قبل 58 عاماً، كانت الأرض الفلسطينية النازفة لا تزال تلملم جراح النكبة عندما استيقظ العالم على نكبة أخرى سُميت وقتها “النكسة”. انفجر الألم الفلسطيني والعربي من جديد عندما تكرس الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية في فلسطين وأجزاء من بلدان عربية أخرى كأمر واقع غضت الطرف عنه جميع دول العالم، وبعضها دعمته حتى أوصلته إلى أبشع وأطول استعمار في التاريخ، وهو ما تعانيه فلسطين وشرفاء الأمة حتى اليوم.
لكن المحن الكبرى تضع الجميع على محك الوطن، فمنهم من يفشل، ومنهم من يجتاز الاختبار بكفاءة ولو كانت نتائج العمل مؤجلة إلى حين تحقيق الأهداف. هذا باختصار هو حال جبهة النضال الشعبي الفلسطيني التي تحتفل هذه الأيام بالذكرى الثامنة والخمسين لانطلاقتها المجيدة.
جبهة واحدة تفتح ذراعيها وقلبها لكل أبناء القضية الفلسطينية، مناضلة بما أمكن لتحقيق أهداف شعبنا الذي لا يمكن أن يموت، بدليل 77 عاماً من الصمود والمواجهة بشتى الطرق والوسائل .
لن أستغرق في سرد تفاصيل النضال الذي قدمته الجبهة، كما كل الفصائل الفلسطينية منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية عام خمسة ستين وتسعمائة والف ، لأجل استعادة الحقوق الفلسطينية وإقامة الدولة التي طال انتظارها. من عملياتها المسلحة ضد الاحتلال في أواخر عام الانطلاق، إلى معارك الشرف في مواجهة الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وصولاً إلى اجتراح أساليب متعددة ومبدعة للمواجهة مع هذا العدو الذي يسيطر على كامل مقدرات الشعب الفلسطيني: الأرض والمقدسات، المياه والزراعة، الحياة اليومية، وهي أبسط مقومات بقاء الإنسان الفرد وصموده، فكانت دعوات الإضراب والتظاهر والاحتجاج شكلاً آخر من أشكال المقاومة التي دعت إليها الجبهة.
لكن في تفاصيل عمل الجبهة ما يقول إن قيادة جبهة النضال الشعبي الفلسطيني وكوادرها تعلم تماماً حقيقة الصراع مع هذا المحتل، وأساليب مواجهته، وتُعلي شأن وحدة الصف الفلسطيني سبيلاً ضرورياً لتوحيد الجهود في مواجهة النوايا الخبيثة لـ “إسرائيل” وداعميها. من هنا انطلقت وتنطلق الجبهة في موقفها إزاء التفاصيل الكثيرة الخطيرة التي تحيق بالقضية، فانخرطت مؤخراً في كل جلسات الحوار الفلسطيني الفلسطيني الموسعة التي تهدف إلى رأب الصدع وإنهاء الانقسام وتوحيد البوصلة نحو: “تحرير فلسطين وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتمكين شعبنا الفلسطيني من تقرير مصيره”، وهذا ما نصَّه بيان تأسيس الجبهة.
انقسام يريد العدو عبر بوابته انتزاع “صمت” فلسطيني يشبه تواطئ البعض في العالم أمام جريمة الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ ما يقارب العامين. هذا المخطط الإسرائيلي لا يخفى على جبهة أعلن بيانها التأسيسي أنها “تؤمن بأهمية الوحدة الوطنية الفلسطينية في أطار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد، وعلى أساس البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية كشرط أساسي لإنجاز مهام التحرر الوطني”. تغيرت ظروف القضية، وتأقلمت الجبهة مع المتغيرات. يقول الخبر إن الجبهة ثمَّنت مساعي الفصائل في غزة للتوصل إلى اتفاق يوقف العدوان الإسرائيلي على القطاع، لما في ذلك من “حرص ومسؤولية تجاه حماية حقوق الشعب الفلسطيني”. لا مجال هنا للحسابات الضيقة، فيما مصلحة الوطن واستمرار القضية على المحك..
لكن النضال لا يقتصر على غزة وأهلها، ويتخذ أشكالاً عديدة تعمل الجبهة أيضاً على تعزيزه يداً بيد مع جميع الفلسطينيين أصحاب هذه القضية، القابضين على جمر صمودهم. في الضفة الغربية تحذير من سوء الوضع المعيشي، وتحديداً في المخيمات، وعمل دؤوب لإيجاد بدائل واجتراح حلول تخفف معاناة الأهالي في ظل عدوان إسرائيلي مستمر وممنهج. هذا شكل من أشكال الصمود والمواجهة، تماماً كما هو الهدف من تنظيم أيام عمل تطوعية دعماً وإسناداً للمزارعين في موسم قطف الزيتون. أشجار فلسطين جزء لا يتجزأ من الحكاية بالنسبة للجبهة.
وللمواجهة الإعلامية المحتدمة حالياً دورها الذي لا يمكن إنكاره. عملت الجبهة وتعمل على تعزيز أدوات هذا الصمود، محلياً من خلال زيارات رسمية على أعلى مستوى، يرأسها عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الأمين العام للجبهة د.أحمد مجدلاني، والبحث في سبل التعاون وتبادل الخبرات على الصعيد الإعلامي، مع مؤسسات الإعلام الرسمي الفلسطيني، في ظل مواجهة إعلامية محتدمة تهدف لفضح حرب الإبادة على شعبنا في قطاع غزة والعدوان الشامل في الضفة، وما هذه المجلة التي تقرؤون صفحاتها اليوم إلا مساهمة بسيطة من الجبهة في هذه الساحة من المواجهة.
أما على الصعيد الدولي، فتعمل الجبهة على تعزيز دور وسائل التواصل الاجتماعي في فضح جرائم الاحتلال، وهي الوسيلة التي ساهمت إلى حد كبير بتغيير نظرة العالم لمجمل القضية الفلسطينية وليس فقط فيما يتعلق بالعدوان الإجرامي على غزة والضفة، وإثبات حق الفلسطينيين التاريخي بأرضهم، وجوهر الصراع الوجودي بينهم وبين هذا الاحتلال الذي لا يعرف إلا لغة الإجرام والكذب والتزييف.
لا شك أن المعركة مفتوحة ومستمرة، وتمر اليوم بأصعب مراحلها. أمر تدركه الجبهة قيادات وكوادر، وتعمل بما استطاعت كي تشحذ أدوات المواجهة المستجدة، وصولاً إلى تحقيق أهداف هذا الشعب الصابر الصامد بإقامة دولته المستقلة وفق القوانين والشرائع الدولية، وفي نيل كامل حريته وسيادته غير منقوصة أو مجتزأة. لا تزال المعركة طويلة، لكن الأمل والثقة بهذا الشعب وبفصائله ومناضليه لا يزال يلمع في آخر النفق ضوءاً ساطعاً سطوع الحرية، مشرقاً كانعكاس أشعة الشمس على قبة الصخرة، جلياً كتكبيرات مآذن الخليل وأجراس كنيسة القيامة. وما ضاع حق وراءه مطالب.
كل عام وفلسطين كلها صامدة صابرة مناضلة لأجل حقوقها، كل عام وفلسطين تقترب من تحقيق الانتصار والحرية والعودة، واقامة الدولة الفلسطينية، وعاصمتهاالقدس الشريف، ليس لأجلها فقط، بل لأجل الإنسانية جمعاء.