الرئيسيةالاخبارنفوذ روسيا المتنامي في الشرق الأوسط

نفوذ روسيا المتنامي في الشرق الأوسط

220681

ربما استطاع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إنجاز هدفه الذي يرغب فيه أكثر ما يكون في العام 2013. فقد تمكن بنجاح من وضع روسيا لتكون بلداً لا يمكن الاستغناء عنه في حل المشكلات الدولية الرئيسية. ولم يكن نجاحه مشهوداً في أي مكان بمثل ما كان عليه في الصراع السوري وفي المفاوضات النووية الإيرانية. فقد ساعدت الصفقة التي توسطت فيها روسيا لوضع ترسانة سورية الكيميائية تحت سيطرة مراقبين دوليين في تجنب توجيه ضربات عسكرية ضد النظام السوري. كما ظهرت روسيا أيضاً كصوت قوي في مجموعة (5+1)، متيحة المجال لإيران لتجنب التعرض لعقوبات أشد ضد برنامجها النووي، من خلال التوصل إلى صفقة مؤقتة في جنيف في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2013.

 لكن روسيا تلعب وراء الكواليس دوراً أكثر أهمية، بحيث صارت لاعباً يقوى حضوره بازدياد في الشرق الأوسط الكبير. وهو اتجاه لا يستطيع الغرب تجاهله. ووفق تقارير صحفية روسية، توصل الكرملين إلى صفقة أسلحة بقيمة ملياري دولار مع مصر في الشهر الماضي، في تتويج لأعوام من جهود الكرملين الهادئة لإحياء علاقات روسيا مع المنطقة في فترة الحرب الباردة.
وفي كلمة ألقاها الشهر الماضي في لندن، قال ميخائيل مارغيلوف، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الفيدرالية الروسية: “اليوم تعود روسيا إلى العديد من المناطق التي كانت قد خسرتها في التسعينيات. وأنا أتحدث عن القارة الإفريقية والشرق الأوسط. كانت روسيا واضحة تماماً بخصوص مصالحها في تلك المناطق، حتى قبل الربيع العربي…”.
يتخذ النفوذ الروسي في المنطقة عدة أوجه. فعلى سبيل المثال، أصبحت روسيا أكثر حضوراً باطراد في عملية السلام الشرق أوسطية، منذ انضمامها في البداية إلى اللجنة الرباعية قبل أكثر من عقد. وبدلاً من المصادقة ببساطة على الموقف الأميركي أو الأوروبي، يسعى الكرملين إلى وضع بصمته الخاصة على جدول الأعمال. وفي العام 2006، على سبيل المثال، دعا بوتين قادة حماس إلى زيارة موسكو، في إشارة إلى أنه لا يتعامل معها كمنظمة إرهابية. كما انتقل بوتين إلى عرض نفوذه المتنامي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ففي حزيران (يونيو) من العام 2012، سافر إلى إسرائيل بعد تسعة أشهر من قيام باراك أوباما بأول زيارة يقوم بها لإسرائيل كرئيس أميركي في آذار (مارس) من العام 2013. وفي اجتماع مع الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريس، قال بوتين: “إن من مصلحة روسيا القومية أن يتم التوصل إلى السلام والسكينة في الشرق الأوسط“.
في العراق، عملت روسيا منذ العام 2003 من أجل استعادة العقود النفطية التي كانت قد خسرتها عندما قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها بإسقاط حكومة صدام حسين، وكسبت شركة “لك أويل” عدداً من العقود النفطية الضخمة منذ ذلك الحين. وكان الأحدث توقيع الكرملين في العام 2012 صفقة أسلحة بقيمة 4 مليارات دولار مع العراق –في صفقة الأسلحة الأضخم خلال رئاسة بوتين، والتي جعلت العراق ثالث أكبر مشترٍ للأسلحة الروسية. وطبقاً لتقارير صحفية روسية، فقد بدأت عمليات شحن الأسلحة في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2013، بعد تأخير ذكر أن سببه كان إدعاءات بالفساد في داخل البرلمان العراقي.
