
لن تغيب ذكراك أيها الحكيم ، فأنت حيٌّ بيننا بفكرك ومواقفك ، بطيبتك وإنسانيتك ، بقامتك الشامخة ، بسياستك الحكيمة ، بنضالك الأصيل ، بتجربتك الفذّة ، بجبهة النضال التي أسستّها لتشق طريقها هبّةً للشعب من بعد الظلام .
لا يمكن لكل الكلمات والقواميس أن تطاول علياءك يا قائدي وأستاذي وحبيبي ، علمتنا أن نكون وأن نعمل وأن نتعلم وأن نناضل وأن نستمر في نضالنا ، وأكدت لنا دائماً كيف نبقى وكيف نحمي الحقوق ونصون العهد والطريق.
أيها الرفيق القائد ، أيها الأمين الأمين يا من غرست فينا بذور الأمل وبراعم الحرية رغم حقول القهر والأشواك ، ورغم وعورة الطريق نحو تحقيق الأهداف الرفيعة التي ناضلت من أجلها ، يا دكتور سمير غوشة ، يا ” فارس القدس ” المسكون برائحة الوفاء للمسيرة ولمن خضبوا طريقها بالدم الطاهر وكنت وفياً ومخلصاً حتى آخر لحظة من حياتك لهذا الإرث العظيم الذي سطره الشهداء والأسرى والمناضلون في كل المواقع وعلى كل الثغور .
إن خسارتنا كبيرة برحيلك يا نبراس النضال ، وعزائنا بمن يحمل الراية من بعدك من أبناءك وتلامذتك الذين تخرجوا من هذه المدرسة العظيمة التي لم تنجب سوى المناضلين والأوفياء ممن تربوا على هدي الوحدة والوفاق وساروا بكل أمانة وتفانٍ نحو تحقيق أهداف وتطلعات شعبهم في الحرية والاستقلال والعودة ، وقاوموا واستبسلوا وكافحوا من اجل فلسطين الأرض والإنسان والهوية والمصير ، وقد كنت لهم مرشداً وقائداً وموجهاً ، متقدماً الصفوف في خنادق النضال ، ينهلون من فكرك ، من عيون نشيدك وأريج نبوءتك وحسك المرهف ، بتحليلك الثاقب ورؤيتك الشمولية الواعية والسديدة.
سمير غوشة قائداً فريداً أنجبتك فلسطين فكنت حارسها الأمين ، ولقدسك المقدسة كنت الفارس النبيل المدافع عن فلسطينيتها وعروبتها حتى الرمق الأخير .
خمسون عاما ولم تستريح ، لم تغمد سيفك ، مناضلاً عنيداً تشهد لك كل الساحات ، عرفك المقاتلون في أحراش جرش وفي الجنوب وفي البقاع ، في غزة الحبية ، داخل الوطن المحتل ، على التخوم ، على حدود فلسطين ، بشجاعتك وشهامتك ودورك الريادي وأنت تجوب القواعد طولاً وعرضاً ، متنقلاً بين الرفاق تعبأهم بوحي المقاومة وأناشيد الثورة والأمل بانقشاع ظلام الليل .
تعرفك الفصائل والسجون والمنافي وأزقة المخيمات ، يعرفك الشهداء وقد نسجت لهم قسم الديمومة حتى يندحر الاحتلال ، وكان لسان حالك دائماً ، أن هذا الاحتلال إلى زوال .
يعرفك الأيتام والفقراء والأطفال الذين أحببتهم وأحبوك وكنت لهم عنواناً دائماً في كل مراحل النضال ، يعرفك المثقفون الثوريون والأدباء والمبدعون ، وتعرفك الأرض وحديقة بيتك الحزينة على فراقك ووداعك أيها الحبيب.
سيشتاق إليك الوطن دائماً وأنت ابنه الوفيّ المخلص ، طاهر القلب ، نظيف اليد واللسان ، خفيف الظلّ .
ظلال فجيعتنا برحيك يملأ الأرجاء بعد أن أسدلت الستار ورحلت من بيننا ونحن أحوج ما نكون إلى أنفاسك وصوتك وابتسامتك وصرختك بيننا ، عودتنا أن لا نتفارق مهما فرقت بيننا الأيام ومشاق الطريق ، وعودتنا أن نتواصل بشتى الوسائل وأن لا ينقطع الحبل أبداً ، فكيف تتركنا وحيدين وترحل ؟
كيف تتركنا وحيدين وأنت الوالد والقائد والرمز والمعلم والمؤسس ، الحريص على أبناءك ورفاقك وعلى هذا الإرث وهذه الجبهة التي بنيتها رغم كل الصعوبات وعلى القضية التي نذرت نفسك لها يا أعز الرجال.
نم قرير العين يا سيّدي ورفيقي وملّهمي فإننا سنواصل الطريق ، طريقك يا صقر منظمة التحرير الفلسطينية ، فقسماً قسماً بالدماء التي سارت في عروقك ، بالنضال الذي ربيتنا عليه ، قسماً بمبادئك وأخلاقك وسجاياك ، قسماً بقامتك البهيّة وابتسامتك الوثابة ، قسماً بالأيام التي جمعتنا معك ، أن نظل الأوفياء للوطن والشعب والقضية ، وأن نضع القدس في قلوبنا وأن نعطيها من دمنا وأن نكمل ما بدأت به مع رفاقك في النضال .
مرت ثمانية أعوامٍ على رحيلك القاتل ، وما زال الحلم منحازاً لذاك النشيد ، صوتك باقٍ وحلمك يحرسه الثائرون على خطاك ، فلقد بنيت يا رفيقي مدرسةً ، حزباً ثورياً ، بل قلعةً عنيدة لمناضلين تعرفهم حواري المدن وأزقة المخيمات وتعرفهم ميادين النضال ، فكن على ثقة بنا ، سنكمل المشوار أيها المبجل بالحّب والشمس التي لا تغيب .
• كاتب فلسطيني



