الإثنين, أبريل 27, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءالإبادة المستحيلة والمفاوضات الحتمية.. بقلم : ناصر سعيد

الإبادة المستحيلة والمفاوضات الحتمية.. بقلم : ناصر سعيد

طوال فترة الصراع الأخيرة كانت لهجة بعض قادة تل أبيب وواشنطن تقرع طبول نهاية حاسمة، تصريحات تُسوق لفكرةٍ واحدة صريحة — «إبادة» أو «محو» حركة المقاومة، رئيس حكومة الكيان تحدث مرارًا عن ضرورة القضاء على حماس وعن «نصر كامل» لا بديل عنه، وهو خطابٌ لم يتردد في وصفه بأنه ضرورة أمنية ووجودية، وفي بعض المناسبات الرسمية أكد أنه لا تراجع عن هدف «إبادة» الحركة حتى يتحقق النصر.

على المنوال نفسه، لم تخفِ تصريحات شخصيات أمريكية ـ ومن بينها تصريحات كانت تُنسب إلى أجواء إدارية رفيعة ـ النبرة نفسها تحذيرات من أن «النهاية» ستكون سريعة وقاسية إذا لم تُستسلم حماس، وعِبارات حملت وعودًا بـ«ردّ دموي وسريع» إن لم تتوقف الأعمال، حتى تغريدات وتصريحات حملت وصفًا صارخًا بالحزم والعدوانية (عبارات مثل «سريع، غاضب، وحاسم» وردت في سياقات إعلامية).

ولم يقتصر الأمر على الكلام حيث سعت آلة الحرب الصهيونية إلى تقويض بنية الحركة القيادية، فطالت الاغتيالات والضربات المركّزة مسؤولين بارزين في أجنحة حماس والقسام السياسية والعسكرية. تصريحات صهيونية وإعلام دولي رصدت استهدافًا متكررًا لقيادات وصفها الاحتلال بأنها «مخططو» أو «قادة» العمليات، وقد أكدت تقارير موثوقة عمليات اغتيال متتالية طالت أسماء كبيرة ضمن هياكل الحركة.

ومن أعلى سلّم التكلفة الإنسانية جاءت الأرقام المرعبة: وزارة الصحة في غزة، وتقارير وكالات دولية لاحقة، سجلت أن العمليات العسكرية أسفرت عن أكثر من ستين ألف قتيل فلسطيني في القطاع.. رقمٌ قال عنه كثيرون إنه علامة على فشل الاستراتيجية العسكرية في تحقيق أهدافها السياسية المنشودة دون تكبّد ثمن إنساني هائل.

ثم جاء التحوّل الدبلوماسي ليقلب المشهد، بعد شهور من التصعيد والوعيد، أفضت المواجهة إلى مفاوضات انتهت بتوقيع اتفاقٍ حضرته وجوهٌ دولية بينها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، واحتفالاتٍ إعلامية رسمت علامةً من علامات النهاية المؤقتة لفصل القتال، هذا المشهد، بقدر ما يبدو انهزامًا لخطاب «الحل العسكري الشامل»، هو في ذاته اعترافٌ بأن ماكينة التهديد لم تُفلح في محو بدائل المقاومة أو فرض استسلامٍ تام؛ بل إن ثمن الحرب وتداعياتها أجبرت خصومًا كبارًا على مقاربة سياسية جديدة.

الخلاصة التحليلية هنا ليست ترفًا لغويًا: السؤال الذي طرحه “الكاتب الأردني عبد الهادي المجالي”: هل صغرت أمريكا حتى أصبحت بحجم حماس، أم أن حماس كبرت حتى أصبحت بحجم أمريكا؟ يتحوّل إلى استنتاجٍ عملي ليس المقصود تقليص وزن الولايات المتحدة كقوة عظمى، بل الإقرار بأن مقاييس القدرة تغيرت، القوة الآن تُقاس بقدرة الطرف على تحويل المعاناة إلى رافعة سياسية، وبتحويل الاستنزاف العسكري إلى حتمية تفاوضية.

إن الذي تغيّر هو واقع القوة على الأرض، فالتهديدات والهجمات والاغتيالات، رغم فداحتها، لم تؤدّ إلى إلغاء المقاومة أو إيقاف حضورها السياسي، وبالمقابل، أفضت المواجهة إلى معادلات جديدة في السياسة الإقليمية والدبلوماسية، حيث أصبحت المقاومة رقمًا يُحتسب عند ترتيب الحلول، لا مجرد هدفٍ يُضرب حتى الانتهاء.

في نهاية المطاف، لم تُصغّر أمريكا بشكلٍ مادي، لكنها تُجبر اليوم على التعامل مع معادلات قوة أخذت تختلط فيها البطولات الميدانية بالرهانات السياسية… وهذه هي الحقيقة التي أبرزتها مظاهر شرم الشيخ وتوقيع الاتفاقيات التي لم تكن ممكنة لولا إجهاد آلة الحرب وفشلها في تحقيق «النصر الكامل» الذي أُعلِن عبر الشعارات.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب