السبت, أبريل 25, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءسورية محكومة بقَدر فراغ القوى العظمى ... بقلم :إيان بريمر

سورية محكومة بقَدر فراغ القوى العظمى … بقلم :إيان بريمر

 

210554
نيويوركأنهت مجموعة العشرين اجتماعاتها ومناقشاتها على مآدب الطعام بشأن التحركات الواجبة في التعامل مع الاتهامات الموجهة إلى الرئيس السوري بشار الأسد باستخدام غاز سام لقتل أكثر من 1400 من أفراد شعبه. وقد أظهرت بريطانيا وتركيا وكندا درجات متفاوتة من الدعم لدعوة الرئيس الأميركي باراك أوباما للقيام بعمل عسكري، في حين نعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتن وزير الخارجية الأميركي جون كيري بالكاذب، وزعم أن الأدلة ضد الأسد غير حاسمة وغير مقنعة. ومن الكواليس، حذر الاتحاد الأوروبي والبابا فرانسيس من أنه لا يوجد أي “حل عسكري” ممكن في سورية.
بعبارة أخرى، سار كل شيء كما كان متوقعاً بالضبط. فالأميركيون والفرنسيون وغيرهم يواصلون دفع الروس إلى القبول بأن الحكومة السورية استخدمت الأسلحة الكيميائية؛ ويرفض الروس الحريصون على حماية حليفهم السوري الأدلة، ويعتبرونها غير حاسمة وغير مقنعة؛ وتستمر المذبحة. ويتحرك محور المعركة الآن نحو الكونغرس الأميركي، حيث يحاول تحالف نادر بين الديمقراطيين الليبراليين والجمهوريين الانعزاليين عرقلة خطط الرئيس أوباما.
لا توجد لدى أولئك الراغبين في وقف إراقة الدماء في سورية خيارات جيدة. ويصدق هذا على أوباما، وعلى الأوروبيين المشغولين بالصداع السياسي الداخلي، والزعماء العرب الذين يتوقون إلى رؤية حكومة الأسد تنهار، ولكنهم غير راغبين في التصريح بذلك علناً.
يقول رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون إن لدى حكومته أدلة جديدة ضد الأسد، في حين صوت البرلمان على حجب الدعم عن الرد العسكري. وفرنسا على استعداد للعمل كتابع، ولكنها لا ترغب في تولي القيادة. وتريد جامعة الدول العربية من “المجتمع الدولي” أن يتحرك من أجل إنهاء المذبحة، ولكن من دون استخدام القوة. وقد سعى أوباما إلى الطلب من الكونغرس الموافقة على توجيه ضربات جوية محدودة قد تردع استخدام الأسلحة الكيميائية في المستقبل، ولكنها لن تغير التوازن في الحرب الأهلية في سورية.
الحق أن الأسد، والمتمردين السوريين، والأميركيين، والروس، والعرب يستحقون جميعاً الانتقاد بجدارة. ولكن توجيه أصابع الاتهام يقودنا بعيداً عن جوهر المسألة: إن الموقف في سورية هو أقوى دليل حتى الآن على نشوء نظام عالمي جديد قائم على خواء القوى في السياسة الدولية، حيث لن تقبل أي قوة منفردة أو كتلة من القوى تحمل التكاليف والمخاطر المصاحبة للزعامة العالمية. وحتى إذا قامت الولايات المتحدة وفرنسا بتوجيه الضربة إلى دمشق، فإن هذه الضربة لن تنهي الصراع في سورية -خلافاً لما حدث في يوغوسلافيا السابقة، عندما نجحت الضربات العسكرية في وقف الحرب في كوسوفو من خلال قصف بلغراد- وذلك لثلاثة أسباب:
أولاً، هناك الكثير من الأطراف المعنية التي تسعى إلى حماية نطاق بالغ التنوع من المصالح. وعلى الرغم من أن من شأن القصف أن يحمل الأسد على إعادة النظر في كثير من الأمور، فإنه لن يرغمه على الاستسلام، ولن يشجع حلفاءه على الانقلاب ضده. ولن يوضح القصف كيفية استعادة الاستقرار وبناء سورية أكثر استقراراً وازدهارا، نظراً للحاجة إلى التعاون بين العديد من الجهات الفاعلة التي تحمل أهدافاً متضاربة.
تريد الولايات المتحدة وأوروبا سورية التي تلعب دوراً أكثر إيجابية في المنطقة. وتريد إيران وروسيا الاحتفاظ بحليف بالغ الأهمية. وتريد تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر رؤية سورية التي تبقي إيران على مسافة ولا تتحول إلى بلد مُصَدِّر للتطرف العنيف عبر الحدود. ونتيجة لذلك، سيكون من المرجح أن تتحول سورية إلى ساحة تتنافس فيها قوى إقليمية، بدعم من جهات خارجية مهتمة، من أجل فرض نفوذها.
ثانياً، سوف تستمر الولايات المتحدة -الدولة الوحيدة التي تملك القوة اللازمة للعب دور حاسم- في مقاومة التورط بشكل أعمق. فأغلب الأميركيين يقولون إنهم لا يريدون المساهمة في زيادة الآلام التي تعيشها سورية؛ وهم يشعرون بالضجر والسأم من الحروب في الشرق الأوسط ويريدون من قادتهم أن يركزوا على التعافي الاقتصادي وخلق فرص العمل في الداخل. وسوف يكون لزاماً على أوباما أن يتوخى الحذر في التعامل مع الكونغرس، وحتى برغم تصويت معارضيه الجمهوريين على تقديم دعم محدود، فإنهم سوف يجعلون حياته صعبة بقدر الإمكان.
وأخيراً، لا تستطيع الولايات المتحدة أن تعتمد على حلفائها لمساعدتها في أداء الأعمال الثقيلة. ففي ليبيا، كان من السهل نسبياً قصف جيوش معمر القذافي مع تقدمها عبر مساحات مفتوحة. وعلى النقيض من هذا، فإن قصف دمشق -التي تظل مدينة ذات كثافة سكانية عالية، بالرغم من فرار اللاجئين- سوف يسفر لا محالة عن قتل عدد كبير من المدنيين السوريين.
وما كانت الحال في منطقة البلقان قبل جيل واحد من الآن، عندما تحرك زعماء الغرب لإنهاء الصراع الأكثر دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، فإن الفرنسيين مستعدون لإرسال طائراتهم وطياريهم إلى سورية. ولكن البريطانيين يتحدثون بأكثر من صوت واحد في هذه القضية. وعلاوة على ذلك، فإن أغلب زعماء أوروبا مشغولون بالتداعيات المحلية للصراعات الجارية في منطقة اليورو. ففي ألمانيا على سبيل المثال، سوف تتجنب المستشارة أنجيلا ميركل خوض مجازفات غير ضرورية قبيل الانتخابات العامة المقبلة.
وعلى نحو مماثل، لن يبادر الزعماء العرب -المهمومون بالاضطرابات في مصر، وتصاعد وتيرة العنف في العراق وليبيا، والتهديد المتمثل في الاضطرابات الاجتماعية داخل بلدانهم- إلى دعوة القوى الغربية علناً إلى قصف دولة مسلمة. وحتى كندا لن تشارك في هذا الأمر.
إن مشكلة خواء القوى لن تدوم إلى الأبد. ففي نهاية المطاف، سوف تهدد الحرائق السياسية التي سُمِح لها بالخروج عن السيطرة العدد الكافي من الدول القوية، فترغمها على مستوى معين من التعاون. ولكن من المؤسف بالنسبة للسوريين أن معاناتهم لن تكون كافية وحدها.


*
رئيس مجموعة أوراسيا، ومؤلف كتاب “كل أمة لنفسها: الكاسبون والخاسرون في عالم خواء القوى في السياسة الدولية“.
*
خاص بـ”الغد”، بالتعاون مع خدمة “بروجيكت سنديكيت”، 2013

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب