الرئيسيةالاخبارحتّى تستقرّ الأرض تحت أقدامنا

حتّى تستقرّ الأرض تحت أقدامنا


تلقينا خبر براءة مبارك بعاديّة شديدة. لم نغضب، ولم تُصبنا الدهشة التي أصابت الجميع. يقول لي صديقي أن ما يحدث كابوس. أقول له أضغاث أحلام، وفي الصباح سينتهي كل شيء، فيتّهمني بالجنون. يخبرني صديق آخر أن الخبر قد وقع عليه كالزلزال، فأقول بهدوء: لن تستمر الزلازل إلى الأبد، غداً تستقر الأرض من تحت أقدامنا، فيتهمني بالإفراط في الأمل.
في داخلي، كنت متيقّنةً من أنّ الكوابيس لا تنتهي بطلوع الصباح، وإن انتهت فقد يعلق ظلامها وفزعها في عيون من رأوها. وأنّ توابع الزلزال أشد بطشاً بنا من الزلزال نفسه، لذا تلقينا النبأ بهدوء في انتظار حدوث الأسوأ.
كلّ ما فعلته أمّي هو أنّها تناولت شالاً من الصوف كانت تغزله، وبدأت في حلّ خيوطه حتّى تلاشى النسيج. لم أسألها عن السبب. تركتها وتوجّهت إلى نافذة غرفتي، تطلّعت إلى مبنى الأمن الوطني الرابض أمامي، وفكرت أن أصوات تعذيب المعتقلين التي أسمعها منذ أشهر عدّة، قد تمتدّ الآن لسنوات، وأنّ الكابوس المسائي سيشكّل نفسه في صورة أكثر قبحاً، وسيعلن عن نفسه بشكل أكثر توحّشاً من قبل. أدركت أنّنا ربما نجونا من الزلزال، ولكن علينا الآن أن نتهيّأ لتوابعه.
“انتباه”، يقولها غفير، فأعرف أنّها تحيّة موجّهة لأحد القادة. أعرف أيضاً أنها إشارة واضحة لبدء كابوس جديد، سيتضمن صرخات تعذيب مكتومة وأصوات صواعق كهربائية. كابوس أعرف جيّداً أنه سيستمر حتى ساعات الصباح الأولى.
“انتباه”، يقولها الغفير، فتطلب مني أمّي أن أجمع كل كتب الدين والفكر والسياسة للتخلّص منها، أو في أضعف الاحتمالات نقلها إلى صديقة تسكن بعيداً عن المنطقة الرمادية في محيط “الأمن الوطني”. أسألها عن السبب فتقول: “البيت مش أمان”.
“انتباه”، يقولها الرجل، فأكتسب مع الوقت مهارة التمييز بين المعتقلين من خلال استغاثاتهم. أميّز الشيخ العجوز من الكهل من الشاب الصغير السن. يقولها، فأتعلّم كيفية التفرقة ببن انتماءاتهم، ومن خلال حدّة الصرخات واختلافاتها أعرف مَن منهم قد سبق له ارتياد المعتقلات واعتاد تعذيب السجون، ومَن منهم يعيش تجربته الأولى.
“انتباه”، يقولها، فأسمع صرخة أحدهم يتلو الشهادة. بعدها بيومين، يموت شاب آخر. يأتي أهله لاستلام جثمانه بصمت. لا يتحدّثون مع أحد ولا يحدّثهم أحد. يمتلك الجميع عيوناً لها نظرةٌ جوفاء يملؤها الفزع فقط، كمن رأى لتوّه كابوسه يتحقّق. تسيطر على المكان رائحة رمادية، فأعرف أن الزلزال قد حدث، وأتلو كل الصلوات التي أعرفها كي تستقر الأرض من تحت أقدامنا.
مع الأيام تسري شائعة أن سكان الجانب الغربي من بنايتنا لا تصلهم أيّة أصوات. تتحوّل الشائعة لحقيقة مؤكّدة في لقاءات المصعد العابرة. سكّان الجانب الغربي لهم ابتسامات هادئة وعيون ممتلئة بالحياة. عكسنا نحن، سكان الجانب الشرقي، من توقفنا عن الابتسام منذ مدة. أتأكّد من ثبوت الشائعة فينخفض سقف طموحاتي، يتحوّل هدفي من الانتقال من البناية بأكملها، للانتقال إلى جانبها الغربي. هناك يمكنني الانخراط في صخب المدينة الذي يقتحم النوافذ. هناك ربّما تختفي أصوات الصراخ العالقة بأذنيّ. أفشل في تحقيق هدفي، فينخفض سقف طموحي لخلق مساحتي الآمنة بعيداً عن مصدر الصوت. أسعى لإيجاد جبل أعراف، لأقف عليه. ينهار السقف تماماً فوق رأسي مع أول صرخة تعذيب تخترق أذنيّ، فأنسى الأعراف وأستسلم لجحيمي الخاص.
أستيقظ في أحد الأيام وأمرّ بشكل عابرٍ قرب النافذة، لأجد أن جميع أشجار الحي قد قطعت، ألتصق لساعاتٍ بنافذتي، وأراقب المشهد بأسى. لا تفهم أمي سبب تأثّري. تسألني، فأقول لها إن المشهد صار أكثر وضوحاً وقبحاً. ألمح غراباً يحوم في المكان. أخمّن أنّه يبحث عن بيته بين الأشجار المقطوعة، وأذهب إلى النوم. في اليوم التالي، أستيقظ على أصوات نعيق مزعجة تملأ الجو. أطلّ من النافذة، لأجد مئات الغربان تحوم في السماء. أتذكّر حديث أمي عن أنّ الغراب نذير شؤم، وأنّ استقراره في مكان ما علامة على زواله. يندفع إلى رأسي حديثها عن فضلات الغراب التي إذا استقرّت فوق شجرة، تتوقف الشجرة عن الإزهار وتموت. لا أعرف شيئاً عن الخرافات التي تؤمن بها أمي، لكنّها تظل تتردّد في رأسي أثناء مراقبتي لأسراب الغربان، وقد بدأت تستقر فوق سطح بناية الأمن.

(القاهرة)

5

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب