الحصاد المبكر يعني إنتاجا أقل بنسبة لا تقل عن 30 %
وزارة الزراعة: 10 آلاف دونم تضررت بفعل اعتداءات المستوطنين
نابلس- الحياة الاقتصادية – ميساء بشارات- فقد موسم حصاد القمح مراسمه المعتادة، حتى إن موعده لم يعد مرتبطا بنضوج السنابل بقدر ما أصبح الفلاح في سباق مع ألسنة النار القادمة من المستوطنات، ففي سهول قرية الساوية جنوب مدينة نابلس، يحصد الأهالي القمح مبكرا تحسبا لحرق الحقول من قبل المستوطنين.
فقبل أن تشتد حرارة حزيران، وقبل أن تكتمل زرقة السماء فوق سهول الساوية، كان المزارعون قد بدأوا بالفعل حصاد القمح لا لأن السنابل نضجت تماما، بل لأن الخوف نضج قبلها.
في ساعات الصباح الأولى، يتحرك المزارعون بين الحقول، فيما يراقب بعضهم أطراف القرى القريبة من المستوطنات بحذر ثقيل. فلم يعد موسم الحصاد موعدا للفرح كما كان، بل سباقا مع احتمال الحريق.
يقول مزارعون إنهم اضطروا هذا العام إلى حصد القمح مبكرا خشية اعتداءات المستوطنين، الذين تتكرر هجماتهم سنويا بإحراق الأراضي الزراعية والاعتداء على أصحابها، ما يدفع كثيرين إلى جمع محاصيلهم قبل أوانها، حتى وإن كان ذلك يعني خسارة جزء من الجودة والإنتاج.
ومع اتساع الاعتداءات على الأراضي الزراعية في القرى القريبة من المستوطنات، تحول موسم الحصاد بالنسبة للمزارعين الفلسطينيين إلى معركة لحماية مصدر رزقهم، في وقت يعاني فيه القطاع الزراعي أساسا من ارتفاع تكاليف الإنتاج وشح الدعم الزراعي.
يقول رئيس مجلس قروي الساوية حكمت أبو راس إن المزارعين في البلدة وجدوا أنفسهم هذا الموسم أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما انتظار نضوج محصول القمح والمخاطرة بفقدانه جراء الحرائق والاعتداءات المتكررة من قبل المستوطنين، أو حصاده مبكراً قبل اكتمال نضجه حفاظا على ما يمكن إنقاذه من محصول يشكل مصدر دخل وغذاء أساسيا لعشرات العائلات.
ويصف أبو راس ما تتعرض له الساوية والقرى المجاورة جنوب نابلس بأنه “استهداف ممنهج للقطاع الزراعي”، موضحا أن المستوطنين كثفوا خلال الأشهر الماضية من عمليات إحراق الحقول الزراعية، خاصة حقول القمح التي يعتمد عليها المزارعون في إنتاج الطحين وتأمين احتياجات أسرهم الغذائية.
وبحسب أبو راس، التهمت الحرائق خلال يومين متتاليين ما بين 120 و130 دونما من الأراضي المزروعة بالقمح والمحاصيل الحقلية، بعدما أُضرمت النيران في أكثر من موقع بشكل متزامن، الأمر الذي صعب عمليات السيطرة عليها. وقدرت الخسائر الأولية الناجمة عن هذه الاعتداءات بما يتراوح بين 50 و60 ألف شيقل، فضلا عن الخسائر غير المباشرة المرتبطة بتراجع الإنتاج وفقدان جزء من الموسم الزراعي.
ويشير إلى أن المزارعين لم يحصدوا هذا العام وفق الدورة الزراعية الطبيعية، بل بدافع الخوف من فقدان محاصيلهم بالكامل. فالحصاد المبكر، رغم تأثيره السلبي على جودة القمح وكميات الإنتاج المتوقعة، بدا الخيار الأقل خسارة أمام المزارعين الذين يخشون مشاهدة تعب عام كامل يتحول إلى رماد.
ويضيف أبو راس: الاعتداءات لا تقتصر على إحراق المحاصيل، بل تشمل أيضا محاولات متكررة لمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وطردهم منها، خاصة في المناطق القريبة من المستوطنات. كما يواجه أصحاب الأراضي قيودا مشددة على الوصول إلى حقولهم، إذ لا يسمح لبعضهم بدخول أراضيهم إلا عبر تنسيق مسبق ولساعات محدودة لا تكفي لإنجاز الأعمال الزراعية المطلوبة.
ومن الناحية الاقتصادية، يؤكد أبو راس أن هذه الاعتداءات تستهدف مصدر رزق رئيسي للعائلات الريفية التي ما زالت تعتمد على الزراعة البعلية، وعلى رأسها زراعة القمح. فالموسم الزراعي بالنسبة لكثير من الأسر ليس مجرد نشاط تقليدي، بل مورد مالي تنتظره العائلات لتغطية احتياجاتها السنوية وتسديد التزاماتها المعيشية.
ويصف المشهد الإنساني للحريق بأنه من أكثر المشاهد قسوة على المزارعين، يقول: “إن المزارع يتعامل مع أرضه ومحصوله كما يتعامل مع أحد أفراد أسرته، يعتني به لأشهر طويلة قبل أن يراه يحترق أمام عينيه خلال دقائق، ما يترك آثارا نفسية واقتصادية عميقة على الأسر المتضررة”.
وفي ظل تصاعد الاعتداءات منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، دعا أبو راس إلى تعزيز صمود المزارعين عبر زيادة مخصصات القطاع الزراعي في الموازنة العامة، وتوفير المعدات والآليات الزراعية وشق الطرق الزراعية ودعم المشاريع الإنتاجية، معتبرا أن حماية الأرض الفلسطينية تبدأ من حماية المزارع وتمكينه من البقاء في أرضه ومواصلة استثمارها رغم الظروف الصعبة.
يؤكد مختصون زراعيون أن الحصاد المبكر ينعكس مباشرة على جودة القمح وكميات الإنتاج، إذ تحتاج السنابل إلى وقت إضافي لاكتمال امتلاء الحبوب وارتفاع وزنها. لكن كثيرا من المزارعين باتوا يفضلون خسارة جزء من المحصول على خسارته بالكامل في حال تعرضه للحرق.
بدوره، يؤكد الناطق باسم وزارة الزراعة الفلسطينية محمود الفطافطة أن اضطرار المزارعين إلى حصاد القمح قبل اكتمال نضجه لا يمثل مجرد إجراء احترازي لتفادي اعتداءات المستوطنين، بل يترجم إلى خسائر اقتصادية مباشرة تمتد آثارها إلى الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي في المواسم اللاحقة.
ويقول الفطافطة إن المحاصيل الحقلية، وعلى رأسها القمح والشعير، لا تُستغل فقط كمصدر للغذاء أو الأعلاف، وإنما تشكل أيضاً مصدرا للبذور التي يعتمد عليها المزارعون في الزراعة خلال الموسم التالي. وعندما يجبر المزارع على الحصاد المبكر، فإنه يخسر جزءا من القيمة الغذائية للمحصول، كما تتراجع جودة البذور وكفاءتها الزراعية، فضلا عن انخفاض كمية الإنتاج القابلة للحصاد.
ويوضح أن القمح الذي يحصد قبل أوانه لا يكون قد بلغ مرحلة النضج الكامل، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاجية الفعلية للدونم ويؤثر على جودة الحبوب والتبن المستخدم كعلف للثروة الحيوانية. وفي الظروف الطبيعية قد ينتج الدونم الواحد ما بين 300 و400 كيلوغرام من القمح، وقد يصل إلى 500 كيلوغرام في المناطق الأكثر خصوبة، إلا أن الحصاد المبكر قد يحرم المزارع من نحو 30% من إنتاجه المتوقع، ليحصل في أفضل الأحوال على نحو 70% فقط من المحصول.
ولا تقتصر الخسائر على الحصاد المبكر، بحسب الفطافطة، إذ يواجه المزارعون سلسلة من الأضرار المتراكمة تبدأ بمنع الوصول إلى الأراضي الزراعية، مروراً بإحراق المحاصيل أو رعيها وتخريبها، وصولا إلى سرقة الإنتاج أو إتلافه أثناء الحصاد. ويشير إلى أن بعض المزارعين لم يتمكنوا أصلا من زراعة أراضيهم، فيما حرم آخرون من الوصول إلى حقولهم خلال الموسم الزراعي.
وتظهر بيانات وزارة الزراعة حجم الأثر المتزايد لهذه الاعتداءات، إذ سجلت الوزارة حتى نهاية أيار/مايو الماضي تضرر ما لا يقل عن 8 آلاف دونم من المحاصيل الحقلية بفعل اعتداءات المستوطنين في محافظات نابلس والخليل وبيت لحم وأريحا ورام الله، قبل أن يرتفع الرقم لاحقا إلى نحو 10 آلاف دونم من حقول القمح والشعير بشكل رئيسي.
ويشير الفطافطة الى ان الوزارة سجلت وجود نحو 6 آلاف دونم إضافية من الأراضي المزروعة بالمحاصيل الحقلية لم يتمكن أصحابها من الوصول إليها بسبب القيود العسكرية واعتداءات المستوطنين، ما يعني أن آلاف الدونمات خرجت فعليا من دائرة الإنتاج هذا الموسم.
ويرى الفطافطة أن خطورة هذه الاعتداءات تتجاوز حدود الخسائر الفردية للمزارعين، لتطال منظومة الأمن الغذائي الفلسطيني برمتها. فرغم أن فلسطين تحقق نسب اكتفاء ذاتي مرتفعة في بعض المنتجات الزراعية مثل الخضروات وبيض المائدة ولحوم الدواجن وزيت الزيتون، إلا أن إنتاج الحبوب ما زال يشكل نحو 5% فقط من الاحتياجات المحلية، ما يجعل أي تراجع إضافي في إنتاج القمح والشعير عاملا يزيد من الاعتماد على الاستيراد ويرفع فاتورة الواردات الغذائية.
ويحذر من أن استمرار الاعتداءات يدفع المزيد من المزارعين إلى ترك أراضيهم أو التخلي عن الزراعة كمصدر دخل، الأمر الذي يفاقم معدلات البطالة ويضعف الاقتصاد الريفي، فضلا عن تأثيره على الموروث الزراعي الفلسطيني المرتبط بمواسم الحصاد والعونة والتكافل المجتمعي.
ويضيف أن ما يجري في الحقول الفلسطينية لا يمكن فصله عن سياسة أوسع تستهدف الأرض والإنسان معا، إذ تسعى اعتداءات المستوطنين إلى فرض واقع جديد يحد من قدرة الفلسطينيين على استثمار أراضيهم وإنتاج غذائهم، وصولا إلى زيادة التبعية الاقتصادية وتقليص فرص الصمود الزراعي في المناطق المستهدفة.
وتشير بيانات وزارة الزراعة إلى أن خسائر القطاع الزراعي الفلسطيني خلال العام الماضي تجاوزت 103 ملايين دولار، كان النصيب الأكبر منها لقطاع الزيتون الذي تكبد خسائر بنحو 52 مليون دولار نتيجة اقتلاع وحرق وتخريب أكثر من 91 ألف شجرة زيتون، فيما توزعت بقية الخسائر على البنية التحتية الزراعية وشبكات المياه والثروة الحيوانية والمحاصيل الحقلية.
في القرى الفلسطينية القريبة من المستوطنات، لم يعد القمح مجرد محصول موسمي، بل بات اختبارا يوميا لقدرة المزارع على البقاء في أرضه. وبين سنابل تحصد على عجل، وحقول تخشى النار أكثر مما تنتظر المطر، يواصل المزارعون الفلسطينيون حماية مواسمهم بما تبقى من صبر… وما تبقى من أرض.





