الأربعاء, أبريل 29, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءمن مصر إلى البرازيل وتركيا: بلا سياسة ستبقى الاحتجاجات تحت رحمة النخب...

من مصر إلى البرازيل وتركيا: بلا سياسة ستبقى الاحتجاجات تحت رحمة النخب … بقلم :سيوماس ميلن

204238


بعد عامين من تسبب الانتفاضات العربية بإطلاق موجة من الاحتجاجات والانشغالات في جميع أنحاء العالم، عادت التظاهرات الحاشدة إلى بوتقتها الأولى في مصر. وتماماً مثلما تحدى الملايين القمع الوحشي في العام 2011 للإطاحة بالدكتاتور المدعوم من الغرب حسني مبارك، خرجت الملايين مؤخراً إلى شوارع المدن المصرية للمطالبة بالإطاحة بأول رئيس منتخب بحرية في البلاد محمد مرسي.
كما كان واقع الحال في العام 2011، تتشكل المعارضة المصرية من تحالف من اليمين واليسار، والذي تهيمن عليه الطبقة الوسطى. لكن الإسلاميين أصبحوا يقفون على الجانب الآخر هذه المرة، بينما ينخرط مؤيدو نظام مبارك في الخضم من كل ذلك. قوات الشرطة، التي قامت بضرب وقتل المتظاهرين قبل عامين، وقفت على الحياد في الأسبوع الماضي عندما كان متظاهرون يضرمون النار في مكاتب جماعة مرسي، الإخوان المسلمين. والجيش التي ساند الديكتاتورية حتى آخر لحظة قبل تشكيل المجلس العسكري في العام 2011، ألقى بثقله وراء المعارضة.
منذ بداية الفصل الأخير، وسواء ينوي تحويل إنذاره الذي وجهه للرئيس إلى انقلاب كامل أو إجراء تغيير مدبّر للحكومة، فإن الجيش المصري -الممول ببذخ والمدرب من حكومة الولايات المتحدة، والذي يسيطر على مصالح تجارية واسعة النطاق – قد عاد إلى سرج الحصان مرة أخرى. وتبين أن العديد من الثوار الذين يصفون أنفسهم كذلك، والذين كانوا قد استنكروا على مرسي خنوعه للجيش، أصبحوا الآن يهتفون لهذا الجيش نفسه. وحسب الخبرة السابقة، فإنهم سوف يندمون على ذلك.
بطبيعة الحال، لا يعاني المحتجون المصريون من نقص في أسباب التظلم من حكومة مرسي بعد عام من الحكم: بدءاً من سوء حالة الاقتصاد، إلى الأسلمة الدستورية والاستيلاء على السلطة، إلى فشل الحكومة في التخلي عن سياسات مبارك النيوليبرالية، إلى الإذعان لسطوة الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولكن الحقيقة هي أنه مهما كانت إدارة مرسي غير كفؤة، فإن الكثير جداً من المحاور الأساسية للسلطة -من القضاء والشرطة، إلى الجيش والإعلام– ظلت وما تزال فعلياً في أيدي نخب النظام القديم. وينظر هؤلاء علناً إلى  الإخوان المسلمين باعتبارهم دخلاء متطفلين غير شرعيين، والذين ينبغي إعادة قادتهم إلى السجن في أسرع وقت ممكن.
ومع ذلك، فإن هؤلاء هم نفس الناس الذين يتحالفون الآن مع قوى المعارضة التي تريد حقاً أن ترى ثورة مصر وهي تصل إلى نهاية ديمقراطية على الأقل. وبإقصاء مرسي والإخوان المسلمين من السلطة، سيكون من الصعب أن نرى مثل هؤلاء الناس وهم يتخلون عن مبدأ النيوليبرالية، أو يؤكدون على الاستقلال الوطني، كما يريد معظم المصريين. وبدلاً من ذلك، يرجح أن يعمد الإسلاميون، وبدعم جماهيري أيضاً، إلى مقاومة حرمانهم من ولايتهم الديمقراطية، وهو ما سيغرق مصر في أزمة أكثر عمقاً.
كانت هذه النوبة الأحدث من الثوران في مصر مباشرة في أعقاب احتجاجات واسعة جرت في تركيا والبرازيل (وكذلك اضطرابات أصغر في بلغاريا وإندونيسيا). ولم تعكس أي من هذه الاحتجاجات فكرة النضال الشامل في التنافس السلطة، كما يحدث في مصر، حتى لو ان بعض المتظاهرين في تركيا دعوا رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، إلى الرحيل. لكن هناك أصداء مهمة، والتي تسلط الضوء على كل من مظاهر القوة ومكامن الضعف في مثل هذه الومضات من الغضب الشعبي.
في حالة تركيا، تطور ما بدأ كاحتجاج ضد إعادة تطوير متنزه غازي في إستانبول إلى تظاهرات جماهيرية حاشدة ضد إدارة أردوغان الإسلاموية التي تزداد ثقة وحزماً، وجمعت هذه الاحتجاجات بين الأتراك والأكراد القوميين والليبراليين واليساريين والاشتراكيين وأنصار السوق الحرة. وقد شكل اتساع نطاق التظاهرات وشموليتها مصدر قوة، لكن من المرجح أن تؤدي الطبيعة المتباينة لمطالب المحتجين إلى إضعاف تأثيرها السياسي.
وفي البرازيل، تحولت تظاهرات حاشدة ضد الزيادات في أجور الحافلات والقطارات إلى احتجاجات أوسع نطاقاً حول سوء الخدمات العامة، والتكلفة الباهظة لاستعدادات كأس العالم في العام المقبل. وكما هو الحال في تركيا ومصر، كان الشباب الطليقون سياسياً من الطبقة المتوسطة في الصدارة، وتم تثبيط الأحزاب السياسية عن المشاركة، في حين حاولت الجماعات اليمينية ووسائل الإعلام تحويل وجهة الأجندة من عنوان عدم المساواة إلى عناوين التخفيضات الضريبية والفساد.
في الحقيقة، قامت حكومة يسار الوسط في البرازيل بانتشال الملايين من ربقة الفقر، ولذلك كان الدافع وراء الاحتجاجات هو ارتفاع التوقعات. ولكن، على عكس أماكن أخرى في أميركا اللاتينية، لم تنفصل حكومة لولا أبداً عن مبدأ النيوليبرالية، أو تهاجم مصالح النخبة الغنية. والآن، تتوافر خليفته، الرئيسة ديلما روسيف -التي ردت على الاحتجاجات الأخيرة بالتعهد بوضع استثمارات ضخمة في مجال النقل والصحة والتعليم وإجراء استفتاء على الإصلاح السياسي- على فرصة لتغيير ذلك.
على الرغم من الفروقات بينها، تتسم كل الحركات الثلاث المذكورة بقواسم مشتركة مدهشة. أنها تجمع بين جماعات متباينة سياسياً على نطاق واسع وذات مطالب متناقضة، جنباً إلى جنب مع القاعدة غير المسيسة، والمفتقرة إلى التنظيم المتماسك. ويمكن أن يكون ذلك ميزة للحملات التي تتبنى قضية واحدة، لكنها يمكن أن تنتهي إلى الضحالة وقصر العمر إذا كانت الأهداف أكثر طموحاً –وهو ما يمكن القول بأنه كان مصير حركة “احتلوا وول ستريت“.
بطبيعة الحال، تشكلت كل هذه الثورات وتأثرت بشكل كبير بوسائل الإعلام الاجتماعية والشبكات العفوية التي تعززها هذه الوسائل. لكن هناك الكثير من السوابق التاريخية لمثل هذه الاحتجاجات من أجل سلطة الشعب -والدروس المهمة حول السبب في أنها غالباً ما تخرج عن مسارها أو أنها تؤدي إلى خروج نتائج مختلفة جداً عن تلك التي كان أنصارها يأملون في تحقيقها.
وكانت الحركات الأكثر وضوحاً في هذا الصدد هي الثورات الأوروبية في العام 1848، التي قادها أيضاً الإصلاحيون من الطبقة المتوسطة، وعرضت الوعد بقدوم ربيع ديمقراطي، لكنها لم تكن أجود من الانهيار في غضون عام واحد. وقد أعقب اضطرابات باريس الصاخبة في شهر أيار (مايو) من العام 1968 فوز انتخابي لليمين الفرنسي. وانتهى المطاف بأولئك الذين شاركوا في المسيرات من أجل الاشتراكية الديمقراطية في برلين الشرقية في العام 1989 إلى اختبار الخصخصة الهائلة والبطالة. وقد استخدمت ثورات العقد الماضي الملونة المدعومة من الغرب المتظاهرين كجيش مرحلة من أجل نقل السلطة إلى الأوليغاركيين والنخب المفضلين لدى الغرب. كما عجزت حركة “الساخطون” ضد التقشف في إسبانيا عن منع عودة اليمين والغوص الأكثر عمقاً في التقشف.
في عصر الليبرالية الجديدة، حيث أفرغت النخب الحاكمة الديمقراطية من محتواها، وضمنت أن يحصل المرء على الشيء نفسه أياً يكن الطرف الذي يصوت لصالحه، أصبح من المحتم أن تزدهر حركات الاحتجاج غير المتجانسة سياسياً. وهي حركات تمتلك قوى حاسمة: أنها تستطيع أن تغير المزاجات، وأن تخلخل السياسات المتخندقة وتسقط الحكومات. ولكن، من دون تنظيم متجذر اجتماعياً وأجندات سياسية واضحة، فإنها يمكن أن تنفجر وتتبدد، أو أن تكون عرضة للاختطاف أو التقسيم على يد القوى أكثر رسوخاً وقوة.
وينطبق هذا أيضاً على الثورات –وهو ما يبدو أنه يحدث في مصر، حيث ينظر العديد من الناشطين إلى الأحزاب والحركات السياسية التقليدية على أنها أصبحت فائضة عن الحاجة في عصر الإنترنت. لكن هذا ينبغي أن يشكل حجة لإنتاج أشكال جديدة من التنظيم السياسي والاجتماعي. ومن دون ذلك، فإن النخب ستحتفظ بالسيطرة –مهما كان الاحتجاجات الشعبية كبيرة ومشهدية.
(الغارديان) ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الاردنية .

 

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب