الخميس, أبريل 30, 2026
spot_img
الرئيسيةزواياأقلام واراءصور الحرب السورية.. إعلانات دعائية للموت...بقلم: سوزي لينفليند

صور الحرب السورية.. إعلانات دعائية للموت…بقلم: سوزي لينفليند

file

من المريع مشاهدة الصور التي نُشرت مؤخراً، والتي يفترض أنها أتت من ذاكرة تخزين هائلة تضم 55.000 صورة، تصور جثثاً مهزولة مخنوقة ومضروبة، يُزعم أنها التُقطت في داخل سجون الرئيس السوري بشار الأسد. وهي صور محيرة أيضاً. هذه الصور التي توثق موت ما يقارب 11.000 من المعتقلين، التقطتها المعارضة، وإنما بناء على رغبة نظام السيد الأسد. أفلا تريد مثل هذه الحكومة –بل ألا تريد أي حكومة- أن تخفي جرائمها بدلاً من تسجيلها وتوثيقها؟
مع أنه لم يكن من المفترض الإفراج عن هذه الدفينة من الصور التي قيل إن أحد المنشقين قام بتهريبها إلى خارج البلاد، فإنها ليست الصور الأولى التي تحمل معالم الوحشية التي ينتجها النظام السوري. فقد نشرت قوات السيد الأسد العديد من الصور وأشرطة الفيديو الأخرى التي توثق عمليات الإعدام والتعذيب التي دبرتها وأشرفت عليها. وفي ذات الوقت، بث الجهاديون المناهضون للأسد بفخر صورهم الخاصة للعنف والتمثيل بالضحايا (التي تبدو عمليات قطع الرؤوس مفضلة فيها بشكل خاص، مصحوبة بهتافات الحشود في بعض الأحيان).
إذا كانت الحرب الأهلية الإسبانية هي أول صراع يتم تصويره على يد روبرت كوبا وغيره، بطريقة حديثة –بمعنى التقاط الصور عن قرب في ميدان المعركة وبين المدنيين- فإن الحرب الأهلية السورية ربما تكون الصراع الذي يمثل ما بعد الحداثة فعلاً، عندما يتعلق الأمر بصورها على الأقل. في هذا الصراع، ينخرط كلا الطرفين في منافسة شرسة حتى يظهرا للعالم ويظهر كل منهما للآخر كم يمكن أن يكون بربرياً وحشياً وبلا رحمة. وبمساعدة التقنيات الجديدة –كاميرات الهاتف المحمول، اليوتيوب، الإنستاغرام، ومواقع التواصل الاجتماعي- تطوف صورالوحشية هذه جميع أنحاء الكوكب. وبهذا يجري قلب الدور التقليدي للتصوير الصحفي في الحرب رأساً على عقب: بدلاً من تعرية الفظائع وفضحها، أصبحت الصور الآن بمثابة إعلانات ترويجية لهذه الفظائع.
لكن الصور السورية تصنع بالكاد شيئاً فريداً بطرق أخرى. إنها مجرد تتويج لسلالة طويلة ووضيعة من الصور التي يصنعها الجاني: الصور الخالية من الشفقة التي يلتقطها الجلاوزة لممارسات العنف والسادية التي يوقعونها بضحاياهم. وتكون بعض هذه الصور بيانية بشكل مثير للاشمئزاز، وتكشف عن الطرق التي يمكن بها تفكيك الجسد البشري؛ بينما بعضها الآخر تصويرات هادئة للرعب الإنساني والشعور بالعجز في مواجهة الموت. بعضها التقطها أشخاص يعملون لدى حكومات معترف بها بغية تسجيل عمليات القتل الجماعي بلا مبالاة؛ وثمة أخرى، عادة ما تكون متهللة، كان قد التقطها الجنود أو أفراد جماعات حرب العصابات والقوات شبه العسكرية والمنظمات الإرهابية من تلقاء أنفسهم وبلا توجيه.
لعل أكبر وأعتى مجموعة من مثل هذه الصور، والتي تجمع بين صور رسمية “معروفة المصدر”، وبين تلك التي التقطها مصورون نازيون، وجنود وأنصار مدنيون: في غيتوهات اليهود، أو في الجبهة الشرقية، في البلدان المحتلة، وحتى في بعض معسكرات الاعتقال (كان معتقل أوشفيتز يستخدم اثنين من مصوري جهاز إس إس الرسميين).
في وقت أحدث من ذلك، قام أعضاء في جبهة سيراليون الثورية الموحدة، المعروفون بعمليات البتر الجماعية لأعضاء مواطنيهم، بتصوير أنفسهم وهم يرتكبون بعضاً من فظاعاتهم. وكذلك فعل بعض بعثيي صدام حسين، وقوات “العقارب” الصربية شبه العسكرية المرعبة. وقبل بضع سنوات، قامت مجموعة حزب الإسلام، الميليشيا الإسلامية في الصومال، بدعوة مصور لتوثيق عملية قتل بالرجم لرجل متهم بارتكاب الزنا؛ وكانت الصور الناتجة أقرب إلى عدم الصلاحية للعرض أكثر من أي شيء آخر شاهدته في حياتي. وكانت بعض أكثر الصور إثارة للحرقة واستقراراً في الذاكرة هي التي جاءت في حقبة ما بعد 11/9 –بما فيها صور قطع رأس صحفي وول ستريت جورنال دانييل بيرل، وصور تعذيب السجناء في أبو غريب- والتي تقع بلا شك ضمن فئة صور الجاني.
ثمة مجموعات أخرى من صور المصورين، والتي تعرض ما يمكن وصفه بأنه “نظرة باردة” للأنظمة القاتلة وهي تقوم بعملها؛ حيث لا تكون مثل هذه الصور عنيفة بشكل واضح، ولو أنها تكون قاسية على الدوام. وكانت شرطة ستالين قد التقطت صوراً للسجناء السياسيين المدانين في سجن لوبيانكا سيئ السمعة في موسكو قبيل إعدامهم؛ وفيها تحدق وجوه أولئك السجناء فينا بحزن وخوف وحيرة. وتقع الصور الآتية حديثاً من سجون السيد الأسد السرية تحت هذا العنوان، ولو أنها أكثر وضوحاً وتصويرية بكثير. وهنا، يصبح التصوير مرة أخرى ملحقاً مفيداً وفي المتناول في صناعة الموت لدى الأنظمة الاستبدادية.
هناك رعب مزدوج في خبرة النظر إلى صور الجاني. الأول منها والأكثر وضوحاً، أنها تعرض أشياء طاردة، أشياء مرعبة، أشياء لا تطاق –أشياء نود الاعتقاد بأن البشر لا يمكن أن يفعلوها حقاً ببعضهم البعض. لكن هذا الشعور بالاشمئزاز يتكثف لدى معرفة أن هذه الصور لم تُصنع لغاية الاحتجاج على الشراسة، وإنما بقصد الحفاوة بها، أو توثيقها على الأقل. ويشهد وجود مثل هذه الصور في حد ذاته على حقيقة أن مثل هذه التصرفات يمكن أن تكون سبباً للرضا، للفخر، أو للمجد –أو حتى التسلية. (من المثير للصدمة مشاهدة كيف أن الكثير من الابتسامات تظهر في الصور النازية وفي صور سجن أبو غريب العراقي).
لعل هذا هو السبب في وجود الكثير من المقاومة لمشاهدة صور الجاني، والسبب في أنه عادة ما يجري وصفها بأنها صور “تعذيب إباحية” –وهو عذر قريب يخففنا من عبء مشاهدتها والتفكير بها. إنها تمثل تحدياً حاداً للمفاهيم الحديثة عن الشمولية والتعددية؛ للاعتقاد المعزّي بأننا “نحن” كلنا نمثل الجوهر ذاته بشكل أساسي، وبأن عائلة البشرية –ولو خالطها الجدال في بعض الأحيان- يمكن أن تجتمع على بعض القيم المشتركة الأساسية على الأقل. لكن الأمر ليس كذلك. إن صور الجاني تكشف عن المدى الرهيب الذي يمكن أن يبلغه اختلاف الناس، وكم هو من السهل إلى حد الرعب استبعاد الآخرين من فئة الإنسان. ويتضح هذا التمييز في تساؤل أحد مؤيدي السيد الأسد عن صور الجثث المعذبة: “هل هم سجناء سياسيون أبرياء، أم أنهم القاعدة؟”
كان المصورون الوثائقيون من أوائل القرن العشرين، وخاصة مصوري الحرب المبكرين، يعتقدون أن الكشف عن العنف والاضطهاد بالصور سوف يقود إلى القيام بعمل ما للإنقاذ. بل ان بعضهم حلموا بعالم بلا حرب ولا استغلال. ولا أعتقد أنهم فكروا أبداً بأن الكاميرا سوف تصبح أداة لإعلان وتأكيد الجوانب الأكثر بشاعة من الحرب وخدمة دعاية الأنظمة الاستبدادية رعباً بدلاً من النضال ضدها. لقد أصبح حلمهم كابوسنا.

الغد الأردنية-ترجمة علاء أبوزينة

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب