الأربعاء, أبريل 22, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياثقافة وادبجيل الذبيحة.. جيل الخيبة ..بقلم :عادل الأسطة

جيل الذبيحة.. جيل الخيبة ..بقلم :عادل الأسطة

في العالم 1997 بدأت أكتب سلسلة مقالات تتبعت فيها نتاج الأدباء الفلسطينيين الذي صدر بعد توقيع اتفاقية السلام (أوسلو) (1993)، ولم أكتف بقراءة النتاج الأدبي الجديد، فقد أخذت أقرأ معه ما أنتجه هؤلاء الأدباء، من قبل، وتحديداً منذ اندلاع المقاومة الفلسطينية إثر هزيمة حزيران 1967. وقد توقفت أمام أسماء توفرت لي أعمالهم اللاحقة والسابقة: محمود درويش وأحمد دحبور وسميح القاسم وعلي الخليلي ومريد البرغوثي واميل حبيبي وسحر خليفة ويحيى يخلف. ولاحظت أن سمة التفاؤل التي غلبت على نتاج أكثر هؤلاء في 70 و80 ق20 أخذت تتراجع وتغيب لتحل محلها سمة التشاؤم. وكان الطريف في الموضوع أن أكثر هؤلاء ساروا في ركاب الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي وقع الاتفاقية، ساروا بضاعة بقناعة تامة أو بغير رضا. بارك اميل حبيبي السلام ولم يعلن سميح القاسم موقفاً رافضاً ومثلهما علي الخليلي، وعاد محمود درويش وأحمد دحبور ويحيى يخلف إلى رام الله وغزة، وزار مريد البرغوثي رام الله غير مرة على الرغم من معارضته اتفاقات أوسلو، وأما سحر خليفة فغادرت فلسطين لتقيم في عمّان.
أصدر أحمد دحبور في 1997 ديوانه “هنا.. هناك” وكتب فيه قصائد عديدة عبّر فيها عن مشاعره إزاء عودته، وقد لفتت القصائد نظري فكتبت عنها في سلسلة المقالات مقالاً عنوانه “أحمد دحبور: وصلت حيفا ولم أعد إليها” وتوقفت أمام حسرته التي ظهرت في قصيدته “مسافر مقيم”، كما توقفت أمام فجيعته عندما زار الناصرة. وظل أحمد يعبّر عن شعوره العميق بالخيبة مما صار إليه الوضع الفلسطيني، فكلما كتب مقالاً في “الحياة الجديدة”، وأتى فيه على العودة كتب عبارته الشهيرة التي غدت ملاصقة له: “العودة إلى الجزء المتاح لنا من الوطن”. وهي عبارة أقل قسوة وإحباطاً وشعوراً بالخيبة من نهاية قصيدته “مسافر مقيم”.
بعد إصداره ديوانه “هنا.. هناك” أصدر الشاعر مجموعتين هما “جيل الذبيحة” (1999) و”كشيء لا لزوم له” (2004)، ولقد أصدرهما في عمّان وبيروت عن المؤسسة العربية/ دار الفارس، ولم توزع نسخهما في فلسطين، ولم أتمكن من الحصول عليهما إلاّ في تشرين الثاني من العام 2016، وأخذت أقرأ فيهما، والحقيقة أن قصائدهما لم تسحرني كما سحرتني قصائد الشاعر الأولى التي كتبها ما بين 1970 و1980 تحديداً.
لم يقتصر الأمر عليّ على ما يبدو، فلم أقرأ لهما مراجعات نقدية لافتة، لا في صحفنا المحلية ولا في وسائل الإعلام العربية. أيعود السبب إلى عدم توزيع المجموعتين أم أنه يعود إلى اختلاف قصائدهما عن قصائد أحمد الأولى؟ أم يعود السبب إلى أن بعض قرّاء أحمد دحبور أخذوا يرون فيه ناقداً، من خلال زاويته الأسبوعية الشهيرة “عيد الأربعاء”، و”دمعة الأربعاء” في جريدة “الحياة الجديدة”.
مرة قال لي شاعر فلسطيني إن متابعات أحمد دحبور النقدية الحثيثة لأعمال شعرية وروائية وقصصية ومسرحية ودراسات تركت أثراً سلبياً على شعره. ومؤخراً نشر الشاعر زكريا محمد، في مجلة “الهلال” المصرية، عدد أيار 2017، مقالاً عنوانه “ولد الدهشة أحمد دحبور” أتى فيه على بدايات أحمد الشعرية التي قاربت بدايات محمود درويش، ووقف فيها دحبور قامة شعرية توازي قامة درويش الشعرية، لكن الأمر لم يستمر كذلك. وتساءل زكريا عن السبب. يكتب زكريا خلاصة رأيه: “ثم ماذا؟ هل أردت أن أقول إنه يمكن اختصار أحمد دحبور ببدايته؟ بـ (جمل المحامل) و(حكاية الولد الفلسطيني)؟ ليس بالضبط. ليس بالضبط. لكن ليس بالعكس أيضاً. فكرة الصعود بكثافتها لم تكن هناك. فكرة الجلوس على حرف السكين لم تكن هناك”. وما يفهم من كلام زكريا أن درويش تطور شعرياً باستمرار، فيم لم يحدث هذا مع أحمد.
في “جيل الذبيحة” الذي أنجزت قصائده في مرحلة السلام، حيث أقام الشاعر في غزة وزار الضفة مراراً كان أحمد دحبور يشعر بالخيبة، ويعد هذا الديوان استمراراً لديوانه “هنا.. هناك”. والطريف أن الشاعر وهو في القاهرة في كانون الأول 1997 يكتب قصيدة عنوانها خيبة قال فيها إنه لا يملك نعمة السلام، وأن العطب ارتدى قوامه، والطريف أكثر أن أكثر قصائد هذا الديوان تنتهي بأسطر شعرية كلها خيبة.
تنتهي قصيدة “ولا قمر” بقول الشاعر “واضحكي فليس لنا أرضنا ولا القمر” وتنتهي قصيدة “ما يشبه الأمس” بقوله: “هل إنه من نرى الآن؟/ أم هو عينة منه؟/ أم فكرة عنه،/ فيما يظل صدى غربة وهو في أوج أعياده؟”.
وأما قصيدة “ثلاثية ماذا إذن” فتنتهي بقوله: “أتظن أمراً هيناً،/ أنا معا، كنا معاً، في الريح تجمعنا المنافي،/ ثم فرقنا الوطن/ ماذا إذن/ ماذا إذن”.
وأما قصيدة “الأجنبي”، وهي قصيدة عن مكتبه في غزة فتبدأ بالأسطر: “لماذا كلما وجهت وجهي صوب عنوان،/ أراني في مكان غير ما دلّت عليه أحرف العنوان؟/ لماذا تنقص الأيام فيما تكثر الجدران؟/ لماذا الآن؟” وتنتهي القصيدة بالبداية نفسها تقريباً: “لماذا كلما وجهت وجهي صوب عنوان/ أراني في مكان غير ما دلّت عليه جملة العنوان؟”.
أطرف ما في سيرة الشاعر أحمد دحبور أنه هو الذي عاد إلى غزة وأقام فيها سنوات اضطر إلى تركها والعودة إلى مخيمه في حمص، قبل أن يعود إلى رام الله أيضاً مضطراً.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب