رهانات لم يصنعها هو. إن إدارة إيران ظهرها للبنان في هذه المرحلة الحرجة، ليست مجرد خيانة سياسية عابرة، بل هي اعتراف صريح بأن حزب الله قد أدى دوره كقوة ردع وموازنة، وأصبح عبئاً استراتيجياً على طهران التي تسعى لتقليص التزاماتها الإقليمية.

إن الفلسفة السياسية التي تحكم العلاقة بين إيران وحزب الله تستند إلى مفهوم “العميل الاستراتيجي” الذي يُستغل في أوقات الحاجة ويُترك في أوقات الانكماش. وما نشهده اليوم هو تجسيد حي لهذه الفلسفة، حيث تُترك الساحة اللبنانية لتستفرد بها إسرائيل بعد أن سُحبت منها شبكة الأمان الإيرانية التي كانت توفر الحد الأدنى من توازن الردع.

الحتمية اللبنانية: تسليم السلاح سبيلاً وحيداً

إن قراءة المشهد اللبناني بعيون استشرافية تقودنا إلى حقيقة قاسية ولكنها حتمية: لا اتفاق مع إسرائيل، سواء كان مباشراً أو غير مباشر، إلا عبر تسليم حزب الله سلاحه للجيش اللبناني. هذه المعادلة ليست مجرد شرط إسرائيلي أو أمريكي، بل هي ضرورة وجودية للبنان كدولة ذات سيادة.

 

إن مفهوم “احتكار الدولة لاستخدام القوة”، الذي صاغه ماكس فيبر كأساس للدولة الحديثة، يجد اليوم تجلياته الأكثر إلحاحاً في الحالة اللبنانية. فاستمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة يعني استمرار لبنان كساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، واستمرار رهنه لمشاريع لا تخدم مصلحته الوطنية.

إن المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية المقبلة، والتي ستفرضها وقائع الميدان بعد الضربات الموجعة التي يتعرض لها لبنان، لن تكون مجرد تفاوض حول حدود أو مياه، بل ستكون تفاوضاً حول مستقبل دور حزب الله. وهنا تكمن المفارقة: إن الضربات الإسرائيلية، رغم قسوتها، قد تكون وسيلة “ترويض” للشارع اللبناني ليدرك حتمية التخلي عن المغامرات العسكرية باسم المقاومة.

الاستشراف الفلسطيني: دروس لم نتعلمها بعد

أما بالنسبة للقضية الفلسطينية، فما يحدث في غزة ولبنان يحمل دروساً قاسية يجب استخلاصها. إن الانكفاء الإيراني يكشف هشاشة التحالفات الإقليمية التي تبنى على أساس المصلحة الآنية وليس على أسس مبدئية ثابتة. فلسطين التي راهنت على محاور إقليمية، تجد نفسها اليوم أمام اختبار تاريخي لإعادة تعريف مفهوم المقاومة بما يتوافق مع متغيرات العصر.

إن مصطلح “العجز الاستراتيجي” الذي يصف حالة التشرذم الفلسطيني، لم يعد كافياً لتفسير المأساة. نحن أمام حالة من “الابتلاع الجيوسياسي” حيث تم استغلال القضية الفلسطينية كغطاء لصراعات إقليمية لا تخدم في جوهرها التحرر الوطني.

نحو واقع إقليمي جديد

إن المنطقة التي ترتسم ملامحها اليوم هي مختلفة جذرياً عن تلك التي عرفناها بعد الربيع العربي . إن الهدنة الإيرانية الأمريكية، مهما كانت هشة ومؤقتة، ستفرض معادلات جديدة على جميع الأطراف. وإذا كان لبنان سيدفع الثمن الأكبر عبر “ترويض” قسري قد يمهد لمفاوضات صعبة، فإن غزة ستظل الجرح المفتوح الذي ينزف بلا هوادة.

السؤال الفلسفي الذي يبقى معلقاً: هل يمكن للمقاومة أن تنتصر حين تتحول إلى سلعة في سوق النفوذ الإقليمي؟ أم أن الخلاص يبدأ باستعادة القرار الوطني المستقل بعيداً عن المحاور الإقليمية المتقلبة؟ إن الإجابة على هذا السؤال ستحدد مصير الأجيال القادمة في فلسطين ولبنان والعالم العربي بأسره.

في النهاية، يبقى المشهد مفتوحاً على كل الاحتمالات، ولكن المؤكد أن المنطقة لن تعود كما كانت، وأن دروس هذه المرحلة ستكتب بحروف من نار على جدران التاريخ. أما من يظن أن إيران ستعود لتحمي غزة أو لبنان بعد أن عقدت صفقتها مع أمريكا، فهو واهم. فالسياسة الدولية لا تعرف الوفاء، بل تعرف المصالح، وغزة ولبنان لم يكونا يوماً أكثر من أدوات في لعبة كبرى انتهى دورها الآن.

 

*كاتب وباحث فلسطيني

إعدام الأسرى انتهاك صارخ للقيم الإنسانية والمواثيق الدولية بقلم: د. عودة عابد

في عصر الاحتلال الاستيطاني الفاشي الذي يمتد عقودا من الظلم والطغيان يبرز قانون اعدام الأسرى كتعبير واضح عن النزعة العنصرية التي تتسم بها بنية النظام الإسرائيلي، هذا التشريع الذي يدفعه اليمين المتطرف يعكس تحولا واضحا في السياسة الإسرائيلية التي كانت تتبع سياسة إلغاء فعلي لعقوبة الإعدام منذ العام 1954. اليوم وفي مارس 2026 تقدم لجنة الأمن القومي في الكنيست مشروع القانون إلى مرحلة التصويت النهائي بعد تعديلات طفيفة أجرتها تحت ضغط المعارضة، هذا القانون يفرض عقوبة الإعدام الإلزامية على الأسرى الفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين في سياق ما يصفه بالإرهاب ذي الدوافع القومية أو الأمنية، الإعدام يتم شنقا خلال تسعين يوما من الحكم النهائي دون حق الاستئناف في كثير من الحالات ودون إمكانية العفو أو تخفيف العقوبة، هذا الإجراء يستهدف بشكل واضح الأسرى الفلسطينيين في الأراضي المحتلة الذين يحاكمون أمام المحاكم العسكرية بينما يستثني الإسرائيليين اليهود الذين يرتكبون جرائم مماثلة ويمنحهم فرصة الحكم بالسجن المؤبد. مثل هذا التمييز يجسد جوهر النظام الاستعماري الذي يبني شرعيته على التفرقة العنصرية. السياسيون المتطرفون مثل: بن غفير يروجون لهذا القانون كضمانة للأمن القومي وكوسيلة لمنع صفقات تبادل الأسرى المستقبلية، لكنه في الواقع يمثل امتدادا لسياسة السيطرة الشاملة التي تستهدف القضاء على أي شكل من أشكال المقاومة الفلسطينية.

من الناحية السياسية يأتي هذا القانون ضمن استراتيجية الحكومة الائتلافية اليمينية التي تسعى إلى تعزيز السيادة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة من خلال تشريعات تكرس التمييز، إنه ليس مجرد إجراء جنائيا بل هو أداة في الصراع الديموغرافي والأمني الذي يرى في الفلسطينيين تهديدا وجوديا دائما، كما ان الإعلام الإسرائيلي يصور القانون كضرورة أخلاقية وكرد فعل طبيعي على أحداث السابع من أكتوبر 2023. هذه السردية الإعلامية تتجاهل السياق الأوسع للاحتلال المستمر والاستيطان غير الشرعي والحصار الاقتصادي والاجتماعي الذي يدفع نحو دوامة العنف.

اجتماعيا يعمق القانون من معاناة المجتمع الفلسطيني الذي يعاني أصلا من جرائم الاحتلال بسبب الاعتقالات الإدارية والمحاكمات الجائرة، الأسرى ليسوا مجرد أفراد محتجزين بل هم رموز للصمود الوطني وجزء من نسيج اجتماعي يربط العائلات بالقضية، إعدام أحدهم يعني تدمير عائلات بأكملها وزرع الرعب في نفوس الشباب الذين يرون في المقاومة خيارا وحيدا أمام الظلم الممنهج، ويحول الصراع إلى مواجهة وجودية تفتقر إلى أي أفق سياسي، كما ان المؤسسات الحقوقية والإنسانية لم تتأخر في إدانة هذا التشريع بشدة، هناك منظمة العفو الدولية أكدت في بيانها الصادر في فبراير 2026 أن مشاريع القوانين هذه تكرس نظام الأبارتهايد وتنتهك الحق في الحياة والمحاكمة العادلة، المنظمة حذرت من أن تطبيق عقوبة الإعدام في المحاكم العسكرية قد يرقى إلى جريمة حرب خاصة مع غياب الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة. كذلك أصدر خبراء الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان بيانا في الرابع من فبراير 2026 يدعو إسرائيل إلى سحب مشروع القانون فورا.

جامعة الدول العربية عبر مجلسها الادارى وعلى مستوى المندوبين الدائمين ادانت قانون اعدام الاسرى ودعت الي مواجهته بحشد دولي، الخبراء أشاروا إلى أن العقوبات الإلزامية تنتهك الحق في الحياة بموجب المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لأنها تزيل السلطة التقديرية للقضاة وتمنعهم من النظر في الظروف المخففة. كما أكدوا أن التمييز الواضح ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة يخالف مبدأ عدم التمييز. المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك في يناير 2026 وصف الاقتراحات بأنها تتعارض تماما مع القانون الدولي ودعا إلى إسقاطها، كما أعدت منظمات حقوقية إسرائيلية مثل عدالة وهاموكد وأطباء من أجل حقوق الإنسان وبتسيلم ورقة تحليلية في يناير 2026 أكدت أن القانون يؤسس إطارا تمييزيا عقابيا يحرم الفلسطينيين من الحماية القانونية المتساوية والمحاكمة العادلة والحماية من التعذيب، هذه المنظمات حذرت من أن أي حكم إعدام ناتج عن هذا التشريع سيكون حرمانا تعسفيا من الحياة، كما ادان التحالف العالمي ضد عقوبة الإعدام حيث أعرب عن قلقه الشديد معتبرا التشريع خطوة رجعية خطيرة تتعارض مع الاتجاه العالمي نحو إلغاء عقوبة الإعدام، فيما يتعلق بتوافق هذا القانون مع القوانين الدولية فإن الواقع يشير إلى انتهاكات جسيمة متعددة، اتفاقيات جنيف تحظر صراحة إعدام الأشخاص المحميين تحت الاحتلال بما في ذلك المدنيون في الأراضي المحتلة، كما ان المادة الثالثة والثلاثون من اتفاقية جنيف الرابعة تمنع العقوبات الجماعية والإعدامات التعسفية، كذلك يخالف القانون العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يحدد عقوبة الإعدام بالجرائم الأشد خطورة فقط ويشترط ضمانات المحاكمة العادلة.

القانون يحمل أبعادا إعلامية واجتماعية أعمق، الدعاية الإسرائيلية تستخدمه لتعزيز صورة الضحية التي تبرر أي إجراء انتقامي، هذا السرد يتجاهل الواقع اليومي للأسرى الفلسطينيين الذين يتعرضون للتعذيب والإهمال الطبي والعزل الانفرادي كما وثقت المنظمات الحقوقية، اجتماعيا يعمق القانون من حالة اليأس والغضب في المجتمع الفلسطيني مما يغذي دورة العنف بدلا من حلها، في تحليل أعمق يمكن القول إن هذا التشريع يكشف عن أزمة أخلاقية في النظام الإسرائيلي، بدلا من البحث عن حلول سياسية جذرية يلجأ إلى أدوات عقابية تاريخية فاشلة، ان عقوبة الإعدام لن تنجح في القضاء على الجريمة بل عززت من الاستقطاب الاجتماعي، في سياق الاحتلال تصبح هذه العقوبة أداة للقمع السياسي وليس للعدالة.

إن الأسرى الفلسطينيون يمثلون شريحة واسعة من المجتمع تضم آلاف الأفراد محتجزين لأسباب سياسية، إعدام بعضهم لن ينهي النزاع بل سيزرع بذورا لمزيد من التمرد والمقاومة، هذا ما أكدته المنظمات الفلسطينية لحقوق الإنسان التي دعت الأمم المتحدة إلى التدخل العاجل لوقف القانون قبل إقراره.

من الناحية الدولية يثير القانون مخاوف جدية حول مستقبل السلام في المنطقة، الاتحاد الأوروبي أدان المشروع معتبرا عقوبة الإعدام انتهاكا للحق في الحياة وحرية الإنسان من التعذيب، مثل هذه الإدانات تعكس إجماعا دوليا متزايدا على رفض عقوبة الإعدام كأداة سياسية.

في الختام يمثل قانون الإعدام للأسرى قمة التناقض بين الادعاءات الإسرائيلية بالديمقراطية والواقع الاستعماري الذي يعيشه الفلسطينيون، إنه ليس مجرد تشريع بل هو إعلان عن فشل سياسي وأخلاقي يعمق الجرح الإنساني في المنطقة، المؤسسات الحقوقية تؤكد أن الطريق الوحيد للعدالة الحقيقية يكمن في احترام القانون الدولي والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، أما الاستمرار في هذا النهج فسيؤدي إلى مزيد من الدمار والعزلة الدولية لإسرائيل، الواقع يفرض نفسه، الاحتلال يولد المقاومة والقمع يولد التمرد، عقوبة الإعدام لن تحل قضية بل ستضاف إلى سجل الانتهاكات التي تتراكم منذ عقود، في عالم يتجه نحو إلغاء عقوبة الإعدام تستمر إسرائيل في تمسكها بأدوات قديمة تكشف عن جوهر النظام الذي يعتمد على التمييز والقوة بدلا من الحوار والعدالة، هذا القانون إن أقر سيكون صفحة سوداء جديدة في تاريخ اسرائيل لكنه لن يكون الكلمة الأخيرة، إن الصمود الفلسطيني والضغط الدولي والوعي الحقوقي سيظلان يشكلان الرد الحقيقي على مثل هذه الإجراءات.

على الدبلوماسية الفلسطينية والمؤسسات ذي العلاقة العمل بكل قوة على مواجهة هذا القانون الصارخ ضد الاسرى الفلسطينيين، المواجهة بكل الوسائل والامكانيات المتاحة لإسقاط هذا القرار الجائر بحق الفلسطينيين الاحرار.

تمكين المرأة الفلسطينية سياسيًا .. بقلم: رانية جراد

 

خاضت المرأة الفلسطينية، وفي مختلف مراحل التاريخ الحديث، نضالًا طويلًا ومركبًا من أجل انتزاع حقوقها وتعزيز مكانتها في المجتمع، وقد لعبت المنظمات النسوية، لا سيما تلك التي نشأت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، دورًا محوريًا في رفع وعي النساء بحقوقهن، والعمل على تمكينهن عمليًا من الانخراط في مسيرة الكفاح الوطني لنيل الحرية والاستقلال، ومن أبرز هذه الأطر “الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية”، الذي تأسس عام 1963، وشكّل قاعدة جماهيرية فاعلة ضمن منظمة التحرير الفلسطينية، جامعًا للفلسطينيات بمختلف توجهاتهن السياسية والفكرية.

مع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، دخلت الحركة النسوية مرحلة جديدة من العمل، حيث واصلت نضالها للدفاع عن حقوق المرأة وتحسين أوضاعها، ومع انتخاب أول مجلس تشريعي فلسطيني عام 1996، برزت تحديات جديدة فرضت على الحركة النسوية إعادة صياغة استراتيجياتها وأدواتها، بما يوازن بين مهمتي التحرر الوطني والبناء الاجتماعي، وقد أتاح هذا التحول نشوء أطر حكومية وسياسات رسمية تُعنى بقضايا المرأة، إلى جانب فتح المجال أمام سن تشريعات تمس مختلف جوانب الحياة، ما جعل من الضروري أن تضطلع المؤسسات النسوية بدور أكثر فاعلية في الضغط والتأثير لضمان ترسيخ مبادئ العدالة والمساواة وحقوق الإنسان.

وقد تعزز هذا المسار مع صدور القانون الأساسي الفلسطيني عام 2003، الذي كرس مبدأ المساواة وعدم التمييز، مؤكدًا التزام السلطة بحماية حقوق الإنسان والانضمام إلى المواثيق الدولية ذات الصلة، ومع ذلك، فإن ترجمة هذه النصوص إلى واقع ملموس لا تزال تواجه تحديات متعددة.

في السياق الفلسطيني، جاء مفهوم التمكين، ولا سيما التمكين السياسي، في ظل تحولات معقدة شهدها المجتمع والنظام السياسي، حيث تداخلت متطلبات بناء المؤسسات مع استمرار واقع الاحتلال، وقد تأثرت سياسات التمكين إلى حد كبير بأجندات المانحين الدوليين، التي غالبًا ما تستند إلى نماذج ليبرالية لا تأخذ بالضرورة خصوصية الحالة الفلسطينية.

ويفهم التمكين السياسي للمرأة باعتباره عملية شاملة تهدف إلى تعزيز مشاركتها في صنع القرار، وضمان وصولها إلى مواقع التأثير، عبر الانتخابات أو من خلال نظم الكوتا، وهذا المفهوم، في الحالة الفلسطينية، ينبغي أن يتجاوز الإطار الشكلي، ليُربط بالسياق الكفاحي اليومي ضد الاحتلال، باعتباره جزءًا من مشروع تحرري متكامل يجمع بين الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية.

وتقوم عملية التمكين السياسي على بعدين أساسيين: الأول يتمثل في إزالة العوائق البنيوية والثقافية التي تحد من مشاركة المرأة، والثاني في توفير السياسات والإجراءات التي تدعم حضورها وتعزز فرصها في المجال العام، وعليه، فإن التمكين لا يقتصر على إتاحة الفرص، بل يتطلب بناء قدرات حقيقية تمكن المرأة من التأثير الفاعل في مسارات التغيير.

ورغم الجهود المبذولة في هذا المجال، فإن الواقع يشير إلى وجود فجوة واضحة بين الخطاب والممارسة، فتعدد المؤسسات وتنافسها، إلى جانب الانقسام السياسي، أسهم في تشتيت الجهود وإضعاف أثرها، كما أن الاعتماد على التمويل الخارجي وما يرتبط به من أولويات، أدى في كثير من الأحيان إلى توجيه برامج التمكين بعيدًا عن الاحتياجات الفعلية للنساء الفلسطينيات.

وعلى سبيل المثال، ورغم إقرار كوتا نسائية بنسبة 30% في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، إلا أن تطبيقها لا يزال محدودًا، كما أن العديد من الأحزاب والمؤسسات التي تتبنى هذا المبدأ نظريًا، لا تلتزم به عمليًا داخل هياكلها التنظيمية، كذلك، ورغم انضمام فلسطين إلى اتفاقيات دولية مهمة، مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) وقرار مجلس الأمن 1325، إلا أن العديد من القوانين المحلية التمييزية ما زالت قائمة، ما يحد من الأثر الفعلي لهذه الالتزامات.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في مواءمة التشريعات مع المعايير الدولية، بل في مواءمتها مع الواقع المعاش للنساء الفلسطينيات واحتياجاتهن اليومية، ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة مفهوم التمكين ضمن السياق الفلسطيني الخاص، الذي يتسم بتعقيدات ناتجة عن استمرار الاحتلال، وضعف السيادة، وتشوه البنية السياسية والاجتماعية.

ان تعزيز التمكين السياسي للمرأة الفلسطينية يتطلب رؤية وطنية شاملة، تنطلق من فهم عميق لخصوصية الواقع، وتعمل على توحيد الجهود، وتحريرها من الارتهان الخارجي، بما يضمن بناء حركة نسوية قوية وقادرة على إحداث تغيير حقيقي ومستدام

 

أفق إنساني  بقلم :محمد علوش

في زمن تتكاثر فيه الأزمات بقدر ما تتسارع فيه التحولات، ويقف فيه العالم على مفترق طرق بين منطق الهيمنة ومنطق الشراكة، تبرز المبادرات الصينية الكبرى، وفي مقدمتها مبادرتا الحضارة العالمية والحوكمة العالمية، كنداء عقلاني وأخلاقي لإعادة الاعتبار لفكرة التوازن الدولي، وإعادة تعريف العلاقات بين الأمم على أساس الاحترام المتبادل، والتكامل الحضاري، والمصالح المشتركة.

إن مبادرة الحضارة العالمية لا تطرح مجرد خطاب ثقافي، بل تؤسس لفلسفة إنسانية ترى في تنوع الحضارات ثروة روحية ومعرفية، لا ميداناً للصراع أو مبرراً للإقصاء، فهي دعوة لإعادة الاعتبار لقيمة الحوار بوصفه بديلاً عن التصادم، وللتعارف بوصفه جسراً نحو الفهم العميق بين الشعوب، وللتعددية بوصفها قانوناً طبيعياً لتطور الإنسانية، لا تهديداً لها.

وفي جوهر هذه المبادرة يكمن إدراك عميق بأن الحضارات لا تتصارع إلا عندما يساء فهمها، ولا تتباعد إلا عندما تغيب العدالة، وأن مستقبل البشرية لا يمكن أن يبنى  على ثقافة الغلبة، بل على ثقافة الاعتراف المتبادل، حيث لكل شعب حقه في رواية قصته، وصياغة نموذجه، والمساهمة في المسيرة الإنسانية دون وصاية أو تهميش.

أما مبادرة الحوكمة العالمية، فهي تعبير عن حاجة موضوعية لإعادة التوازن إلى نظام دولي اختلت معاييره طويلاً، وباتت فيه العدالة انتقائية، والقانون الدولي خاضعاً في كثير من الأحيان لموازين القوة لا لقوة القانون، وهي في جوهرها دعوة لإقامة نظام دولي أكثر إنصافاً، يسمع فيه صوت الجنوب العالمي، وتصان فيه سيادة الدول، وتحترم فيه إرادة الشعوب، وتعاد افيه الاعتبار لمبادئ العدالة الدولية بوصفها أساس الاستقرار لا مجرد شعارات سياسية.

ولا يمكن فصل هذه الرؤية عن الصعود المتدرج والمتزن للصين كقوة دولية كبرى، ليس فقط بما حققته من معجزات تنموية غير مسبوقة، بل بما قدمته أيضاً من نموذج يقوم على الربط بين التنمية والاستقرار، وبين التقدم الاقتصادي والمسؤولية الدولية، وبين المصالح الوطنية والرؤية الإنسانية الأشمل.

إن أهمية هذا الدور لا تكمن في حجمه فقط، بل في طبيعته أيضاً، حيث يستند إلى مفهوم مجتمع المصير المشترك للبشرية، وهو مفهوم يتجاوز الحسابات الضيقة نحو أفق إنساني أرحب، يرى أن أمن العالم لا يتجزأ، وأن ازدهاره لا يمكن أن يكون حكراً على قلة، وأن الاستقرار الحقيقي لا يصنعه التفوق، بل تصنعه العدالة.

وفي قلب هذا النقاش، تظل القضية الفلسطينية واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في اختبار مصداقية النظام الدولي، ليس فقط باعتبارها قضية شعب يسعى إلى حريته، بل باعتبارها أيضاً معياراً أخلاقياً لمدى قدرة العالم على تطبيق المبادئ التي يعلنها، فحين تغيب العدالة عن فلسطين، فإن ذلك لا يطعن الفلسطينيين وحدهم، بل يصيب فكرة العدالة الدولية ذاتها في صميمها.

ومن هنا، فإن الدعوة إلى حوكمة عالمية أكثر عدالة، كما تطرحها الرؤية الصينية، تفتح الباب أمام أمل متجدد بإمكانية تصحيح الاختلالات التاريخية، وإنهاء معاناة شعب ما زال يناضل من أجل أبسط حقوقه الإنسانية والوطنية، وفي مقدمتها حقه في الحرية، وتقرير المصير، وإقامة دولته المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية.

إن مبادرتي الحضارة العالمية والحوكمة العالمية تمثلان، في جوهرهما، محاولة لكتابة فصل جديد في تاريخ العلاقات الدولية، فصل لا يقوم على منطق الاستقطاب، بل على منطق التوازن، ولا على إدارة الصراعات، بل على منع أسبابها، ولا على فرض الإرادات، بل على بناء التوافقات.

إن العالم اليوم، وهو يواجه أزمات مركبة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، يبدو أحوج ما يكون إلى مثل هذه الرؤى التي تعيد الاعتبار لفكرة الإنسانية الجامعة، وتفتح الطريق نحو نظام دولي أكثر توازناً، وأكثر قدرة على حماية مصالح الشعوب، وصون كرامتها،وضمان حقها في التنمية والسلام.

فمستقبل البشرية لن يكتب بلغة القوة وحدها، بل بلغة الحكمة أيضاً، ولن تصنعه المصالح العابرة، بل القيم القادرة على البقاء، وفي هذا الأفق، تبدو هذه المبادرات مساهمة فكرية وسياسية مهمة في صياغة ملامح عالم أكثر عدالة، وأكثر توازناً، وأكثر إنسانية.

الفشل المستمر للاستخبارات الإسرائيلية في تقدير قدرات العدو ونياته

بقلم: شيرا بربيفاي شاحام /نُقل، مؤخراً، عن قائد المنطقة الشمالية، رافي ميلو، قوله لسكان مستوطنة مسغاف عام، إن الجيش الإسرائيلي فوجئ بقوة “حزب الله” وقدرته على التعافي: “هناك فجوة بين ما اعتقدناه وما نكتشفه فعلياً”. وأضاف، إن التقديرات بشأن تحييد قوة التنظيم، بعد عملية “سهام الشمال” التي سبقت اتفاق وقف إطلاق النار، كانت متفائلة إلى حد كبير.
وقبل الهجوم على إيران، أطلقت الحكومة والجيش الإسرائيلي تهديدات لـ”حزب الله” بعدم فتح جبهة ثانية في أثناء الحرب مع إيران، لكن على الرغم من ذلك، فإن التنظيم انضم إلى القتال بعد اغتيال خامنئي.
هذه التقديرات المتفائلة تنضم إلى تقييمات سابقة سادت إسرائيل بعد الضربة الافتتاحية الإسرائيلية – الأميركية في عملية “زئير الأسد” ضد إيران. حينها، اعتقدت التقديرات، التي استند إليها قرار الدخول في الحرب، أن الضربة الأولى ستؤدي، على الأرجح، إلى موجة احتجاجات تُسقط النظام، لكن ذلك لم يحدث؛ هذا كله يأتي إلى جانب التقديرات المتفائلة التي سادت داخل المؤسسة الأمنية قبل 7 تشرين الأول، عندما تصوّروا سيناريوهات تصعيد من طرف “حماس”.
دارت تلك السيناريوهات حول هجوم محدود على بلدة، أو تسلّل، عبر النفق، لكنها لم تتخيل الجرأة والخطة الواسعة والدامية التي شهدها غلاف غزة في صباح 7 تشرين الأول.

قدرة ضعيفة على تقييم
قوة الردع الإسرائيلية
تشير هذه الأحداث الثلاثة إلى ظاهرة عميقة تميّز مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي في الأعوام الأخيرة: ضعف في تقييم قوة الردع الإسرائيلية وتأثيرها في قرارات الأعداء، إلى جانب تقديرات متفائلة أكثر من اللازم بشأن إضعاف قدرات الخصم بعد جولات القتال؛ فالردع هو مجموع الخطوات التي يعتقد العدو أن إسرائيل ستتخذها، رداً على دخوله في الحرب، بما في ذلك الثمن الذي يُتوقع أن يدفعه. ومن المفترض أن يمنع الردع قرار المخاطرة، أو يؤخره، لكن عندما تقرر منظمات، مثل “حماس” و”حزب الله”، خوض القتال، فهذا يشير إلى أن الردع الإسرائيلي ليس فعالاً بما يكفي.
إن تقدير قدرات العدو بعد جولة قتال يهدف إلى تقييم حجم الضرر الذي لحِق به، وتحليل تأثير العمليات العسكرية، وتقدير المدة التي يحتاج إليها للتعافي وإعادة بناء قدراته التي تضررت. ومن المفترض أن يحدد إذا ما كان العدو أصبح ضعيفاً، أو ارتدع، أو حافظ على قوته، أو حتى تعزز.
لكن الحالات المتعلقة بإيران و”حزب الله” في الجولة الحالية، و”حماس” قبل 7 تشرين الأول، تشير إلى إخفاق مستمر في قدرة الاستخبارات الإسرائيلية على تقييم جاهزية العدو بعد جولة قتال، سواء من حيث نياته (أي مدى ردعه)، وقدراته (مثل سرعة إعادة بناء القوة العسكرية وإنتاج الصواريخ والعتاد العسكري).
في ضوء الفجوة المستمرة التي كُشفت خلال عملية “زئير الأسد” على الساحتين اللبنانية والإيرانية، يتعيّن على مجتمع الاستخبارات تخصيص فرق تحقيق وتعلّم تتولى تشخيص أسباب الإخفاق المستمر، وتحليل منظومة المفاهيم الخاطئة، ثم تطوير آليات تقييم أكثر تواضعاً ودقةً، حتى إنها أكثر تشاؤماً، ووضع سيناريوهات تميل إلى التشديد، لا إلى التخفيف.
من الأفضل أن نفرض الاستعداد، وأن نكون شديدي اليقظة، ومتشائمين إزاء ما يمكن أن يحدث، بدلاً من رسم صورة غير دقيقة تنتهي بجولات من التقييمات المتفائلة، وربما المتسرعة، بشأن القضاء على التهديدات و”إضعاف وردع” منظمات، مثل “حماس” و”حزب الله”.
تكشف ظاهرة التفاؤل غير الحذِر أنه حتى بعد أن قام الجيش الإسرائيلي وأجهزة الأمن بمراجعة أنفسهم، لا مفرّ من تشكيل لجنة تحقيق خارجية مستقلة تعمل بنزاهة ومهنية لفحص الإخفاقات والمشكلات البنيوية العميقة، وتقديم توصيات شاملة بشأن المنهجيات والهياكل التنظيمية والإصلاحات المطلوبة، سواء داخل المؤسسة الأمنية، أو على مستوى التقييم الوطني في إسرائيل.

عن “يديعوت”

النصر يتطلب تحويل النجاحات العسكرية إنجازاتٍ سياسية

بقلم: ايال زيسر / قبل 70 سنة بالضبط في خريف 1956 انطلقت إسرائيل، إلى جانب بريطانيا وفرنسا، في حملة السويس التي استهدفت وضع حد لأعمال “الإرهاب”، التي نفذها الفدائيون من قطاع غزة ولضرب الجيش المصري الذي أصبح تحت قيادة الرئيس المصري، جمال عبد الناصر، تهديداً وجودياً لإسرائيل.
كانت لبريطانيا ولفرنسا، شريكتي إسرائيل في الحرب كما هو معروف، أهداف أخرى.
فقد سعتا لتضمنا سيطرتهما في قناة السويس، التي أممها ناصر في تموز 1956، بل الوصول إلى إسقاط نظامه إذا كان ممكناً.
نهاية القصة معروفة. حققت إسرائيل نصراً على الجيش المصري في شبه جزيرة سيناء، لكن بريطانيا وفرنسا ظهر أنهما سند متهالك، يفتقر إلى قوة الصمود.
فقد سارعتا لرفع علم أبيض، وأوقفتا القتال قبل أن تتحقق أهدافه، وتركتا إسرائيل وحيدة أمام مصر.
تكبد ناصر هزيمة عسكرية مهينة في شبه جزيرة سيناء، لكن في الساحة السياسية خرج منتصراً؛ لأنه نجا وتمكن من صد الهجوم الإنجليزي الفرنسي، هجوم دولتين عظميين تحكمتا في الماضي بيد عليا بالشرق الأوسط.
ومع ذلك نتذكر، وعن حق، حملة السويس انتصاراً كبيراً لإسرائيل.
بداية لأنه لا يمكن لأحد أن يجادل في الحقائق وصور النصر لقوات الجيش الإسرائيلي التي تندفع في أرجاء سيناء.
والأهم، تمكنت إسرائيل من أن تترجم نتائج المعركة العسكرية إلى إنجازات سياسية بعيدة الأثر، ومنها وقف “الإرهاب” من قطاع غزة، وتجريد سيناء من القوات المصرية، والمساعدة الفرنسية في بناء المفاعل في ديمونا.
هدأت البلاد على مدى 11 سنة، وتثبتت مكانة إسرائيل العسكرية والسياسية في المنطقة، بل تعززت.
ومن هناك إلى حرب لبنان الثانية، في صيف 2006، قبل عشرين سنة.
حرب انتهت بلا صورة نصر، والأهم من ذلك بلا حسم واضح.
ضرب الجيش الإسرائيلي “حزب الله” ومؤيديه، وحقق هدوءا هشاً ومخادعاً على طول الحدود استمر نحو عقدين، حتى تشرين الأول 2023. لكن الثمن كان تحول “حزب الله” إلى تهديد وجودي على إسرائيل بسبب ترسانة الصواريخ لديه.
لا غرو أنهم في إسرائيل وصفوا نتائج هذه الحرب بأنها “تعادل”، ترك إحساساً بخيبة الأمل وتفويت الفرصة.
وتجدر الإشارة إلى أن الإنجازات العسكرية التي تحققت بالفعل في الحرب لم تترجم إلى أي إنجاز سياسي بعيد الأثر وطويل الأمد.
ومن هنا إلى حملة “زئير الأسد”، التي هي جولة أخرى في الحرب بين إسرائيل وإيران، فقد كانت بدايتها مع الهجوم “الإرهابي”، الذي نفذته “حماس” في 7 تشرين الأول 2023، الذي تم بمساعدة وإلهام من إيران حتى لو لم تكن هذه في التفاصيل السرية للهجوم وجدوله الزمني.
استمرت المواجهة بهجمات الصواريخ الإيرانية على إسرائيل في نيسان وفي تشرين الأول 2024، وبالطبع في حملة “الأسد الصاعد” في حزيران 2025.
كما هو مرتقب، مع الإعلان عن وقف النار، سارعوا في طهران، وفي بيروت، وكذا في واشنطن، بالإعلان عن نصر، بل عن نصر عظيم سيجلب على حد قول الرئيس ترامب سلاماً عالمياً. لكن ما حصل بالفعل وما تحقق في الحرب لا يزال من الصعب تقريره، بسبب غياب صور نصر أو معطيات لم يبلغ بها الجمهور مثلاً، ومدى الضربة لقدرات إيران العسكرية وأساساً مشروعها النووي وقدراتها الباليستية. وبعامة، ينبغي أخذ مسافة من الأحداث؛ إذ إنه إذا ما سقط النظام بعد نصف سنة، والأمر ممكن، فإننا سننظر إلى المعركة بشكل مختلف عما ننظر إليها فيه اليوم.
بالذات في الساحة اللبنانية، التي كان ممكناً فيها تحقيق إنجازات، اخترنا الإبقاء على نار هادئة وعدم رفع مستوى السرعة، وفيها بالذات من شأننا أن نجد أنفسنا، بفعل إملاء أميركي لوقف النار، إلى واقع عشية 7 تشرين الأول؛ واقع انعدام حرية العمل في لبنان.
وماذا الآن؟ في حملة السويس وفي حرب “الأيام الستة” حققنا انتصارات عسكرية، لكننا لم نهزم العدو، ولم ننهِ المواجهة معه بل كسبنا الوقت، وكذا عززنا قوتنا تمهيداً للجولة التالية.
وقد فعلنا هذا، كما ينبغي الاعتراف، بعد حرب لبنان الثانية أيضاً.
انتهت جولة المواجهة الحالية بإنجازات عسكرية ستتضح على أي حال للجمهور مع حلول الوقت.
أما الآن فعلينا أن نركز على استخدام الإنجازات العسكرية لتحقيق إنجازات سياسية وبناء قوتنا استعداداً للتحديات التي تنتظرنا.

عن “إسرائيل اليوم”

سيناريوهات المستقبل في الشرق الأوسط: لعبة محصلتها الدمار (1من2)

بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين/ما بدا هجوماً مفاجئاً شنته “حماس” على إسرائيل في غزة امتدّ إلى ساحات أخرى، وتطور إلى الصراع الحالي غير المسبوق ضد إيران. ولا يزال الغموض يكتنف وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ قبل أيام، ولا يزال من غير الواضح إذا ما كان سيؤدي إلى إنهاء الصراع، أم سيشكل هدوءًا مؤقتًا يتبعه استئناف، بل ربما تصعيد.
ولغرض تحليل الاتجاهات الأساسية التي تجسدها الحملة الحالية، إلى جانب تحديات المستقبل، وللتصدي للتحديات التي تواجه إسرائيل، أجرى مركز ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا في جامعة تل أبيب “محاكاة حرب” بمشاركة نخبة من الباحثين في المنطقة والمنظومة الدولية. ومثّل المشاركون أطرافًا مختلفة، وتناولوا سيناريوهات محتملة، مثل إنهاء الحرب باتفاق أو بدونه، ومن جهة أخرى استئناف الحملة والانزلاق إلى حرب استنزاف إقليمية طويلة الأمد.
أدار اللعبة البروفيسور عاموس نادان، رئيس مركز ديان، ووزير الخارجية، الذي “لعب” دور إسرائيل، وحضرها البروفيسور مئير ليتفاك، رئيس مركز الدراسات الإيرانية في جامعة تل أبيب، والدكتورة ليورا هاندلمان-بيفور من المركز، اللذان “لعبا” دور إيران، والبروفيسور إيال زيسر من مركز ديان الذي “مثّل” “حزب الله” والحكومة اللبنانية وسورية؛ ودينيس سيترينوفيتش من المعهد الوطني للدراسات الأمنية، الذي “مثّل” “محور المقاومة” (مع التركيز على الحوثيين والميليشيات في العراق)، والدكتورة شيرا إيفرون من معهد راند، التي “مثّلت” الحكومة الأميركية، والدكتور براندون فريدمان من مركز ديان، الذي “مثّل” دول الخليج، والدكتور هاي كوهين-يانروجيك من مركز ديان الذي “مثّل” تركيا، وعضو الكنيست السابقة كسينيا سفيتلوفا، الرئيسة التنفيذية لمعهد روبس، التي “مثّلت” روسيا وأوروبا؛ وغاليا لافي، نائبة مدير مركز سياسة إسرائيل والصين في المعهد الوطني للدراسات الأمنية التي “مثّلت” الصين، بالإضافة إلى الناشط السياسي الفلسطيني، سامر سنجلاوي، والدكتور إيدو زيلكوفيتش من جامعة حيفا، اللذين “مثّلا” النظام الفلسطيني.

بين فنزويلا وأوكرانيا

قبل بدء اللعبة، قدم المشاركون رؤى حول الحرب الدائرة، التي بدأت بـ”الإطاحة” بالنظام الإيراني، وأثارت لاحقًا تفاؤلًا بشأن إسقاطه المتوقع، بل رغبةً في تغيير وجه الشرق الأوسط. لكن النشوة الأولية بدأت تتلاشى أمام علامات استفهام حادة: فنادرًا ما بات أحد ما يتحدث عن تغيير النظام. لقد ضعف حكم آيات الله، لكنه لا يزال مستقرًا نسبيًا ويشن حملة إقليمية بتمويل دولي، والأسوأ من ذلك كله أن التهديدات التي وصفها نتنياهو بأنها وجودية في عملية “الأسد الصاعد” لا تزال قائمة، وليس من الواضح كيف ومتى سيتم تحييدها. بعبارة أخرى، ما كان من المفترض أن يكون عملية خاطفة كما في فنزويلا قد يتحول إلى مستنقع، مثل الصراع في أوكرانيا.
يوضح البروفيسور ليتفاك قائلاً: “لقد تحقق تغيير السلطة في طهران بالفعل، وإن لم يكن كما كان يأمل ويخطط له ترامب ونتنياهو. فقد انتهت مسيرة علي خامنئي، ولا يزال وضع خليفته مجتبى غامضاً، لكن من الواضح أن الحرس الثوري المتطرف أصبح هو المتحكم الفعلي في زمام السلطة. لقد تكبد النظام ضربات غير مسبوقة، ولكنه يحقق أيضاً إنجازات: فقد صمد، مقدماً وقف إطلاق النار على أنه نصر، مع التركيز على قضية مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً عشية الحرب، وأصبح ورقة رابحة في يد إيران في نهايتها”. وتضيف الدكتورة هاندلمان-بيفور: “يعاني النظام من ضائقة شديدة نتيجة لتضافر عوامل الحرب الخارجية، وأزمة القيادة، وعدم الاستقرار الاقتصادي، في ظل احتجاجات شعبية واسعة النطاق قُمعت لكنها لم تختفِ”.
مع ذلك، فإنّ مزيج تجربة الاستنزاف (خاصةً في الحرب العراقية التي استمرت ثماني سنوات) والتعصب الأيديولوجي لكبار المسؤولين الحكوميين قد أتاح فرصةً لانقلابٍ عنيدٍ أطال أمد الحرب. وبهذا الشعور يدخل الإيرانيون المفاوضات، لكن من غير الواضح إذا ما كانت ستُفضي إلى اتفاق. فالفجوات بين الطرفين عميقةٌ حاليًا (لا سيما مطلب إيران مواصلة تخصيب اليورانيوم، إلى جانب الحصول على تعويضاتٍ عن أضرار الحرب، وضماناتٍ بعدم تعرضها لهجومٍ آخر)، وهناك مخاوف (مبررة) في طهران من أن تكون هذه المرة أيضًا خدعةً مُقنّعةً بخطةٍ لضرب النظام على حين غرة.
وفي لبنان، الجبهة الثانية في هذه الحرب، تتبلور معضلةٌ مُؤلمة: فليس من الواضح في الوقت الراهن إذا ما كان إنهاء الصراع في إيران سيؤدي بالضرورة إلى إنهاء القتال في الشمال أيضًا. يوضح البروفيسور زيسر قائلاً: “فاجأ (حزب الله) الجميع بشدة انخراطه في الحملة. فهو لا يسعى فقط للثأر لاغتيال خامنئي، بل يسعى أيضاً لتغيير المعادلة القائمة منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، والتي بموجبها تتحرك إسرائيل باستمرار ضده دون أن يرد. لا يكترث الحزب بالدمار والتهجير الجماعي وقتل المئات من عناصره، ولا بغضب الحكومة اللبنانية والشعب. فهو يرى نفسه يخوض حملة تاريخية تتطلب تضحيات، وهدفه هو أن تتراجع إسرائيل أولاً وتوافق على تسوية تصب في مصلحته”. ويضيف زيسر: “إن إلحاق الضرر بدولة لبنان، كما حدث مع جسور الليطاني، ضروري لإلحاق الضرر بـ(حزب الله) نفسه، الذي يعتمد عليها، ولكن يجدر التخلي عن وهم أن هذا سيدفع الحكومة إلى التحرك ضد الحزب. فقد ثبت، هذه المرة، أيضاً أن دولة لبنان غير موجودة على أرض الواقع”.
يوضح سيترينوفيتش قائلاً: “يُنظر إلى الصراع الحالي على أنه وجودي في نظر النظام في طهران وفي نظر محور المقاومة بأكمله. يحاول أعضاء المحور، من بين أمور أخرى، التغطية على إخفاقاتهم منذ السابع من تشرين الأول: إظهار التنسيق (بشكل رئيسي بين إيران و”حزب الله”)، والفعالية (ولو كانت محدودة)، وخاصة البقاء ومنع تحقيق نصر حاسم للعدو، وهي مبادئ أساسية في عقيدة المقاومة. لم يمت المحور ولا الفكرة رغم الضربات القاسية، وهناك أمل بين أعضاء المعسكر بأن يُمثل الصراع الحالي نقطة تحول”.
أما اللاعب الأكثر تأثيراً، وإن كان غير متوقع، فهو ترامب بلا شك. يوضح الدكتور إيفرون: “لم يشهد التاريخ الأميركي رئيساً مثل ترامب، يتجاوز نزواته، فيُضعف الكوادر المهنية التي تتمثل مهمتها في صياغة عقائد منظمة”. فرغم التهديدات الخطيرة بتدمير الحضارة الإيرانية وفتح أبواب الجحيم، فقد لجأ في النهاية إلى المفاوضات. في الخلفية، برزت مخاوف متزايدة من تراكم الأضرار، لا سيما ارتفاع أسعار النفط وتراجع التأييد الشعبي. يُضاف إلى ذلك تحفظات نائبه، فانس، الذي يتطلع بالفعل إلى خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، وروبيو، وزير الخارجية، الذي يطمح إلى أن يكون نائبه، إلى جانب الخوف من الإضرار بانتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني المقبل، والتي قد يخسر الجمهوريون على إثرها مجلس النواب، وربما مجلس الشيوخ أيضًا.
الصدمة والقلق والإحباط هي المشاعر السائدة في دول الخليج. يوضح الدكتور فريدمان: “لقد انهار المفهوم الذي رسخوه لسنوات، والذي كانت تقوم على أساسه حماية أنفسهم من إيران من خلال الانفراج الدولي”. توجد اختلافات بين الدول: فقد كانت السعودية والإمارات تأملان في تغيير النظام الإيراني، بينما تسعى قطر لإنهاء الحرب نهائياً (ويُعدّ انهيار هذا المفهوم أكثر حدةً بالنسبة لها نظراً لاعتقادها بقدرتها على احتواء العناصر المتطرفة والتفاوض معها، لتجد نفسها فجأةً في خندق واحد مع خصومها التقليديين، وعلى رأسهم السعودية)، أما عُمان فتسعى للحفاظ على حيادها. ويبدو على جميع هذه الدول شعورٌ بالارتياح إزاء وقف إطلاق النار، إلى جانب قلقٍ من بقاء النظام في طهران، واحتمالية ازدياد تطرفه ورغبته في الانتقام.
“لا ترغب أنقرة في تغيير النظام في طهران، الذي ترى أنه سيستمر حتى بعد انسحاب الأميركيين (المحرَّضين) من إسرائيل، التي يعتبرها أردوغان العدو الرئيس الساعي إلى بسط هيمنته الإقليمية. لتركيا مصلحة في الحفاظ على نظام إيراني ضعيف، لكنه قادر على تحدي إسرائيل. كما يخشى الأتراك من تنامي قوة الأكراد بعد التقارير التي تفيد بمحاولة الأميركيين وإسرائيل استخدامهم للإطاحة بالنظام في إيران، في الوقت الذي يبدو فيه أنهم تحت السيطرة في تركيا وسورية، فضلاً عن تدفق اللاجئين الذين سيغمرون البلاد، كما حدث عقب الحرب الأهلية في سورية.
وتظهر معضلات حادة أيضاً بين القوى العالمية. توضح سفيتلوفا قائلة: “تهدف روسيا إلى بقاء النظام الإسلامي، الذي يساعدها في الحرب في أوكرانيا (بشكل رئيس من خلال تزويدها بالطائرات المسيّرة)، مع تحييده عن التهديد النووي”. وتشرح قائلة: “لم تُفاجأ روسيا بالحملة، أو بالشراكة الوثيقة بين واشنطن وإسرائيل. موسكو مستعدة لتقديم المساعدة الاستخباراتية للإيرانيين، لكنها ليست في عجلة من أمرها لتقديم أي مساعدة إضافية، ناهيك عن التدخل عسكريًا في النزاع”.
يبرز خلاف حاد بين ترامب وحلفائه الأوروبيين. فقد تحوّل الاستياء والريبة، اللذان نشآ عشية الحرب، في ضوء موقف ترامب من قضايا غرينلاند والتعريفات الجمركية وأوكرانيا، إلى خلاف حقيقي في ظل معارضة معظم الدول الأوروبية للحرب، ورفضها السماح للطائرات الأميركية، التي تحمل معدات عسكرية لإسرائيل، بالمرور عبر أراضيها. صرّح رئيس الوزراء الإسباني قائلاً: “بعد 23 عامًا من جرّ واشنطن لنا إلى حرب العراق، دون العثور على أسلحة دمار شامل، لن نُجرّ مرة أخرى”، وأكد رئيس الوزراء البريطاني أن “هذه ليست حربنا”، ما دفع ترامب إلى وصف “(الناتو) بأنه نمر من ورق”. ولن تختفي التداعيات الصعبة، حتى بعد انتهاء الصراع في إيران.
توضح غاليا لافي قائلةً: “على الرغم من كونها ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، إلا أن الصين تكاد تكون غائبة عن هذا الحدث. فهي قلقة بشأن التهديد الذي يواجه سوق الطاقة (مع أنها غير متأثرة به حاليًا، نظرًا لأن النفط الإيراني لا يمثل سوى 7% من إجمالي وارداتها النفطية، فضلًا عن التطور الواسع النطاق للطاقات البديلة)، بالإضافة إلى التوتر القائم بين شركائها التجاريين الرئيسيين – إيران من جهة، والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى. ولذلك، تسعى الصين جاهدةً لحل هذه المعضلة في أسرع وقت ممكن”. لا مجال للحديث عن تدخل عسكري في الصراع من وجهة النظر الصينية، التي تتساءل حاليًا بشكل رئيس عما إذا كانت زيارة ترامب، المقرر إجراؤها في الرابع عشر من الشهر، ستتم بالفعل.
ويوضح سنجلاوي والدكتور زيلكوفيتش أن الفلسطينيين قد تم تهميشهم في الحرب الحالية، لكن لا يمكن تجاهلهم، وسيعودون إلى أن يشغلوا إسرائيل بعد انتهاء الصراع. ويأمل الفلسطينيون بوضوح أن ينتهي الصراع كما انتهت حرب الخليج الأولى، العام 1991، أي بإرساء “السلام الأميركي” في الشرق الأوسط، والذي في إطاره تكون إسرائيل مدينة لواشنطن، وملزمة بقبول إملاءاتها. ويتمثل الأمل الرئيس للفلسطينيين في تعزيز الترتيب القائم على حكومة تكنوقراطية وقوة متعددة الجنسيات في غزة، دون نزع سلاح “حماس”، على غرار نموذج “حزب الله” في لبنان.
ويبدي سنجلاوي تفاؤلاً في هذا الصدد، موضحًا أن “حماس، التي تبلغ ديونها ستة مليارات دولار ولم تدفع رواتب جنودها، تواجه تحديات كبيرة”. بعد خمسة أشهر من وجود 45 ألف مسؤول في غزة، قررت التخلي عن السلطة، وتدرس أيضاً تسليم معظم أسلحتها (الأمر الذي نفته المنظمة علناً، هذا الأسبوع).

الوحل الإيراني

لا تقل نهاية الحرب تعقيداً عن استمرارها. في السيناريو المتفائل، سينتزع ترامب اتفاقاً من الإيرانيين يتضمن التخلي عن البرنامج النووي وفرض قيود على الصواريخ. ترسانة أسلحة مقابل إنهاء القتال ورفع العقوبات (وهي عناصر موجودة في مبادرة الوساطة التي تروج لها باكستان). في السيناريو الأكثر خطورة، تنفجر المفاوضات، لكن ترامب لا يعود إلى القتال، بل يقرر إنهاءها دون اتفاقات، ودون تحييد التهديدات النووية والصاروخية.
يوضح الدكتور إيفرون: “السيناريو الأخطر بالنسبة لإسرائيل هو أن يعلن ترامب النصر من جانب واحد خوفًا من الدخول في مستنقعات وظهوره بمظهر الخاسر”. ويمكن تلمس بوادر ذلك في تصريحاته، الأسبوع الماضي، والتي قال فيها: “لقد تغير النظام في طهران”، و”من المحتمل أن يكون كبار مسؤولي الإدارة الحالية، بقيادة قليباف، رئيس البرلمان، معتدلين”، و”سيتم حل أزمة هرمز”، و”لا داعي للقلق بشأن الملف النووي، إذ يمكن مراقبة ما يحدث على الأرض باستخدام الأقمار الصناعية”.
“هناك قلق متزايد في دول الخليج من أن ترامب قد خلق فعليًا بؤرة توتر إقليمية، وقد يتخلى عنها، تاركًا إياها تواجه مصيرها في أماكن أخرى”. يزعم إيفرون: “إنها كلماتٌ تُشير إلى نظامٍ أكثر تطرفًا من سابقه، سيسعى للانتقام من كل من يعتبره متعاونًا مع أعدائه”.
يُعدّ إنهاء الحرب دون اتفاق أو قيود إنجازًا للنظام في طهران، الذي واجه أكبر تهديداته التاريخية دون حلّ. ويقول ليتفاك: “ستكون القضية النووية محور هذا السيناريو. ستكون هناك عناصر في طهران ستستنتج أن الأسلحة النووية هي سبيل ضمان البقاء (باستخدام 430 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والذي يُزعم أنه مدفون في الأرض – م.م.). طالما كان خامنئي على قيد الحياة كان هناك نقاش داخلي حول هذا الموضوع، وكانت فتواه التي تحظر حيازة الأسلحة النووية سارية المفعول. وبوفاته، أُلغيت الفتوى تلقائيًا”. إن هيمنة الحرس الثوري تعزز احتمالية التوجه نحو امتلاك الأسلحة النووية، ما لم يتم وضع آلية تضمن تفكيك البرنامج النووي. ويضيف سيترينوفيتش: إن “خطر الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية يتزايد بالفعل، اليوم، ومن المحتمل أن يتحقق ذلك بعد الحرب”.

عن “يديعوت”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان بجامعة تل أبيب.

بن غفير يقتحم المسجد الأقصى مجدّداً: اليوم، تشعر وكأنك سيّد هذا المكان

 

القدس – “الأيام”: جدّد إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف، أمس، اقتحامه للمسجد الأقصى للمرة الثانية في غضون أسبوع.
واقتحم بن غفير المسجد من خلال باب المغاربة بمرافقة مستوطنين وحراسة من قبل شرطة الاحتلال دون إعلان مسبق عن الاقتحام.
وظهر بن غفير في مقطع فيديو واقفاً بجانب الحاخام إليشا وولفسون، من مدرسة “جبل الهيكل” الدينية، ومن خلفهما قبة الصخرة، مدعياً أن “الأجواء اليوم تختلف اختلافاً كبيراً” عما يتذكره عندما كان يقتحم المسجد الأقصى وهو شاب.
ووصف زياراته السابقة بأنها “كانت متوترة ولكن الوضع اختلف الآن”، وفق تعبيراته.
وقال: “كما تعلم يا حاخام، أتذكر عندما جئت إلى هنا في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمري، يا له من تغيير جذري، حينها، لم يتوقفوا عن الهتاف (الله أكبر). ومحاصرتنا، وكان أي يهودي ينطق بكلمة واحدة يُعتقل”.
وأضاف: “اليوم، تشعر وكأنك سيّد هذا المكان”.
وتابع: “هناك المزيد مما يجب فعله، والمزيد مما ينبغي تحسينه. أواصل الضغط على رئيس الوزراء (بنيامين نتنياهو) لفعل المزيد، علينا أن نواصل التقدم خطوة بعد أخرى”.
من جهته، قال الحاخام وولفسون: إن بن غفير يقود “تغييراً تاريخياً”، مضيفاً: “هذا ليس تغييراً لمن يصعدون إلى جبل الهيكل (المسجد الأقصى) فحسب، بل هو تغيير للشعب اليهودي بأكمله الذي انتظر ألفَي عام” وفق تعبيراته.
وجاء الاقتحام قبل انعقاد المحكمة العليا الإسرائيلية، الأربعاء المقبل، للنظر في التماسات تدعو لإقالة بن غفير من منصبه وزيراً للأمن القومي بسبب محاولاته فرض سياساته على الشرطة الإسرائيلية.
وقدم نتنياهو، أمس، رده الرسمي إلى المحكمة العليا في إطار الالتماسات المقدمة التي تطالب بإقالة بن غفير من منصبه.
وقال نتنياهو في رده: “يجب رفض الالتماسات من الأساس، وذلك بالأساس لعدم وجود أي مبرر قانوني لتدخل استثنائي ومتطرف في عمل دستوري من أعلى المستويات، وهو تشكيل الحكومة! لا توجد للمحكمة أي إمكانية دستورية لإقالة وزير في الحكومة بسبب مضمون دوره أو الطريقة التي يعمل بها في وزارته أو بسبب قراراته الإدارية – هذا الموقف الذي تتبناه المستشارة القانونية للحكومة غير مقبول لدى رئيس الحكومة إطلاقاً، وهو غير ممكن وفقاً لفهمنا للنظام الدستوري في إسرائيل”.
وأضاف: “هذه الالتماسات تشكل محاولة غير دستورية لإقالة وزير في إسرائيل. الوزير بن غفير صودق عليه من قبل 65 عضو كنيست وكذلك بالإجماع في الحكومة – ولا توجد للمحكمة العليا أي صلاحية. مبدأ ‘المعقولية’ لا ينطبق في قضية بن غفير – حتى القاضي عميت أقر بأن تعيين الوزراء خارج هذا النطاق. تصريحات الوزير ليست سبباً لإقالته – ففي الديمقراطية يتم احترام إرادة مئات آلاف الناخبين”.
وتابع نتنياهو: “الوزير بن غفير لم يتصرف بشكل مختلف عن وزراء سابقين، ومن حقه رسم سياسة الشرطة أو تقديم الدعم للمقاتلين ولأفراد الشرطة. المستشارة القانونية تقوم عن قصد بإغراق المحكمة بأنصاف معلومات ومعطيات غير ذات صلة. إذا كانت هناك ادعاءات ضد بعض التعيينات التي قام بها الوزير (إذ عيّن مئات الأشخاص وهناك ادعاءات بشأن ثلاثة فقط)، فيجب فحص كل ادعاء على حدة، لكن ذلك بالتأكيد لا يبرر”.
وكانت المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية، غالي بهراف ميارا، قد كتبت في وقت سابق من العام أن إيتمار بن غفير “يسيء استخدام منصبه للتأثير بشكل غير سليم على عمل الشرطة الإسرائيلية في قضايا حساسة تتعلق بإنفاذ القانون والتحقيقات”، معتبرة أن ذلك يضر بالمبادئ الديمقراطية الأساسية”.
ويأتي هذا التطور في ظل استمرار الجدل السياسي والقانوني في إسرائيل حول حدود صلاحيات الحكومة وتدخل القضاء في قرارات التعيين والإقالة داخل الجهاز التنفيذي للشرطة.