أصدر “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” إصداره السنوي بشأن التكهنات لعام 2014، الذي يُعنى بالتنبؤات الخاصة بالولايات المتحدة وسياساتها العالمية ووضعه تحت عنوان “السياسة الأمنية الأمريكية على مفترق طرق”، حيث تناول في مقدمته موضوع “تدهور الأوضاع الحكومية الأمريكية”. وقد انقسم الإصدار إلى 4 أجزاء تناولت المواضيع التالية:
1- الجزء الأول: وجاء بعنوان “ترتيب بيتنا الداخلي”، واندرجت تحته العناوين التالية:
– هل يمكننا إعادة بناء إجماع أمني وطني؟
– ارتدادات قضية سنودن: هل يمكننا إصلاح الضرر الذي لحق بالقوة الأمريكية؟
– ما هي الدروس العسكرية التي تعلّمناها من 12 سنة قضيناها في الحروب؟
– ما الأمور التي علّمتنا إياها سوريا بخصوص الوقت المناسب لاستخدام القوة؟
– كيف يمكننا تطوير استراتيجية موارد مستدامة للدفاع؟
2- الجزء الثاني: وجاء بعنوان “تغيّر النظام في الشرق الأوسط”، وتناول المواضيع التالية:
– ما هي الأمور التي ينبغي للولايات المتحدة وحلفائها أن يتوقّعوها من الشرق الأوسط؟
– ما هي الأمور التي ينبغي للشرق الأوسط أن يتوقّعها من الولايات المتحدة وحلفائها؟
– هل عادت روسيا قوة في الشرق الأوسط؟
– هل نستطيع منع التطرّف الذي يتخذ من العنف سلاحاً من الهيمنة على شمال أفريقيا؟
3- الجزء الثالث: بعنوان “المحافظة على إعادة التوازن”، وتحدث عن:
– هل يجدر بنا تغيير مقاربتنا الأمنية في آسيا؟
– ما هو مقدار أهمية “الشراكة عبر المحيط الهادئ” لسياستنا في آسيا؟
– كيف سيؤثّر تغيّر واقع الطاقة في الواقع الجيوسياسي بآسيا؟
– كيف ينبغي لنا التعامل مع المخاطر النووية في آسيا؟
4- الجزء الرابع: تحت عنوان “مقاربات أمنية غير تقليدية”، وتناول التساؤلات التالية:
– هل يوجد فرص لتعزيز التعاون الأمني الإقليمي؟
– ما هي الأمور التي يمكن للقوة المدنية تحقيقها في الأزمات الخارجية؟
– هل يمكننا التكيّف مع الطبيعة المتغيّرة للقوى في القرن الحادي والعشرين؟
وقد اختار “مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية” العناوين التي لها علاقة بمنطقة الشرق الأوسط، والتي تتحدث عن الملفات التي تؤثر وتتأثر بسياسات الولايات المتحدة في المنطقة.
ما الأمور التي علّمتنا إياها سوريا بخصوص الوقت المناسب لاستخدام القوة؟
كلارك أي مورْدوك
بعد 12 عاما من الصراع في الشرق الأوسط، جاءت الحرب الأهلية السورية لتقدم للولايات المتحدة اختباراً صعباً لشهيتها للتدخل العسكري. واجهت إدارة أوباما عزوف الجمهور، انقساماً سياسياً، وأزمة مالية عميقة في الوقت الذي كانت توزن فيه إمكانية وكيفية استخدام القوة في سوريا.
وقد اعتبر استخدام القوة لتحقيق ثلاثة أهداف هي:
– إسقاط نظام الأسد، وتشكيل حكومة من المعارضة المعتدلة
– ردع نظام الأسد عن استخدام الأسلحة الكيميائية
– إقناع سوريا وروسيا بالتزام جيداً بالقضاء على المخزون السوري من الأسلحة الكيميائية.
الوقت المناسب للتدخل عسكريا يختلف مع الهدف، كما سيوضح هذا المقال. وهذا المقال سوف سيستخلص مع بعض الملاحظات ما الذي ينبغي على الزعماء القيام به إذا كانوا يريدون استخدام القوة لتحقيق غاياتهم.
تغيير النظام في سوريا
إذا كان من وقت مناسب لتدخل الولايات المتحدة عسكرياً لفرض تغيير النظام، فقد كان ذلك بعد فترة وجيزة من استخدام الأسد دباباته ضد المتظاهرين السلميين في أيار/ مايو 2011. عمل قريب من الذي قامت به قوات حلف شمال الاطلسي في ليبيا (مثل تدمير الدفاعات الجوية، وفرض منطقة حظر الطيران، وهجمات محددة ضد المدرعات ووحدات المدفعية)، ولكن على نطاق أوسع (بحكم أن سوريا خصم أكثر شراسة ) قد يؤدي الغرض المطلوب. ومع ذلك، بعد مرور أكثر من سنتين، فإن إزاحة النظام في ليبيا قد فقدت طابعها، في جزء كبير منه بسبب عدم وجود خطط للتعامل مع العواقب المترتبة على إزاحة القذافي. كان هناك تأييد سياسي ضئيل، سواء محلياً أو دولياً، للقيام بتغيير النظام في سوريا، ولا أدلة تذكر على أن الرئيس أوباما، على الرغم من خطاب بأن “الأسد يجب أن يرحل”، كان يريد تحقيق هذا الهدف.
في ظل التطورات في سوريا، انتشار الصراع الطائفي والعرقي وتحركات المجموعات المتصلة بتنظيم القاعدة في البلاد، على سبيل المثال، زاد إلى حد كبير من أهمية سوريا بالنسبة للمصالح القومية للولايات المتحدة، كما زادت تكاليف ومخاطر تغيير النظم بالقوة زيادة كبيرة. وقد تلقّت القوات الأمنية السورية تعزيزات من “حزب الله” وإيران وروسيا، ولم تعد المعارضة المعتدلة التي يمكن الوثوق بها جهة رئيسية في القتال من أجل الإطاحة بالأسد.
ردع سوريا عن استخدام الأسلحة الكيميائية
عندما لا تحقق التهديدات الردعية أهدافها، يكون الوقت المناسب لاستخدام القوة قد آن في الحال. إن تنفيذ ضربات ثأرية ساحقة إجراء حاسم لزرع الهيبة الردعية في نفس المعتدي من جديد والمحافظة على صدقية القوة الرادعة في عيون من يراقبون عن كثب شدّة دفاع الولايات المتحدة عن خطوطها الحمر. ففي شهر آب 2012، قال الرئيس أوباما “قلنا بكل وضوح لنظام الأسد، وكذلك للاعبين الآخرين على الأرض، بأن رؤيتنا لأعداد كبيرة من الأسلحة الكيميائية وهي تُنقل أو تُستخدم هنا أو هناك خط أحمر”. ثم كرّر أوباما حديثه عن هذه الخطوط الحمر وقال في نيسان 2013 إن استخدام الأسلحة الكيميائية سيكون عامل “تغيير للّعبة” وأنه “سيغيّر حساباتي” بشأن استخدام القوة.
بعد أن أبلغتْ المملكةُ المتحدة وفرنسا الأممَ المتحدة في أواسط نيسان 2013 بأن سوريا متورطة بعدة هجمات كيميائية محدودة النطاق، احتاجت واشنطن إلى نحو ثلاثة شهور لتأكيد الخبر “بدرجة عالية من الثقة”. وصرّح مسؤول ثانوي في البيت الأبيض بأن الولايات المتحدة المتحدة ستزيد مساعداتها غير الفتاكة وتبدأ بتقديم “دعم مباشر” للجناح العسكري للمعارضة رداً على امتلاك “دليل موثوق” على استخدام النظام السوري أسلحة كيميائية. وأخفق الردعُ الأمريكي عندما ردّ نظام الأسد في 21 آب 2013 بهجوم أوسع نطاقاً بكثير بالأسلحة الكيميائية أودى بحياة 1400 شخص بينهم نحو 400 طفل.
ومع أن التركيز تحوّل الآن إلى تطبيق الاتفاق الذي ينصّ على التخلّص من مخزون سوريا من الأسلحة الكيميائية، لا ينبغي تجاهل حقيقة أن الأوقات المناسبة للردّ على استخدام النظام السوري أسلحة كيميائية جاءت في أواخر ربيع وأواخر صيف العام 2013. ومع أن سوريا قد لا تستخدم أسلحة كيميائية مرّة أخرى، فلن يكون ذلك بسبب تنفيذ الولايات المتحدة تهديداتها الردعية.
التخلّص من الأسلحة الكيميائية السورية
ربما يحين الوقت المناسب لاستخدام القوة دعماً لبرنامج إزالة الأسلحة الكيميائية إذا أخفقت الحكومة السورية في التعاون أو غشّت. وقد بيّن الرئيس أوباما في خطابه للأمّة في 10 أيلول 2013 كيف أن “تهديد الولايات المتحدة الجدّي بالقيام بعمل عسكري” كان من بين جملة أمور أكسبت المبادرةَ الروسية والسورية التي أُطلقت قبل يومين “القدرة على إزالة خطر الأسلحة الكيميائية من دون استخدام القوة”. ونتيجة لذلك، طلب الرئيس أوباما إلى “قادة الكتل في الكونغرس إرجاء التصويت على إجازة استخدام القوة فيما نسلك هذا المسار الدبلوماسي” و”أمر الجيش بالمحافظة على وضعيته الحالية لإبقاء الضغط على الأسد والتأهّب للردّ إذا أخفقت الدبلوماسية”.
يمكن أن تستغرق عملية إزالة المخزون الكيميائي السوري عدة سنين، وهي عملية يتعذّر التحقق منها. وهناك حقيقة مزعجة لكنها توضيحية وهي اكتشاف أسلحة كيميائية في ليبيا عقب سقوط القذافي مع أنه كان يُفترض أنه سلّمها في كانون الأول 2003. إن تحديد الوقت المناسب لممارسة الضغط العسكري لإبقاء عملية دبلوماسية مضطربة على السكة صعب للغاية. وستتاح لسوريا، كما أتيحت للعراق بين حربي الخليج، فرص كثيرة “للخداع والتراجع”، والتي قد تُبرز تحديات “تحدَّثْ وتراجعْ” للولايات المتحدة. وفي ظل عدم وقوع هجوم يستخدم فيه النظام السوري أسلحة كيميائية أو يرتكب مجزرة، سيكون من شبه المستحيل حشد دعم محلي ودولي كافٍ لعمل عسكري أمريكي لإرغام النظام السوري على التعاون في عملية إزالة أسلحته الكيميائية.
العُدّة المناسبة؟
ليست الأمم هي من تتخذ القرارات. الرجال والنساء الذين يشغلون المناصب القيادية هم من يتخذون القرارات. وكما قال وزير الدفاع الأمريكي السابق ليون بانيتا في أواسط أيلول 2013، “عندما يرسم رئيس الولايات المتحدة خطاً أحمر، فإن صدقية بلده تعتمد على التزامه بكلمته”. إن التخلّي عن الخطوط الحمر ليس الجواب لأن ذلك يساوي في الأغلب إعطاء خصوم الولايات المتحدة ضوءاً أخضر. بالتالي، كيف يبني رئيس صدقية خطوطه الحمر (أو يستعيدها إذا تبدّدت)؟
· اعنِ ما تقول وقل ما تعنيه.
· تهيأ لتنفيذ تهديداتك والتعامل مع نتائجها في الوقت نفسه.
· بما أن الأفعال أبلغ أثراً من الأقوال، استخدم القوة من حين لآخر لتظهر عزيمتك.
استخدام القوة ليس من شأن ضعاف القلوب أو المترددين أو المتقلّبين. إن معرفة متى يكون الوقت مناسباً لاستخدام القوة أمر مهم، لكن امتلاك العُدّة المناسب أمر حاسم.
ما الذي ينبغي للولايات المتحدة وحلفائها أن يتوقّعوه من الشرق الأوسط؟
أنتوني كوردسمان
ترنّحت الولايات المتحدة بين الأزمات في الشرق الأوسط في السنة الفائتة، بما في ذلك الأزمات التي وقعت في جميع دول شمال أفريقيا. انصبّ التركيز على مصر تارة، وعلى سوريا تارة، وعلى إيران تارة. وتصدّر العراق واليمن الأحداث بين الحين والآخر. وأضحت ليبيا منشأً لنظريات مؤامرة تلوم أمريكا على علل البلاد، ولم يتضح إلى الآن ما تنوي جهود السياسة الأمريكية تحقيقه في تونس والبحرين.
حان الوقت لكي تدرك الولايات المتحدة والعالم أن “الربيع العربي” سيكون على الأقل عقداً من الأزمات التي تؤثر في إيران و”إسرائيل” بقدر ما تؤثر في الدول العربية. الشيء الذي اتضح بجلاء هو أنه ليس في المنطقة دولة آمنة، وربما نستثني أغنى الدول الخليجية المصدّرة للنفط، مع أن كلاً منها عرضة لانعدام الاستقرار في الدول المجاورة. والواضح بالمثل أن انعدام استقرار المنطقة ككلّ سيؤثر في الدول المحيطة بها مثل تركيا ودول القرن الأفريقي، فضلاً عن جميع الدول المعتمدة على الصادرات النفطية للمنطقة، وعلى التجارة وطرق العبور.
وعليه، فإن للعنف السائد في المنطقة ارتدادات قد تطال أماكن بعيدة مثل الفيليبين وتايلاند وأوروبا والدول الأفريقية جنوبيّ الصحراء الكبرى. زد على ذلك أنه اتضح بالمثل أن ما وصفه “صامويل هانتينغتون” ذات مرّة بـ”صدام الحضارات”، إنما هو شيء مختلف تماماً. فالشرق الأوسط وشمال أفريقيا مركزا صراع على مستقبل الإسلام والسيطرة على الدول التي تسكنها أغلبيات مسلمة وتمتدّ من شرق آسيا إلى المغرب.
لكنّ العدد الكبير من الضحايا سقط في الصراع الدائر بين المتطرّفين السنّة والغالبية العظمى من السنّة والشيعة والطوائف الإسلامية الأخرى الأكثر اعتدالاً. يستهدف المتطرّفون المسلمين وأتباع الديانات الأخرى في الدول الإسلامية أو في الدول التي تضم أقليات إسلامية كبيرة بدءاً بالهند وانتهاءً بلبنان.
وبالمقابل، نجد أن عدد الضحايا الذين سقطوا في كل من الولايات المتحدة وأوروبا على أيدي “إرهابيين” من “القاعدة” وحركات “إرهابية” إسلامية أجنبية كان ضئيلاً منذ أواسط العقد الأول من القرن الحالي، بحيث تشير تقديرات مصادر مثل “المركز الوطني لمكافحة الإرهابالأمريكي” و”مركز محافكة الإرهاب” في وِست بوينت إلى أن نسبة 82 إلى 97 في المئة من ضحايا هجمات المتطرفين الإسلاميين كانوا مسلمين. وسقط جلّ هؤلاء في دول إسلامية أساساً أو في دول ذات أقليات إسلامية كبيرة جداً وقديمة مثل الهند ونيجيريا.
غالباً ما تركز المناقشات السياسية الدائرة في الولايات المتحدة حيال الشرق الأوسط على محاولة واشنطن التعامل مع كل أزمة سياسية حالية على حدة. لذلك سعى المسؤولون في الإدارة الأمريكية للتعامل مع مصر بالتركيز على التعريف القانوني لكلمة “انقلاب” وعلى أمل التوصل بطريقة ما إلى تسوية تفاوضية بين الجيش وحركة الإخوان المسلمين. وتعاملت الإدارة مع سوريا بمحاولة تجاهل الحرب الأهلية بقدر الإمكان ثم صرف التركيز إلى الأسلحة الكيميائية. وفي أغلب الحالات، بدا أن واشنطن سعت لتجاهل القوى المحرّكة الداخلية العميقة أملاً بحصول الأفضل.
آن الأوان لكي نعترف بالحجم الكبير للقوى المؤثرة. إن الصراع العنيف المتعاظم على مستقبل الإسلام ثمرة عقود من السياسات والحوكمة العلمانية الفاشلة في تلك الدول، وهي مرتبطة بمشكلات ديموغرافية كبيرة وتنمية اقتصادية ضعيفة أو معدومة، وانقسامات طائفية وإثنية وقبلية عميقة. كما أننا لا نستطيع تجاهل عقود من الجهود الفاشلة لبناء هياكل سياسية قادرة على البقاء، وحوكمة فاعلة ونزيهة، فضلاً عن بسط القانون والأمن الداخلي.
إن الدعوات المطالِبة بالديمقراطية السريعة وحكم القانون وضمان حقوق الإنسان بناء على القيم الغربية، تفتقر إلى مؤسسات مناسبة لكي تعتمد عليها. تتجاهل هذه الدعوات حقيقة أن العنف أو الثورات الشعبية العارمة وحدها تستطيع على الأرجح إحداث تغيير سياسي في هذا السياق. لكنّ الثورات الشعبية لن تفضي إلى توطيد القوى السياسية التي أطلقتها لغياب الحلول السريعة ولعدم امتلاك الدول نظماً سياسية وهياكل حوكمة قادرة على البقاء، أو لعدم القدرة في حالات كثيرة على تفعيل الاقتصادات على نحو يحقق التطلّعات الشعبية في أقلّ من عقد.
فكّر في القوى التي يمكن للوقت والأزمات المتكررة فقط ترويضها: وكما أظهر عقدان من تقارير التنمية الإنسانية العربية الصادرة عن الأمم المتحدة وتقارير حقوق الإنسان الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية، هناك قوانين حقيقية محدودة في موازاة نظمٌ قضائية تمارس إجراءات أمنية تعسّفية في حين أن النظام القضائي العادي وأجهزة فرض النظام معطَّلة أو فاسدة. والدساتير ليست أكثر من أكداس من الورق في الأغلب أو أنها تُستخدم بطريقة انتقائية لتعزيز سيطرة الدولة. وحقوق الإنسان مهدورة وسط صراعات إثنية وطائفية وسياسية ودينية وهي مسألة منزلة أو مكانة نسبية غالباً. كما أن الفساد، ورأسمالية المحسوبيات، والقطاعات الحكومية عديمة الكفاءة على نحو مروّع، والتوظيف الزائد الكثيف فيها، وانعدام المساواة المطرد في توزيع الدخل، والدخول النفطية الموزعة بشكل سيئ تعني أن هذه الدول لا تستثمر مبالغ كافية في النظامين التعليمي والطبي، وكذلك في الإسكان والمياه والبنى التحتية.
كما أن رقعة الأرض والمياه والرساميل وهياكل الأسواق المحدودة أوجدت أزمة متعاظمة من نوع مختلف. فقد جعلت العديد من الدول معتمدة بالكامل على الاستيراد لتأمين غذائها بينما يُطرد الناس من أراضيهم في الوقت نفسه. والتوسع العمراني المفرط وتزايد رقعة الأحياء الفقيرة والفقر العام في البلاد يؤثر حتى في الدول النفطية مثل المملكة العربية السعودية.
يحكي متوسط دخل الفرد قصة كئيبة، حتى لو تجاهل المرء تزايد انعدام المساواة في الدخل الذي قلّص بقوة مدخول الطبقة الوسطى أو حدّ منها بدرجة كبيرة بينما زاد الأثرياء ثراءً. تتباين تأثيرات مزيج القوى هذا من دولة إلى أخرى وبدرجات متفاوتة. يحكم بعضَ الدول نظم لا بدّ وأن تجد طرقاً للتعامل مع القوى التغييرية هذه، وسيتمكن بعضها من التطور مع إدخال أدنى قدر من التغييرات في هياكل سلطته وحكومته. وسيمرّ البعض الآخر بتغيير في ظل نظم استبدادية جديدة، وسيعيش أغلب هذه الدول مدة نصف عقد على الأقل من الثورات المتكررة وتغيير الحكم بواسطة انقلاب أو حرب أهلية أو ثورة شعبية عارمة. وسيقع في خضم هذه العملية عنف طائفي وإثني وقبلي وإقليمي بين الدول المتجاورة، وسينتج عن جنوح العناصر التي تؤمن بالعنف في شعوب تلك الدول إلى التطرّف وستتخذ من العنف سلاحاً وإرهاباً وقمعاً.
لا يمكن للولايات المتحدة تجاهل هذه الحقائق. وكل سنة تمرّ تزيد الولاياتِ المتحدة اعتماداً على الاقتصاد العالمي، فضلاً عن اعتماد العمالة والفرص الوظيفية في الولايات المتحدة على الاتجاهات العالمية. واستناداً إلى تقديرات وزارة الطاقة الأمريكية في سنة 2013، لن تحقق الولايات المتحدة الاكتفاء الذاتي في الطاقة حتى سنة 2035. والاحتياطات الضخمة من النفط لن تقلل الاعتماد المباشر على الاستيراد إلاّ بنسبة 67 في المئة وعلى مدى سنين معدودة.
ستظل الولايات المتحدة معتمدة على الاستيراد من آسيا وأوروبا (علماً بأنها تصدّر منتجاتها إلى تلك القارّتين)، وهاتان القارّتان تستوردان النفط والغاز من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. أضف إلى ذلك أن أسعار النفط المحلي وأسعار الواردات غير النفطية سترتفع تبعاً للأسعار العالمية حين وقوع أزمة طاقة في أي منطقة.
لا يمكن لأي دولة عربية صديقة ولا “لإسرائيل” أن تكون آمنة من دون الدعم والمساعدات العسكرية الأمريكية. ولن يكون الاستقرار الإقليمي ممكناً من دون تواجد عسكري أمريكي قوي، إضافة إلى تشديد متزايد على الشراكات في مجالي الأمن ومكافحة الإرهاب، وبذل جهود أمريكية للخروج من الصراعات الداخلية والدولية، فضلاً عن تقديم مساعدات عسكرية لمنع نشوب هذه الصراعات واحتوائها وإنهائها.
إذا كان في نية الولايات المتحدة التعامل مع هذه الحقائق، يتعين علينا البدء بالأقرار بأن الدبلوماسية واستخدام القوة في الأزمات يُثمر في أحسن الحالات حلولاً مؤقتة لدعم مصالح الأمن القومي الأمريكي الملحّة فعلاً. ويتعين علينا إدراك أن محاربة “الإرهاب” والتطرّف تتجاوز بكثير مجرّد التعامل مع ظواهره اليوم مثل تنظيم “القاعدة”، وأنه سيستمرّ ويُحاكَى ويتكاثر مرة أخرى إلى حين إزالة أسبابه الكامنة بالتدريج.
يتعيّن علينا إدراك أن العديد من القيم الأساسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مرتبطة بالإسلام والعرب والأعراف المحلية وليس قيمنا وأعرافنا. والدعوات المطالبة بالتطبيق الفوري للديمقراطية ستعود على الأرجح بنفس نتائج الحقبة التي تلت الاستعمار “الرجل الواحد والاقتراع الواحد ولمرّة واحدة”. كما أن حقوق الإنسان ليست مرعية ولا محل طموح عالمي، وستتطور ببطء وبطرق مختلفة. وليس في استطاعة الولايات المتحدة السيطرة على الثورات والحروب الأهلية الداخلية أو رسم مسارها حين وقوعها، ولكنها تستطيع ممارسة ضغط وتأثير محدود فقط بمساندة أفضل العناصر والضغط على أسوئها.
وسيحتاج الإصلاح الاقتصادي الفاعل حقاً إلى سنين ربما تزيد على عشر من التأثير والضغط الخارجي والمساعدات الخارجية الدقيقة التركيز. وستستغرق إعادة هيكلة الجيش والقوى الأمنية سنين طويلة كذلك من الجهود والدعم الاستشاري العسكري الأمريكي الدؤوب. والحديث عن المعايير الدولية المتصلة بحكم القانون والدساتير وفرض النظام لن يكون بديلاً عن سنين من الجهود الاستشارية الدؤوبة.
لا تستطيع الولايات المتحدة تحقيق أي مما تقدم من خلال الكلام وبذل جهود في المنطقة في نواحي الدبلوماسية العامة والعقوبات وقطع المساعدات ومحاولة إدارة المنطقة من واشنطن أو التعامل مع الدول المختلفة والدمج بين المشكلات كما لو كانت متشابهة. ولن يتسنّى تحقيق تقدم حقيقي بالتركيز على كل أزمة كما لو أنه لن تقع أزمات بعدها، وبحل الأزمة بعلاج عوارضها مؤقتاً عوضاً عن علاج أسبابها الكامنة. وستحتاج الولايات المتحدة إلى التعامل مع حالة كل دولة على حدة، مع أنه ليس في وسعها تجاهل النطاق الكامل للقوى الإقليمية والخارجية المؤثرة. وهي في حاجة إلى إدراك أن التأثير الفاعل إنما يمارَس على الدول كل على حدة ومن قبل فِرق السفارات الأمريكية في الأغلب في الدول المختلفة. وهذا الوقْع البطيء المتعاظم للجهود التي تبذلها فِرق السفارات على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي ومحاربة الإرهاب وحقوق الإنسان لممارسة ضغط دؤوب ومتّسق على هدف مستجدّ وتقديم المساعدات له بأمل إحراز تقدم.
لا يمكن أن يكون نجاح الولايات المتحدة بالترنّح بين الأزمات أكبر من نجاحها بالدعوة إلى إنهاء التاريخ أو الأمل باستنساخ مثالي للثورة الأمريكية. فلا يمكنها النجاح بدعم مزيج من منفيين مشكوك فيهم، أو باستخدام القوة من دون أخذ الاستراتيجية في الاعتبار. ربما تكون القوة لازمة، لكنّ استخدام القوة لا معنى له ما لم يكن مرتبطاً بالجهود المبذولة ليكون له وقْع على التغيرات في المشهد السياسي وفي الحوكمة.
يتعين على الولايات المتحدة التركيز على جهود استراتيجية مستمرة ودؤوبة على مدى العقد القادم على الأقل. ويتعين عليها القبول بحتمية حدوث انتكاسات، وتكبّد خسائر في العملية، والمحاولة المرة تلو المرة. وعلى غرار الحرب الباردة، ستكون هذه المرحلة حقبة تتميز بالتقدم البطيء، تقدم يتم إحرازه من خلال التأثير الدؤوب، والاستعداد لتحقيق التغيير والتقدم بمساعدة الحلفاء والمؤسسات الدولية. لكنّ الصبر والاستعداد للقبول بالحقائق المعقدة ليسا في عداد القيم الأمريكية دائماً. وآن الأوان ليكونا في عدادها.
ماذا ينبغي أن يتوقع الشرق الأوسط من الولايات المتحدة وحلفائها؟
جون ب. ألترمان
النفوذ الغربي في الشرق الأوسط لديه عدة محركات: اقتصادات غربية قوية، تجارة قوية مع المنطقة، ونفوذ دبلوماسي في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، وراء كل تلك العوامل، هناك رغبة من الدول الغربية “للذهاب إلى الحرب للدفاع عن أصدقائها ومصالحها في الشرق الأوسط”.
في نواح كثيرة، كانت إحدى المظاهر التوراتية لهذا الالتزام هي حرب الخليج عام 1991، والتي دفعت أكثر من عشرة جيوش غربية على رأسها الولايات المتحدة، إلى مواجهة غزو صدام حسين للكويت، والدفاع عن المملكة العربية السعودية.
عندما سعى زعماء غربيون للذهاب إلى الحرب في آب/ أغسطس الماضي لمعاقبة بشار الأسد على استخدامه الأسلحة الكيميائية، الجماهير في البلدان الثلاثة -الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، كانت متشككة جدا، وقد قيّدت رغبات حكوماتها للدخول في حرب محدودة. يمكن لأحد أن يوجه اللوم بسبب هذا الرفض لهذه الحكومات التي تفتقر إلى المهارة السياسية، وأيضاً افتقار سوريا للموارد الطبيعية التي تشكّل مطمعاً، أو ببساطة التعب بعد عقد من الحرب في أفغانستان والعراق. إذا كان هذا صحيحا، فإن عزوف الجماهير عن تأييد الحرب في سوريا لا يخبرنا بشيء عن مستقبل الدور الغربي في الشرق الأوسط. ولكن، إذا ما بحثنا أكثر عن كثب، فإنه يبدو فعلاً أننا وصلنا الى نقطة انعطاف، وأن هذا الالتزامات العسكرية الغربية تجاه المنطقة، وبالتالي العلاقات المبنية على أساس هذه الالتزامات، بدأت تتغير بشكل مهم للغاية.
هناك خمسة أسباب على الأقل تدعم فكرة أن هناك موقفاً جديداً ودائماً في طور التبلور:
· أولا، كانت نتائج التدخلات السابقة مختلطة في أحسن الأحوال. سعت الدول الغربية إلى تحقيق مزيد من الأهداف السياسية المعلن عنها من خلال الوسائل العسكرية، والتي جاءت نتائجها بسرعة. تعقيد السياسة المحلية والرهانات العالية التي تشعر بها الجهات المحلية الفاعلة يعني أن الأمر سيستلزم المزيد من الموارد لتشكيل سياسة أبعد مما تكون الدول الغربية على استعداد للحفاظ عليها.
· ثانياً، تجارة الطاقة آخذة في التغير. نمو الإنتاج في أمريكا الشمالية، وتسطيح الطلب الأوروبي، والصعود الآسيوي، كل ذلك يطرح مجموعة مختلفة من المصالح للدفاع عنها. ومن الجدير بالذكر أن العلاقات التجارية المتنامية من المستهلكين في آسيا تجاه الشرق الأوسط لم تزد من التزام آسيا بأمن المنطقة، أو حتى تكملة الجهود التي تبذلها الدول الغربية. والرأي العام الغربي يلاحظ ذلك.
· ثالثاً، ميزانيات الدفاع في الدول الغربية من المرجح أن تظل مقيّدة لعدة عقود، في ظل التحولات الديموغرافية والاستحقاقات التي تستهلك نسب متزايدة من الميزانيات الوطنية. في مثل هذه البيئة، الجمهور قد يرى أية التزامات تجاه الخارج على أنها نوع من الترف.
· رابعاً، التهديد المتزايد من الجهات الفاعلة من غير الدول يغيّر المعادلة الأمنية. الجيوش الغربية الكبيرة ليست فقط لا تقوم بردع هذه التهديدات، لكنها في بعض الأحيان تشجعها. علاوة على ذلك، الحكومات الغربيةتختلف بشكل ملحوظ عن حلفائها في الشرق الأوسط حول كيفية مواجهة هذه التهديدات، حيث تحبذ الحكومات الغربية استخدام السياسة بشكل أوسع، في حين أن حكومات الشرق الأوسط غالبا ما تختار مزيجاً من محاولة الاستقطاب واستخدام أسلوب الإكراه. الأمن، بهذه الطريقة، يصبح مساحة للاحتكاك بدلاً من أن يكون الأساس في توطيد التعاون.
· خامساً، استمرار المشاركة الغربية لم يولّد امتناناً من معظم الجماهير في الشرق الأوسط، وفي بعض الحالات، كانت النتيجة عكس ذلك تماما. إن مجرد الشعبية لم يكن أبداً الهدف من الجهود الغربية، والعداء المستمر يقلل من رغبة الجمهور الغربي بالحفاظ على الاستثمار في المنطقة.
ما تشير إليه هذه النقاط الخمس هو محاولة استمرار الجهود الغربية أكثر في الإبقاء على مسافة بين الغرب والشرق الأوسط. مما لا شك فيه أن الحكومات الغربية لن تقطع العلاقات مع الشرق الأوسط، وسوف تستمر في بيع الأسلحة وتدريب القوات على مواجهة التهديدات الأمنية. حتى الآن، يبدو من المرجح أن تركز الدول الغربية على مجموعة محددة وضيقة من التهديدات الأمنية التي تتصدر المشهد، مع التركيز على التجارة من خلال الممرات المائية الرئيسية ومع درجة الانتباه أقل للأوضاع داخل وبين البلدان.
وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن وجود مجموعة علاقات أكثر تباعداً في الشرق الأوسط سوف يجعل من الصعب عليها أن تعمل على الصعيد العالمي. وعلى وجه الخصوص، فإن العلاقة المختلفة مع مصر ربما تزيد من الصعوبات في التحرك بين أوروبا والبحر الأبيض المتوسط من جهة، وآسيا والخليج من جهة أخرى. التحفظ تجاه حالة عدم الاستقرار في البحرين، قد تؤدي على الأرجح إلى تراجع تأثير التواجد العسكري الامريكي في منطقة الخليج على نطاق أوسع.
ومع انخفاض العلاقات العسكرية، قد تتراجع علاقات الولايات المتحدة التجارية مع المنطقة بدورها. وقد قامت الحكومات باستثمارات استراتيجية في السلع والخدمات الأمريكية في جزء منها للمحافظة على تركيز واهتمام الولايات المتحدة. وإذا ما تشتت هذا التركيز، فإن ذلك سيؤثر لا شك على الدولار. بالنسبة لبعض الدول المجاورة لإيران، ومع عدم تواجد الولايات المتحدة، جنبا إلى جنب مع وجود قيادة إيرانية أكثر تصالحية، فإن ذلك قد يدفع إلى تقارب محدود عبر دول الخليج. في “إسرائيل”، التزام امريكي عسكري أكثر غموضاً من المحتمل أن يكون له تأثير معاكس، حيث سيُقنع “الإسرائيليين” بأنهم أكثر عزلة وبالتالي سيدفعهم للتصرف على نحو أكثر قوة لردع أعدائهم.
عموما، ومع ذلك، فإن هذا التحول يشير إلى وجود استعداد لدى الولايات المتحدة لقبول المزيد من التقلبات في منطقة الشرق الأوسط، انطلاقاً من الاقتناع بأن ذلك لن يؤدي إلى زيادة التقلبات في الولايات المتحدة نفسها. ومن شأن هذا النهج أن يُمثل تبرّؤاً من نهج إدارة بوش منذ 11 أيلول/ سبتمبر 2001، والذي وضع الشرق الأوسط في نقطة ارتكاز أمن الولايات المتحدة.
على مدى السنوات القليلة الماضية، دول الخليج المتحفظة لاحظت قيام إدارة أوباما بإعادة التوازن تجاه آسيا واشتكت من التجاهل. ومع ذلك، بالنسبة للولايات المتحدة وقوى غربية أخرى، المنطقة آخذة في التغير، وبالتالي علاقة الولايات المتحدة معها ستتغير أيضا.
هل عادت روسيا قوة في الشرق الأوسط؟
أندرو سي كوشينز
إن اتفاقية كيري لافروف التي تم التوصل إليها في أيلول والتي تنصّ على أن تتخلّى سوريا عن أسلحتها الكيميائية أعادت الحرارة إلى الخط الساخن الذي يرجع إلى حقبة الحرب الباردة مع كثرة الكلام عن أن روسيا اليوم أكثر قوة وتأثيراً في الشرق الأوسط من أي وقت مضى في السنين الأربعين أو الخمسين الماضية وأن صعودها يأتي على حساب الولايات المتحدة بشكل مباشر. لا ريب أن القوة والهيبة الأمريكية في الشرق الأوسط قد تلقت عدداً كبيراً من الضربات منذ غزو العراق في سنة 2003 وحلول الربيع العربي قبل نحو ثلاث سنين. لكن هل في المنطقة قادة يطالبون بإجراء مكالمة فيديوية مع الرئيس فلاديمير بوتين؟ كلا. لو وضعنا علاقات روسيا المهتزّة مع إيران ومع بشار الأسد، يتبين أن الروابط الروسية مع المملكة العربية السعودية وتركيا وأغلب دول الخليج العربي قد ازدادت سوءاً منذ حلول الربيع العربي في كانون الثاني 2011.
وماذا عن “الحرب الباردة الجديدة” التي يروق للجميع الحديث عنها؟ كفاك هزلاً. فحتى مع تجاوز سعر برميل النفط عتبة المائة دولار، يعاني الاقتصاد الروسي من ركود، إذ أنه ينمو بمعدل يقل عن اثنين في المائة. ورئيس الوزراء دميتري مدفيديف طالب أصلاً بموازنة “تقشّفية” في سنة 2014. يتراوح الناتج المحلي الإجمالي الروسي اليوم بين 12 و15 في المئة من قيمة نظيره الأمريكي، وبالكاد يشكل ذلك الأساس لمنافسة القوة والنفوذ الأمريكي في العالم مثلما فعل الاتحاد السوفياتي ذات مرّة. والخطط الرامية إلى تحديث الجيش الروسي بعيدة كل البعد عن ذلك النوع من بسط النفوذ العالمي الذي أنفق عليه القادة السوفيات المليارات، وهو ما أسهم في انهيار الاقتصاد السوفياتي وزواله في النهاية. وهذه غلطة لا تنوي موسكو الوقوع فيها مجدداً.
لدى الرئيس بوتن طموحات عظيمة بشأن اتحاده الأوراسي، لكنّ الجائزة الكبرى، أعني أوكرانيا، أعلنت أصلاً إيثارها تكاملاً اقتصادياً أوثق مع الاتحاد الأوروبي. ومع أن أرمينيا وافقت على التوقيع على خطة بوتين بعد أن مارست عليها موسكو ضغوطاً شديدة في أيلول، ومع أن المناقشات دائرة بشأن انضمام قرغيزستان وربما طاجيكستان إلى الاتحاد أيضاً، فبالكاد يشكل قوة اقتصادية عالمية جديدة. وفي هذه الأثناء، الصين تعمل على شراء أصول في “منطقة المصالح المميزة” لروسيا. ففي حين قام بوتين بانقلاب دبلوماسي في سوريا، أنفق الرئيس الصيني كسي جينغ بينغ من دون حساب في آسيا الوسطى حيث وقّع في أيلول صفقات ناهزت قيمتها 100 مليار دولار خُصص أكثرها لتملّك إمدادات وأصول في قطاع النفط والغاز. وأشار تقرير لصحيفة “الغارديان” إلى أن شركة صينية تسعى لشراء ما يصل إلى 5 في المائة من الأراضي الزراعية الأوكرانية. وفي حين تشتكي وسائل الإعلام والسياسيون الغربيون من بوتين وسوريا، تُغير الصين على مطبخ روسيا.
وفي ما يختصّ بسوريا، فهِم الروس على الوجه الصحيح ما أخطأت إدارة أوباما في فهمه وهو بقاء الأسد في السلطة. فالصيحات المستمرة من جانب المسؤولين في إدارة أوباما بأنه يتعيّن على الأسد الرحيل قبل المفاوضات لم تحقق شيئاً يُذكر بالنظر إلى أنه ليس هناك جهة، بما في ذلك إدارة أوباما، لديها الإرادة أو الوسيلة لحمله على الرحيل. وهناك الكثير من الأمريكيين داخل الإدارة وخارجها ممن يشعرون بالاشمئزاز من سلسلة الحوادث التي أوصلتنا إلى نقطة الاعتراف بحكومة الأسد والتعامل معها بحكم الأمر الواقع بما أن شعبه الوحيد الذي يستطيع تنفيذ اتفاقية الأسلحة الكيميائية. لكنّ ذلك يفتح آفاقاً كبيرة أمام مفاوضات محتملة على النواحي الأخرى للأزمة الإنسانية داخل سوريا وخارجها نتيجة للحرب الأهلية. وربما يؤدي التعاون مع روسيا بشأن سوريا إلى التعاون مع روسيا في قضايا أخرى مثل إيران.
ستثبت الأيام إن كانت عروض الرئيس الإيراني روحاني المنتخَب حديثاً ستؤدي إلى حل لمأزق البرنامج النووي الإيراني في النهاية والذي يحتل أولوية قصوى بالفعل في نظر إدارة أوباما. لكن إذا صمدت التسوية التفاوضية التي تقضي بتخلّي سوريا عن ترسانتها من الأسلحة الكيميائية، فقد تكون سابقة تمهّد لتعاون بين واشنطن وموسكو في موضوع إيران. الواضح أنه ليس لموسكو في طهران ذلك النفوذ الذي تتمتع به حالياً في دمشق، لكن حلحلة الجمود الأمريكي الروسي في سوريا، إذا استمرت، ستُوجد بيئة أكثر مواتاة لتأمين الدعم الروسي في موضوع إيران.
على النقيض من الرأي الشائع، كانت إدارة كل من جورج دبليو بوش وأوباما راضية عموماً عن التعاون الروسي في مسألة البرنامج النووية الإيراني. فقد تقدم الرئيس بوتين باقتراحات بنّاءة للغاية في سنة 2006 للتخلّص من الموادّ النووية الإيرانية المستخدمة في الأغراض السلمية على نحو يمكن التحقق منه. وفي أثناء رحلة قام بها بوتين إلى طهران في سنة 2006، وكانت آخر رحلة إلى ذلك البلد، لاقت اقتراحاته رفضاً من جانب القيادة الإيرانية، وتوترت العلاقات بين بوتين والرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد منذ ذلك الحين. يرغب بوتين من دون شك في حل المسألة الإيرانية وفي لعب دور في حلها. صحيح أن السياسة الخارجية الروسية في العقد الماضي ركّزت في الأغلب على لجم النفوذ الأمريكي من دون تقديم حلول بنّاءة، إلا أن سوريا قد تشكّل نقطة تحوّل. وفي هذه الحالة، ربما يتكون زخم وقدر كافٍ من الثقة بين موسكو وواشنطن للعمل بفاعلية معاً على مواجهة التحدي الأمني الأكثر إلحاحاً في الشرق الأوسط.





