
شكل مؤتمر مدريد في النصف الاخير من عام 1991، فرصة لاعلان عن انطلاق الجهود الدبلوماسية الرسمية لعملية السلام واختيار نهج المفاوضات السياسية بين الجانبين على اساس قرارات الشرعية الدولية 242 و338 وحل قضية اللاجئين حسب قرار 194، وذلك بناء على برنامج السلام الفلسطيني وتبع ذلك توقيع اتفاق اعلان مبادئ لاتفاق اوسلو الذي انشأ بناء على المفاوضات السياسية للوصول الى تأسيس دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل تعيشان بأمن وسلام، لكن منذ انتهاء المرحلة الانتقالية التي كانت يفترض ان تنتهي باقامة الدولة الفلسطينية، بدأت المناورات الاسرائيلية للتملص من الاستحقاقات السياسية، فلم توقف الاستيطان، ولم يتوقف قتل المواطنين وسياسة الاعتقالات والاقتحامات بل عمدت الى دفع الفلسطينيين الى ساحة المواجهة العسكرية والصاق الارهاب بهم وترويجه للعالم اجمع، في وقت ان “اسرائيل ” هي المسؤولة اولا عن اغتيال اول قائد سياسي اسرائيلي هو شمعون بيريز، وهي مسؤولة عن قتل عشرات القادة السياسيين في الجانب الفلسطيني، فهي من قتلت اسماعيل ابو شنب المهندس الفعلي لتأسيس حركة المقاومة الاسلامية حماس، وهي من قتلت الشهيد ابو علي مصطفى امين عام الجبهة الشعبية وهو مسؤولة عن اغتيال الشهيد احمد ياسين ، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وهي المسؤولة والمتهمة باغتيال الشهيد ياسر عرفات، وهي تتحمل مسؤولية قتل عشرات القادة الميدانيين من الفلسطينيين في الضفة وغزة.
سياسة اسرائيل تجاه السلام واطرافه المشاركين وتعمد استخدامها الاستيطان وتكثيفه في الضفة الغربية وفي محيط القدس، وتلاعبها بالاتفاقيات والمتفقين عليها، هي التي اوصلت عملية السلام الى غرفة الانعاش وادخالها الغيبوبة ، ليعود رئيس الوزراء الحالي ليشترط على الفلسطينيين القبول والاعتراف “بيهودية” دولة اسرائيل كاحد وسائل التلاعب والتحايل في اطار منهج اسحاق شامير الذي قال بعد ابرام اتفاقية اوسلو والاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، :” سنفاوض الفلسطينيين 10 سنوات ولن نعطيهم شيئا”، وهذا الامر يؤشر الى حقيقة ماثلة بان اسرائيل وقادتها يتلاعبون بمصير الفلسطينيين والاسرائيليين على حد السواء، في سبيل تجسيد امجاد وهمية تستمد العظمة من التاريخ السالف والزائف.
الفلسطينييون قدموا في سبيل انجاح عملية السلام كل ما لديهم بل كل ما يفوق طاقتهم حينما قبلوا بالتسوية السياسية غير العادلة اصلا عندما وافقت قيادتهم على اقامة دولة فلسطينية فوق الاراضي المحتلة عام 1967 بعاصمتها القدس الشرقية، وقدموا الكثير الكثير من اجل تحقيق حلمهم في اقامة دولتهم المستقلة فوق ترابهم الوطني ونيل حريتهم وحقهم في تقرير المصير وضمان عودة اللاجئين الى وطنهم، لكن كل ما فعلوه وضعته اسرائيل في مهب الريح وجعلت دماء الفلسطينيين والاسرائيليين عرضة للهدر دون اية مسؤولية انسانية او اخلاقية او سياسية، فاسرائيل الحالية تميل للتطرف الديني والتعصب والتحجر والتلبد وتواصل التلاعب باتجاه قتل كل امكانية اقامة الدولة الفلسطينية وتحاول الصاق قتل السلام بالفلسطينيين رغم انهم ضحايا الاحتلال وضحايا التآمر السياسي الاقليمي والدولي، وتضع العراقيل والعقبات امام اية محاولات او مشاريع جادة لانجاز تسوية تاريخية وانهاء الصراع، معتقدة بان توسيع المستوطنات وتكثيفه في القدس المحتلة والاستفادة من الازمة الفلسطينية الداخلية باستمرار الانقسام ، والوضع القائم في البلدان العربية المحيطة، والتعامل معه على انه يشكل ضمانة حقيقية لها وتتجاهل بذلك ان مفتاح الحل في المنطقة كلها موجود في جيب اصغر شبل فلسطيني لازال يعيش في المخيمات، وانه لن يكون بمقدور كل حلفاء اسرائيل فرض الحلول على هذا الشعب الذي قد ينحني في مرحلة لكنه لن يسقط ولن يذوب وسيبقى قادرا على الدفاع عن حقوقه المشروعة ووجوده.
من الواضح ان قواعد اللعبة تتبدل لكن الثوابت لن تتغير ولا يمكن المراهنة على عامل الوقت في التعامل مع حقوق الشعب الفلسطيني، وهذا الامر يستدعي من القيادة الفلسطينية اعادة تقييم الاوضاع مجددا نحو اعداد خطة وطنية تحظى بالاجماع الوطني والشعبي والمؤسساتي لتكون قادرة على تلافي الاخطاء السابقة من جانب، وفرض شروط جديدة لانجاز التسوية السياسية، فالارض مقابل السلام بات معكوسا حينما تصادر اسرائيل الارض وتجعل الفلسطينيين يتحدثون عن السلام، واسرائيل التي تدب الرعب في نفوس الغرب وقادتهم من خطر نشوء دولة دينية متطرفة في الضفة الغربية، هي ذاتها التي تطالب وتشترط على الفلسطينيين الاعتراف بيهودية دولة الاحتلال ما يؤشر الى استمرار التلاعب الاسرائيلي وسط انكشاف حقيقة هذا الكيان وقادته.
ان مواجهة هذا الواقع تكمن بالاساس الى اعادة الامور الى وضعها الحقيقي دون تجميل او تبجيل، فاسرائيل هي كيان اقيم على ارض فلسطين بقوة الاحتلال والسلاح، وبالتالي عليها اولا الاعتراف بمسؤوليتها التاريخية عن المعاناة والالم والاضطهاد الذي لحق بالشعب الفلسطيني جراء اقامة دولة اسرائيل واحلال مواطني دول غربية وشرقية مكان شعب فلسطين بعد سلبه ارضه وموارده وتحويل جزء منه الى لاجئين يعيشون في المخيمات، كما عليها انهاء احتلالها للاراضي المحتلة بما فيها القدس، وموافقتها على تعويض الشعب الفلسطيني جراء ما لحق به من ضرر واذى عن 69 عاما من الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين وشعبها وممتلكاته، وضمان محاكمة قادة الاحتلال المسؤولين عن المجازر وجرائم الحرب التي ارتكبت بحق المدنيين الفلسطنيين،والاعتراف العلني والرسمي بحق الشعب الفلسطيني باقامة دولة المستقلة وحقه في تقرير المصير وبعد ذلك فلتبدأ المفاوضات السياسية لترسيم معالم مستقبل العيش المشترك بين دولتين مستقلتين وليتنافس المتنافسون لبناء دولتهم بالطريقة التي يرونها مناسبة.
اسوار برس




