بقلم: اللواء عاموس جلعاد وخبراء آخرين/ في سلسلة من التحركات العسكرية المهمة، وأهمها تفكيك البنية التحتية العسكرية لـ”حماس”، هيأ الجيش الإسرائيلي، وفقا لتوجيهات مجلس الوزراء، الظروف اللازمة لعودة جميع الرهائن. ولتحقيق هذه الغاية، يبدو أن لدى إسرائيل مسارين محتملين لتحرير الرهائن: الأول عسكري، وقد ثبت بالفعل عدم فعاليته. والثاني سياسي، وهو في الواقع المسار الوحيد الممكن. ومن المهم الإشارة إلى أن الغالبية العظمى من الرهائن أُعيدوا باتفاق سياسي وليس بعمل عسكري. ولتحقيق هذه الغاية يجب وضع إطلاق سراح جميع الرهائن فوق جميع الأهداف الأخرى، ويجب إعطاء الأولوية لتحقيقه على المدى القريب، حيث يزداد الخطر على حياتهم وإمكانية عودة القتلى مع مرور الوقت.
استمرار الفشل السياسي
يحمل الفشل السياسي والإستراتيجي المتفاقم في غزة تداعيات واسعة النطاق على المجالات الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية والداخلية في مجال الصمود الوطني. في الواقع، انهارت الخطط السياسية التي اعتمدتها الحكومة في غزة مرارا وتكرارا، ولم يُنفذ أيٌّ من القرارات المتخذة. تم التخلي عن فكرة إنشاء مدينة إنسانية، لعدم جدواها من جميع الجوانب – الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والقانونية. كذلك، تبيّن أن فكرة التعبئة السكانية والهجرة الطوعية ليست سوى أوهام لا أساس لها من الصحة، في ظل المعارضة الحازمة والثابتة من الدول العربية والنظام الدولي.
لقد فشلت الخطط البديلة، بدعم من إسرائيل، لتوزيع المساعدات الإنسانية، بل أدت إلى سيطرة “حماس” على أجزاء كبيرة منها. وقد أدى ذلك إلى اتهامات لإسرائيل بتعمد تجويع سكان غزة. في ضوء ذلك، اضطرت إسرائيل إلى الموافقة على إسقاط المساعدات جوا، وتشجيعه، خلافا لسياستها في الأشهر الأخيرة. النتيجة هي أن “حماس” تستخدم الأزمة الإنسانية ورقة لتشويه سمعة إسرائيل وتحقيق أهدافها في المفاوضات.
من منظور إقليمي، تغرق إسرائيل أكثر فأكثر في مستنقع غزة، دون أفق سياسي ودون استراتيجية للخروج من الحرب. ونتيجة لذلك، تتلاشى احتمالات تعزيز أمنها القومي عبر اتفاقيات سلام إقليمية، وفي مقدمتها مع المملكة العربية السعودية. وهذا يستلزم أيضا فقدان الإمكانات الاقتصادية الهائلة للجسر البري الذي سيربط الهند وإسرائيل عبر العالم العربي.
ووفقا للمنشورات، قد يُقدم رئيس الوزراء نتنياهو على قرار بتوسيع العمليات العسكرية في غزة إذا اتضح أن “حماس” غير مستعدة لاستعراض قوتها والمضي قدما في صفقة. مثل هذا القرار، إذا اتُخذ بالفعل، قد يُعمق غرق إسرائيل في مستنقع غزة، مع استحالة إعادة الرهائن إلى ديارهم.
تسونامي سياسي
يتسلل النقد اللاذع لإسرائيل إلى الولايات المتحدة أيضا، كما يتضح من تصريحات الرئيس ترامب حول الوضع المتردي في قطاع غزة. حتى أن الصحافية والمعلقة، ميجين كيلي زعمت، أن “إسرائيل جعلت نفسها شريرة في نظر العالم أجمع، وتفقد الدعم حتى بين الجمهوريين. تفقد إسرائيل مكانتها الأخلاقية، وكما قال الرئيس ترامب بالفعل: حان الوقت لإنهائها”. في سياق مماثل، يشير استطلاع جديد أجراه معهد غالوب إلى انخفاض حاد في الدعم الشعبي في الولايات المتحدة للحرب في غزة. ووفقا لنتائج الاستطلاع، يعارض 60% من المشاركين الحرب، بينما يؤيدها 32% فقط، وهو انخفاض حاد بنحو 10% مقارنة بالاستطلاع السابق الذي أُجري في أيلول 2024، ويعزى ذلك أساسا إلى انخفاض الدعم بين الديمقراطيين. كما يشير الاستطلاع إلى فجوات كبيرة بين جيل الشباب، الذي يعبر عن مواقف أكثر انتقادا لإسرائيل، والجيل الأكبر سنا. هذه اتجاهات طويلة الأمد تُشكّل تحديا متزايدا لإسرائيل في الحفاظ على التحالف الاستراتيجي والعلاقات المميزة بين البلدين، حتى في ظلّ الإدارات المستقبلية.
علاوة على ذلك، يُؤدّي تزايد الانتقادات لسياسة الحكومة إلى تحرّكات سياسية عدائية. ويتجلى ذلك في تصريحات الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء ستارمر حول نيّتهما الاعتراف بدولة فلسطينية، إذا لم يتغيّر الوضع. إضافةً إلى ذلك، أعلنت أكثر من عشر دول بالفعل نيّتها الانضمام إلى هذه الخطوة. يُضاف إلى ذلك التفكير الجاري في الاتحاد الأوروبي لفصل إسرائيل عن برامج البحث والعلم ذات التمويل العالي، وقرار هولندا، التي انضمّت إلى دول أخرى، بمنع دخول الوزيرين سموتريتش وبن غفير إلى البلاد. وتُؤجّج التصريحات غير المسؤولة لوزراء الحكومة حول نيّة محو غزة وتهويدها، مشاعر النقد والكراهية. وقد انعكس ذلك في سلسلة من الحوادث التي تعرّض فيها يهود وإسرائيليون للهجوم حول العالم.
تأثيرات على التصدي لإيران
بالمعنى الأوسع، ورغم النجاحات في إلحاق الضرر بالبرنامج النووي الإيراني، يتعين على إسرائيل تركيز أقصى قدراتها ومواردها على مواجهة التهديد متعدد الأبعاد من إيران وحلفائها في المنطقة، والذي تغذيه أيديولوجية “متطرفة” تدعو إلى إزالة دولة إسرائيل. يأتي ذلك في ضوء إدراكها أن إيران ستسعى، في المقام الأول، إلى إعادة إحياء المشروع النووي، الذي يُنظر إليه في طهران على الأرجح حاليا على أنه الضمانة الرئيسة ضد أي هجمات مستقبلية عليها، إلى جانب جهود إعادة بناء الحزام الناري حول إسرائيل، الذي أُقيم على مدى عقود وباستثمارات بلغت عشرات المليارات من الدولارات.
تآكل متزايد في المناعة الوطنية
على الصعيد الداخلي، تتزايد الأثمان الاجتماعية والاقتصادية التي تُجبر إسرائيل على دفعها نتيجة استمرار الحرب. وكان استبدال رئيس لجنة الخارجية والدفاع، إدلشتاين، بعضو الكنيست بيزموث، يهدف إلى تمكين التقدم في قانون التهرب من التجنيد. تُشكّل هذه الخطوة تهديدا حقيقيا لتماسك المجتمع الإسرائيلي، لا سيما إذا سُنّ قانون لا يُلبّي الاحتياجات المتزايدة للجيش (أكثر من عشرة آلاف جندي مقاتل) والمساواة في المجتمع الإسرائيلي، ما يُفاقم العبء غير المعقول على القوات النظامية والاحتياطية.
الخلاصة
في ظل الواقع الراهن، بات من الضروري، وباعتباره الهدف الأسمى والأكثر إلحاحا، وضع خطة لإعادة جميع المختطفين الخمسين فورا وإنهاء الحرب في غزة، إلى جانب وضع استراتيجية لإسقاط “حماس” وإسقاط حكمها، حتى لو امتدت هذه الاستراتيجية فترة زمنية أطول. عمليا، وإلى جانب استمرار الضغط العسكري، تحتاج إسرائيل إلى صياغة بديل حاكم لـ”حماس”، بالتعاون مع الدول العربية والولايات المتحدة. هذا من شأنه أن يمهد الطريق للدول العربية لاستثمار الموارد الاقتصادية اللازمة، والتي تُقدر بعشرات المليارات من الدولارات، في إعادة إعمار القطاع. ستسمح هذه العمليات لإسرائيل بتعميق تحالفها مع الدول العربية والولايات المتحدة، وتركيز أكبر قدر من الموارد والقدرات على مواجهة التهديد الاستراتيجي الذي تشكله إيران. وهذا يشير إلى أن أي قرار، باستثناء القرار الذي يؤدي إلى إطلاق سراح الرهائن وإنهاء الحرب، قد يؤدي إلى تعميق غرق إسرائيل في مستنقع غزة، وإضعافها على الساحتين الدولية والعربية، وتفاقم الانقسامات والصعوبات الداخلية.
عن موقع “معهد السياسة والاستراتيجية”





