د. منتصر الكم
شكّلت انتخابات البلدية مشهداً ديمقراطياً لافتاً، تداخلت فيه مشاعر المسؤولية الوطنية مع زخم المشاركة الشعبية، غير أن هذا المشهد لم يخل من التوترات الكامنة بين الانتماءات العائلية والفصائلية، ففي أكثر من موقع، بدت الروابط الاجتماعية أكثر تأثيراً من البرامج السياسية، فيما اندمجت في مواقع أخرى مع الانتماءات الحزبية في صيغة هجينة تعكس طبيعة البنية الاجتماعية الفلسطينية، وهنا يبرز سؤال إشكالي: هل استعانت الفصائل بالعائلة جسراً للوصول إلى الجمهور، أم أن العائلة أعادت إنتاج ذاتها فاعلاً سياسياً ضمن المشهد الانتخابي؟ إنها معادلة دقيقة تكشف عمق التشابك بين الاجتماعي والسياسي، وتضعنا أمام ضرورة إعادة الاعتبار لمعيار الكفاءة والبرنامج أساساً لاختيار ممثلي الشأن العام.
انقضت الانتخابات البلدية والمحلية بعد أيام مثقلة بالتعب والإرهاق والانشغال، لكنها سرعان ما ارتقت في وجدان الناس إلى ما يشبه اليوم الوطني، حيث تعزّزت خلالها روابط التواصل بين المجموعات الكبرى على مستوى المدينة، والصغرى على مستوى الدوائر، وستظل هذه التجربة حيّة في الذاكرة الجمعية للمجتمع الفلسطيني، بوصفها فرصة للمشاركة والعمل عبّرت فيها الإرادة الشعبية عن نفسها بوضوح، رغم تعقيدات الواقع السياسي والاقتصادي، وتحدياته الممتدة من غزة إلى الضفة الغربية والقدس، فلقد تحوّل صندوق الاقتراع إلى فضاء للأمل، وأداة لإحياء المجال العام، حيث أثبت المواطن أنه شريك فاعل في صناعة القرار، لا مجرد متلق لنتائجه.
في هذا المشهد يبرز التعدد السياسي ظاهرة صحية في جوهرها، إذ يعكس تنوعاً يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة إذا أحسن توجيهه ضمن إطار من الشراكة والتنافس النزيه، إلا أن هذا التعدد، في بعض تجلياته، ظل أسير اعتبارات تقليدية، الأمر الذي يحدّ من قدرته على إحداث التحول المطلوب في بنية العمل البلدي، ويستدعي إعادة صياغة أولويات الاختيار العام بما يعلي من شأن الكفاءة والقدرة على الإنجاز.
ومع إسدال الستار على العملية الانتخابية، يبدأ الفصل الأهم: فصل الامتحان العملي للوعود، فالقوائم التي رفعت سقف التوقعات، وقدّمت برامج واعدة لتحسين الخدمات والبنية التحتية وتعزيز الشفافية، باتت اليوم أمام اختبار حقيقي يتمثل في تحويل تلك الوعود إلى سياسات قابلة للتنفيذ ونتائج ملموسة، ولم يعد مقبولاً أن تبقى البرامج حبيسة الشعارات، فالمواطن الذي منح صوته ينتظر ترجمة واقعية تعكس جدية الأداء ونزاهة الالتزام.
إن مدننا وقرانا ليست بحاجة إلى خطابات إنشائية بقدر حاجتها إلى أفعال ملموسة: طرق مهيأة، وأرصفة آمنة تصون كرامة المشاة، وإدارة عادلة للمياه، وتخطيط حضري متوازن، ومساحات عامة تستعيد البعد الإنساني للمدينة، وهذه ليست ترفاً خدمياً، بل حقوق أساسية تشكّل معياراً أولياً لقياس كفاءة المجالس المنتخبة.
ومن بين ملامح هذه التجربة، يبرز الحضور المتنامي للشباب من الجنسين مؤشراً إيجابياً على تجدد الحياة السياسية، وإن إدماج هذه الطاقات في مراكز القرار المحلي، ومنحها مساحة حقيقية للمبادرة، يمكن أن يشكّل رافعة نوعية لأداء البلديات، خاصة في ظل ما يمتلكه الشباب من أدوات معرفية وتكنولوجية قادرة على إحداث نقلة في إدارة الشأن المحلي، غير أن هذا الحضور يحتاج إلى تمكين فعلي يتجاوز الرمزية إلى الشراكة الحقيقية في صنع القرار.
لا بد من توجيه كلمة لكل من نجح في هذه الانتخابات: نحن نقف على تخوم مفترق حاسم بين واقع يتطلب المعالجة، وطموح يتطلع إلى التحقق، فالمسؤولية لا تنتهي عند صناديق الاقتراع، بل تبدأ منها، وعلى من نالوا ثقة الناس أن يدركوا أن شرعيتهم تبنى بالفعل المنجز لا بالوعود المعلّقة، وأن زمن التسويف لم يعد مقبولاً، وفي المقابل، يبقى على المجتمع أن يعزّز ثقافة المساءلة والرقابة، بوصفها الضامن الحقيقي لنزاهة الأداء واستدامة الثقة.
إنها معادلة واضحة لا تحتمل الالتباس: الثقة تمنح مقابل الإنجاز، وبين وعد الصندوق ووعد التنفيذ، تتحدد ملامح المدينة، وتصان كرامة المواطن، ويتجدد الأمل في بناء واقع أكثر عدلاً وكفاءة




