الإثنين, أبريل 27, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءأميركا بنداً في خريطة الطريق ... بقلم: جميل مطر

أميركا بنداً في خريطة الطريق … بقلم: جميل مطر

1_2011811_20514

لن نصل في مصر إلى مصالحة وطنية ونهاية سعيدة للمرحلة الانتقالية إلا اذا تحرر السياسيون المصريون والجهاديون، الأنصار منهم والمعارضون، من عقدة الحاجة المستمرة لإرضاء اميركا والخوف المرضي من غضبها.
قضينا أياماً غالية، بالدماء التي أريقت والأرواح التي زهقت والوقت الذي بدد. قضينا أياماً نتمرد ونثور ونعد بيانات ونحشد القوات والناس ونراقب الحشود المتجمعة في ميادين العاصمة والمدن الأخرى، نصورها ونقارن بين الصور. كانت معنا وهزتنا حتى الأعماق مشاعر الشعوب في كل مكان وبخاصة الشعوب العربية، وكانت رسالتها واضحة وتوقيتها رائع. جاءت تبلغنا أن «ثورتكم أيها المصريون مستمرة كما كنا نأمل، وسنقف معكم لوقف نزف الكرامة والحرية والاستقلال الذي تتعرض له ثوراتنا كافة». هزتنا حتى الأعماق قوة المشاعر وصدق المؤازرة فزادت قامتنا علواً وتضاعفت حماستنا واستعدنا ثقتنا في القدرة على التغيير بأعمال ثورية في حال تعطلت قدراتنا الدستورية. عشنا لحظات رائعة ونحن نرى الوطن يتفتق عن إبداع جديد. ومع ذلك، وفي وسط تلك اللحظات الرائعة، كانت عيون وآذان كثيرة ترصد بتوجس وشكوك تصريحات وأفعال فريق ثالث في مكان بعيد، ترصدها في عواصم الغرب وبخاصة في واشنطن. كثيرون بين المبتهجين والغاضبين انشغلوا عن أفراحهم وأتراحهم برصد مواقف الولايات المتحدة والرسائل الفاضحة التي لم تتوقف قناة
CNN عن بثها في لحظات حاسمة.

آن لهذه الحالة من الارتهان أن تنتهي. لا ننكر أو نتجاهل حقيقة أن قوى السيطرة والهيمنة العالمية غيرت أساليبها. هذه القوى لا تمارس الاحتلال المباشر لفرض التبعية المطلقة ولا تبعث بأساطيلها ومدافعها لدك الحصون وإجبار الحكام على توقيع وثيقة خضوع وخنوع، ولا تحاصر قصور السلطة لإجبار المسؤولين على تغيير عقيدتهم الاقتصادية فيغلقون المصانع أو يستبدلون زراعات بزراعات أخرى.
هي الآن تحاصر الفرد، فهو الهدف وليس الدولة. تضغط عليه بأساليب مبتكرة فتتنصت على اتصالاته لتسيطر على مكامن حياته الشخصية من أسرار وأفكار وطموحات، وإن تمرد أحد عملائها أو استيقظ ضميره وهاله ما فعله بغيره من بني البشر الآمنين في بيوتهم انقضت عليه حكومة دولة عظمى وأجهزة أمنها مثلما تفعل مع المجرمين العتاة أو الإرهابيين القتلة. هكذا تعاملت مع الشاب إدوارد سنودين. لم تراع مكانة إيفو موراليس رئيس بوليفيا ولا حرمة طائرته ولا اعتبارات القانون الدولي فطاردته في أجواء عديد الدول الأوروبية، حتى حط بطائرته مرغماً في النمسا، مقراً أمام العالم بأسره بأن القوى الدولية المتسلطة لم تعجز عن ابتكار اساليب حديثة لممارسة الهيمنة والطغيان على الشعوب والحكام الأضعف.

نحن أيضاً، متمردين كنا أم ثواراً أم مجاهدين أم دعاة ومبشرين ام مواطنين أثرياء وفقراء وعسكريين ومدنيين، نقر ونعترف أن مصر تعيش منذ ثلاثين أو اربعين عاماً دولة مرتهنة لدى الولايات المتحدة الأميركية. أكثرنا، وبيننا من يصدر أصوات ثورية ويتصرف تصرفات غاضبة ويضيق بحال بلده المتدهور وقد يشكو من وضع التبعية والانكسار، وبيننا من استسلم فتوقف عن الشكوى وامتنع عن الغضب. هذا وذاك يتعامل مع الهيمنة الاميركية على مصر باعتبارها قدراً محتوماً وعنصراً ثابتاً كالنيل والصحراء وغيرهما من العناصر التي تشكل أصالة مصر وديمومتها، عناصر لا يسعى أو يحلم الانسان المصري بتغييرها. أشك في أن أحداً من المسؤولين فكر خلال العقود الأخيرة، أو يفكر الآن، في ضرورة إدخال تغيير على العلاقة المصرية الأميركية. أشك في أن أحداً قدر له أن يحمل هذه الأيام عبء التخطيط لنهضة مصر ومستقبلها سوف يخطر على باله أن يضع علاقتنا بالولايات المتحدة بنداً أو محطة أو قمة منحنى في خريطة طريق يجري حالياً رسمها.
أتساءل، إن كان حقاً جائزاً لقادة أو نخبة حاكمة رسم خطة قصيرة أو طويلة الأمد تهدف إلى وضع الأسس لدولة متحضرة ومستقلة ومنتجة بينما تجد نفسها مقيدة الحركة والإرادة بنصوص معاهدة دولية، ومرتهنة بشروط واقع تفرضه معونة سنوية منتظمة، ومكبلة تكبيلا لا يرقى الى إحكامه الشك بخرائط وقواعد كافية في حد ذاتها لهتك أواصر الرابطة التي ربطت لآلاف السنين شبه جزيرة سيناء بالوطن الأم. مصر عاشت مقيدة أربعين عاماً في علاقة شاذة مع دولة عظمى قبل أن تنشب ثورة شعارها الكرامة، كرامة الوطن وكرامة المواطن، وها هي تنطلق بكل النيات الطيبة لترسم معالم طريق تقدمها، فاذا بها تجد نفسها مكبلة. هل ترسم وهي مكبلة فتكون النتيجة خريطة لأربعين عاماً أخرى لا تختلف عن الأربعين عاماً الماضية، أم تقرر أن يكون فك القيود وتحرير الإرادة بنداً أساسياً من بنود بناء هذا المستقبل؟
من حق هذا الشعب الذي قاسى الأمرين أن يعرف أن المحصلة النهائية للسياسة الخارجية الاميركية في باكستان وأفغانستان والعراق وتونس وسوريا وفلسطين واليمن، على امتداد العشرين عاما الأخيرة، كانت بكل الحسابات والمعايير كارثية بالنسبة لشعوب هذه الدول.. هذا الشعب من حقه أن يطلب من قادته الجدد وقادة الولايات المتحدة تقديم كشف حساب عما جنته شعوب الدول التي خضعت لتجارب أميركية لإقامة أنظمة حكم تلتزم مناهج ما أطلقت عليه الإسلام السياسي، وشعوب خضعت لتجارب أخرى في الاقتصاد والهندسة الاجتماعية. من حقه أيضاً أن يطالب قادته والقادة الأميركيين أن يعيدوا النظر في العلاقة الأميركية المصرية والتفاوض لإقامة علاقة مختلفة على أسس تضمن احترام كرامة مصر والمصريين.

لن تهدأ أزمتنا الراهنة أو تجد حلا لها طالما استمرت القوى السياسية ترفض مناقشة الآثار كافة، المترتبة على ممارسة هذا النمط من العلاقة بين مصر والولايات المتحدة، وطالما استمرت ترفض أي فكرة أو نداء يدعو الى إزالة صفات الديمومة والقدسية والاستثنائية عن هذه العلاقة. أتمنى أن يسفر عن خريطة الطريق ما يضمن للمصريين عدم تكرار المشهد المؤذي للكرامة والوطنية المصرية، مشهد مسرح العرائس حيث احتشدت أجهزة في واشنطن خلال الأسبوعين الأخيرين ممسكة بخيوط تحاول بواسطتها تحريك دمى في مصر، ونشطت دمى في مصر تستعجل التحريك.

الشروق المصرية

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب