بعد المحاولة الجادة للتقليل من شأن السياسة في سورية والعراق، غاص بيت أوباما الأبيض فيها أخيراً. ويبدو أن عملية قطع الرأس المسجلة لاثنين من الأميركيين قد بلورت نهجاً سياسياً جديداً كاملة، خالقة التزاماً عسكرياً أميركياً مفتوح النهاية ضد ما يدعى “الدولة الإسلامية”. وبينما تشكل السياسة الأميركية الجديدة أكثر من مجرد استراتيجية عسكرية فإنها تظل عسكرية أكثر بكثير مما يجب. وينبغي أن تكون إعادة قياس السياسة وضبطها أولوية فورية للإدارة.
تسمح العواطف التي تكونت في أعقاب قتل المواطنين الأميركيين -وقد يقول البعض إنها تعزز الاتجاه- بالقيام برد عسكري، لكن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يستطيعون كسب المعركة عسكرياً ضد الدولة الإسلامية. ويتطلب إلحاق الهزيمة بهذا التنظيم وانتهاج استراتيجية تشدد على الدبلوماسية والاستخبارات والاقتصادات. ويجب أن يكون هناك مكون إيديولوجي كبير، ومكون ضخم من فرض القانون، بل ومكون سياسي أضخم. ولا تمكن رؤية هذه الأدوات الأخيرة بسهولة، والعديد منها يستغرق أعواماً حتى ينتج آثاراً ملحوظة. ومع ذلك، ستشكل هذه الأدوات مع الوقت الطريق الوحيدة لتحقيق الانتصار: شل شبكات عمل التنظيم، وحرمان المجموعة من الملاذ الآمن، وتقويض الظروف التي تجعلها جذابة للمجندين المحتملين.
بدلاً من ذلك، تبدو الولايات المتحدة وأنها خضعت للإغراءات بشن حملة ذات تركيز عسكري. فبعد كل شيء، تستطيع القوات الأميركية تدمير الأشياء -بدقة وكمال- وليس كأي قوات أخرى في العالم، وغالباً ما تستطيع القيام بذلك من مكان بعيد وآمن. وزيادة على ذلك، تقوم الولايات المتحدة بتوجيه جيشها الخاص، وتكون المسافة بين اتخاذ القرار والفعل في بعض الأحيان مجرد ساعات. وتكون الهجمات العسكرية جسورة، وحاسمة، ومرضية.
نعم. كمنظمة، لا بد أن تنظيم الدولة الإسلامية مسرور من احتمال مجابهة قوة عظمى. وكانت صور جريمته في الشهر الماضي متسمة بالكمال: إنهم يستطيعون ذبح الأميركيين كالنعاج. وكل ذلك جزء من فانتازيا غرائبية عن التمكن الذاتي والفعالية. ولعل ما يجعل هذه الفانتازيا تعملن هو أن الدولة الإسلامية هي التي تقوم بالإعداد والتحرير بنفسها. إنها تبث انتصاراتها وليس هزائمها. ويجري طمس النكسات التي تحدث في ميدان المعركة وتقوم السياقات الخاضة للتحرر الصارم بحذف البؤس والركام من محيطها اليومي.
يجب على إدارة أوباما أن تتعلم الدروس من أحدث تجربة لإسرائيل في غزة. هناك، أيضاً حكومة استخدمت الوسائل العسكرية لسحق تنظيم يتمتع بدعم محلي كبير. وهناك، أيضاً أثبتت قوة رجال حرب عصابات ملتزمة بخوض حرب عير متناسبة بأنها هدف مراوغ، وحيث فقد أكثر من ألف مدني بريء حيواتهم. وما تجدر ملاحظته أنه عندما سئل مصور يعمل لصالح صحيفة “نيويورك تايمز” في تموز (يوليو) لماذا ليست لديه صور لمقاتلي حماس في غزة، قال: “إننا لا نشاهد هؤلاء المقاتلين. إنهم يعملون خارج البنايات والمنازل وفي الليل. وهم يتحركون بحذر شديد… لو استطعنا الوصول إليهم لكنا قد التقطنا صوراً لهم. لم أشاهد أبداً ولا جهازا واحدا لإطلاق الصواريخ على إسرائيل. كأنها غير موجودة”.
إن الجواب ليس عكس وجهة الاستراتيجية، وإنما مراجعتها. وتكمن المهمة الأولى في النطق بالأهداف على نحو أكثر وضوحاً: فرض انهيار الدولة الإسلامية من الداخل بدلاً من إلحاق الهزيمة بها في ميدان المعركة. ويتطلب فعل ذلك بالضرورة إحراز تقدم على صعيد التسويات السياسية للصراعات الدموية التي ما تزال تستعر في العراق وسورية. وتقول الحقيقة إن الدولة الإسلامية تستمد الدعم من السنة الذين يشعرون بأنهم مضطهدون وأنهم تعرضوا للخيانة والإرهاب. وفي العراق وسورية على حد سواء، يخاف السنة أن يذبحوا، وهو شعور يبرر بالنسبة للبعض ذبح الآخرين. ولا ينبغي أن يتعاطف المرء مع الدولة الإسلامية إلى حد تقدير قاعدة دعمها في المجتمع السني. لكن تقويض ذلك الدعم يتطلب توفير الحماية والطرق لحياة أفضل للملايين من السنة -بمن فيهم العديد ممن دعموا الدولة الإسلامية بشكل فعال أو غير فعال في الماضي. وهو ما قد يتطلب نقيض النشاط العسكري.
المهمة الثانية هي بناء ائتلاف فعال يلزم الحلفاء بأهداف الاستراتيجية الأميركية. ويتطلب القيام بذلك أن نكون أوضح إزاء ما هي الحالة النهائية التي يسعى العمل الراهن تحت القيادة الأميركية إلى إنجازها، وماذا سيكون دور كل بلد في إنجازها. ويبدو أن إدارة أوباما تقبل بمجموعة متنوعة من المساهمات التي غالباً ما تكون عسكرية بشكل أساسي، ولا تبدو وأنها تتناسق بشكل جيد. وفي الحقيقة، تشكل المساهمات العسكرية مجرد قطعة صغيرة. وتبقى المهام الأقل نظامية للحلفاء، مثل نزع الشرعية عن أيديولوجية الدولة الإسلامية والراديكالية بشكل أوسع ذات أهمية حاسمة. وهي تبدو أكثر من فكرة ثانوية.
سوف يكون الكثير مما ينبغي عمله سرياً، ويتضمن أعمال الاستخبارات وإنفاد القانون. ومع ذلك، هناك بعض الطرق التي يستطيع بها بلد مثل تركيا -التي يقال إنها استضافت شبكات عدة مرتبطة بالمقاتلين المتطرفين في سورية والعراق- أن يشير إلى دعمه للحملة ضد المقاتلين الراديكاليين. وحتى تاريخه، ثمة القليل من الإمارات في صفوف الحلفاء، سواء على التقارب الاستراتيجي أو التنسيق الأعمق حيث يكون ذلك مهماً.
أما الجزء الثالث من الاستراتجية، فهو ضمان أن الثوار الذين يحظون بدعم الولايات المتحدة يناسبون الدور المسند إليهم. وفي جزء منه، سيكون تسليحهم وتجهيزهم أمراً رمزياً بالنسبة للولايات المتحدة عبر إظهار التزام جوهري بالقضية في أعقاب فترة طويلة مما بدا لامبالاة. وقد جعل الافتقار الملموس للانخراط الأميركي من الأصعب بالنسبة للولايات المتحدة تحديد انخراط الآخرين. لكن من المهم بالمقدار نفسه -للثوار والحلفاء على حد سواء- هو أن الثوار هناك لكي يخوضوا حرباً محدودة وليس لتحقيق نصر كلي. وهم يحتاجون للتحول إلى مجموعة تتوافر على القوة والمصداقية للتفاوض على نهاية للأعمال القتالية.
رابعاً، يجب التوافر على نوع من الرؤية للكيفية التي تستطيع الولايات المتحدة من خلالها استخدام هذا الصراع لتحسين موقفها مع خصمين إقليميين؛ إيران وسورية. ومن المهم بالتأكيد ملاحقة أي من الفريقين وتقديم تنازلات مقابل التعاون. وفي الوقت نفسه، يستطيع المرء استخدام النشاطات ضد الدولة الإسلامية في جزء منها للبناء في اتجاه علاقة أكثر إيجابية. ويتطلب فعل ذلك من كل الأطراف التوافر على فهم أفضل للوضع النهائي الذي يسعون إليه.
بينما تظل استراتيجية أوباما أكثر من مجرد استراتيجية عسكرية، فإنها تبدو وأنها متركزة عسكرياً. وقد ركز خطاب الرئيس عن العراق وسورية على الأدوات العسكرية، كما استخدم اللغة العسكرية متعهداً مرتين بـ”تفكيك وتدمير” الدولة الإسلامية. ربما كان الرئيس يسعى إلى استغلال فداحة عمليتي القتل في هذا الشهر، حيث بدت الآليات العسكرية ملحة بما فيه الكفاية. وكما قال الجنرال مارتن ديمبسي أمام مجلس الشيوخ، فإنها قد تخلق المزيد من العمل العسكري. ومع أن الأدوات العسكرية كافية للقتال، لكنها في هذه المعركة، ليست قريبة من أن تكون كافية للفوز.
جون الترمان* – (مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية)
نائب كبير لرئيس كرسي زبغنيو بريجنسكي للأمن العالمي والجيوستراتيجية، ومدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة.