ماذا يقف وراء هذه التحركات؟ من المهم أن نتذكر أن وصول روسيا ليس أيديولوجياً هذه المرة. وقد أقام الكرملين علاقات مع الإخوان المسلمين، حتى بالرغم من أن تلك المجموعة كانت مدرجة على القائمة الروسية للتنظيمات الإرهابية منذ العام 2003. وعندما قام وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، بجولة شرق أوسطية في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2012، جعل من مصر التي كانت جماعة الإخوان المسلمين تتولى زمام الحكم فيها أول محطة له. وعندما أقصى انقلاب الجيش المصري محمد مرسي في تموز (يوليو) من العام 2013، بدا بوتين حريصاً على العمل والتعاون مع الحكومة العسكرية. وبالمثل، وحتى بينما يحتفظ الكرملين بعلاقاته مع حكومة المالكي في العراق، يسعى المسؤولون الروس للوصول إلى كردستان العراق. وفي شباط (فبراير) الماضي، قام رئيس كردستان العراقية مسعود البرزاني، بزيارة روسيا بشكل رسمي من أجل تقوية الروابط مع موسكو. وقد يعتقد الأميركيون بأن البرزاني العلماني هو حليف أميركي طبيعي، لكن بوتين يعرف أن البرزاني يستطيع أن يكون متقلباً. وتجدر الإشارة إلى أن والد البرزاني، الملا مصطفى البرزاني، كان قد هرب إلى الاتحاد السوفياتي حيث أمضى مسعود البرزاني قسماً من طفولته.
إلى ذلك، نما التواجد الدبلوماسي والتجاري الروسي مع دول مجلس التعاون الخليجي بسرعة أيضاً. وفي العام 2007، قام بوتين برحلة إلى دول الخليج، وهو الأمر الذي لم يسبق أن قام به أي زعيم دولة روسي –أو سوفياتي. وتبع تلك الجولة عدد من الزيارات المتبادلة مع مرور الأعوام. واستمر التعاون في النمو وتوج في الحوار الاستراتيجي بين دول مجلس التعاون الخليجي وروسيا، والذي بدأ في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2011 مركزاً على موضوعات تتفاوت بين الأمن والتجارة والاستثمار والتبادلات الثقافية. بالإضافة إلى ذلك، عملت الحكومة الروسية من أجل تأطير صورتها من خلال محطات الأقمار الاصطناعية الناطقة بالعربية والإعلام الخاصين بها. ومن بين هذه المنافذ الإعلامية، كانت محطة “روسيا اليوم” الناطقة بالعربية والممولة من الكرملين. وبينما قمع بوتين حرية الإعلام في روسيا، فقد رفض مع ذلك خفض تمويل “روسيا اليوم” التي تعمل بلا كلل ولا ملل من أجل إيصال وجهة نظر مؤيدة للكرملين إلى ملايين المشاهدين الناطقين بالعربية.
صحيح أن روسيا تواجه العديد من المعيقات الداخلية -الديموغرافية والاقتصاد الذي يضعف والفساد- التي تحول دون أن تصبح قائداً كونياً حقيقياً. لكنه في الوقت الذي تنظر فيه الولايات المتحدة إلى الداخل وتعيد النظر في موقفها العالمي، تبدو روسيا وأنها تعوّل على التراجع الغربي. وقد لا ينظر الرئيس أوباما إلى الوضع في الشرق الأوسط على أنه منافسة محصلتها صفر، لكن بوتين يبدو كذلك، لا سيما وأنه يسعى إلى تعبئة الفراغ عندما تنسحب الولايات المتحدة.
الحقيقة هي أن المسؤولين العرب الرفيعين الذين نشأوا وهم يتعاملون مع الاتحاد السوفياتي، غالباً ما يشعرون براحة في العمل مع نظرائهم الروس أكثر من التعامل مع نظرائهم الأميركيين. وهم ليسوا بحاجة على الأقل إلى القلق من قانون ممارسات الفساد الأجنبي عندما يعملون مع موسكو. وفي حقيقة الأمر، تعتبر البلدان العربية روسيا شريكاً أكثر موثوقية واستقراراً مقارنة مع الغرب عموماً. وعلى سبيل المثال، التفتت مصر نحو روسيا من أجل الحصول على أسلحة كانت الولايات المتحدة قد حرمتها منها في أعقاب عزل الرئيس مرسي. وإذا نزعنا ذلك من السياق، فإن هذه قد لا تكون خسارة كبيرة للغرب. لكن الزخم يهم؛ إن كل هذه الخسائر الصغيرة قد تضاف إلى خسائر أكبر منها بكثير.
الآن، أصبح تراجع الولايات المتحدة من الشرق الأوسط يلحق الضرر بالمصداقية الأميركية مع الحلفاء التقليديين، وسيعيق المصالح الأميركية الطويلة الأمد بقسوة. وليس بوتين وحيداً في انتهاز الفرص من أجل تعزيز مصالحه حيثما تقدم هذه الفرص نفسها له. لكن باستطاعة واشنطن عمل ما هو أكثر من أجل خفض عدد هذه الفرص التي تقدمها له.

آنا بورشيفسكايا — (سي إن إن)

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني-الغد الأردنية

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب