“الخيار النووي” هو الوصف الذي أطلقه المسؤولون الأميركيون والفلسطينيون على الطلب الذي قدمه الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، للانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي. وجاءت خطوة الرئيس الفسطيني في أعقاب التصويت ضد محاولة فلسطينية جعل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يضع موعداً نهائياً لإنهاء إسرائيل احتلالها للمناطق التي استولت عليها في العام 1967. وقد يضع الانضمام إلى المحكمة إسرائيل -أو فلسطين- في مواجهة تهم بارتكاب جرائم حرب. وكان الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، قد قال إن فلسطين قد تنضم إلى المحكمة الدولية في الأول من نيسان (أبريل).
قبل أن يتقدم محمود عباس بطلبه للانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية في الأول من كانون الثاني (يناير)، هدد المسؤولون الإسرائيليون بأن تلك الخطوة ستؤدي إلى “رد صهيوني” مناسب: توسيع المستوطنات، وهو ما سيفضي بالتالي إلى شطر الضفة الغربية بالقرب من القدس. وبالإضافة إلى ذلك، سوف يؤدي تقديم هذا الطلب، كما قال هؤلاء المسؤولون، إلى وضع نهاية فعلية للمحادثات حول إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وقال هؤلاء المسؤولون إن إسرائيل لن تتفاوض ثانية أبداً مع الفلسطينيين حول مستقبل القدس، وهي قضية ينبغي أن تكون حجر الزاوية في أي اتفاق، بما أن كلاً من الطرفين يقول إن المدينة هي عاصمته هو.
بالقياس على هذه المغالاة في تقدير ردود الفعل، تبدو ردة فعل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معتدلة إلى حد ما. ففي هذه المرحلة، تصرف نتنياهو بالطريقة المألوفة نفسها في الأزمات السابقة، عن طريق حجب عائدات الجمارك التي تجمعها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية على الواردات الفلسطينية، والتي تعادل نحو 127 مليون دولار وتساوي ثلثي ميزانية السيد عباس الشهرية. وقد جلب هذا الفعل نفسه على السيد نتنياهو وفرة من التأنيب. فقد وبخه متحدث باسم إدارة أوباما. وكذلك فعل الرئيس الإسرائيلي، ريوفين ريفلين، المخضرم والمتشدد المنشق عن حزب السيد نتياهو نفسه، الليكود، الذي تحول إلى داعية إسرائيل الرائد لفكرة التعايش الإسرائيلي الفلسطيني. وقال السيد ريفلين إن تهديد السيد عباس بالإفلاس والسلطة الفلسطينية بالانهيار لم يكن شأناً سيئاً للفلسطينيين فحسب، وإنما لإسرائيل أيضاً.
وفي الحقيقة، لديه نقطة. فقد ترك احتفاظ إسرائيل بعوائد الضريبة السيد عباس غير قادر على تغطية رواتب هذا الشهر لنحو 160.000 من موظفي الدولة. ويصر رجال الرئيس على أن منتقدي السيد عباس، الذين اعتقدوا دائماً أن الرجل العجوز كان يراوغ خطوة الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية، سوف يهتفون له الآن أكثر مما سيثيرون الشارع. لكن النقابات التي تمثل موظفي السلطة الفلسطينية كانت تشكو مسبقاً من تخفيضات الأجور السابقة. وربما تكون لدى البنوك الفلسطينية احتياطيات تكفي لتغطية رواتب موظفي السلطة لبعضة أشهر فقط.
في هذه المرحلة، يتساءل رجل أعمال فلسطيني: بمجرد أن يجف المال، كم من الزمن سيبقى عناصر أمن السلطة الفلسطينية هادئين قبل أن يشرعوا في بيع بنادقهم من أجل تغطية نفقاتهم؟ في مناسبة سابقة، عندما حدث ذلك في العام 2006، كان جناح حماس العسكري مشترياً راغباً للأسلحة. وبعد ذلك بوقت قصير تمكنت حماس من السيطرة على غزة. ولذلك يبدو من المرجح أن يتم تذويب تجميد إسرائيل لعائدات الضرائب الفلسطينية، تماماً كما حدث في الحالات السابقة.
تناشد إسرائيل الكونغرس الأميركي المتعاطف أن يعمد إلى حجب مبلغ 400 مليون دولار التي يعطيها للسلطة الفلسطينية كل عام بمجرد أن يقدم عباس أول التماساته إلى المحكمة الجنائية الدولية. لكن الفلسطينيين يأملون أن لا يحدث ذلك. ويتساءل مسؤول فلسطيني: “هل سيقوم الأميركيون حقاً بإسقاط آخر الحكام العلمانيين، في حين تقف الدولة الإسلامية متحفزة لاختطاف السيطرة في الجوار؟”. على أي حال، تبدو العربية السعودية التي كانت قد قدمت الدعم النقدي المتفرق من قبل أكثر تعاطفاً من المعتاد في هذه الآونة.
الآن وقد مضى السيد عباس في مشروعه، فإن السؤال هو ما إذا كانت محكمة الجنايات الدولية ستفعل له الكثير. ويخشى المسؤولون الإسرائيليون من احتمال أن يصبح جنودهم الذين يسافرون إلى الخارج عرضة للاعتقال. ويقال إن قطر والعربية السعودية قد شرعتا مسبقاً في الدفع لمحامين في العواصم الغربية من أجل التحضير لأوامر الاعتقال. وفي الأثناء، يأمل الفلسطينيون وداعموهم في الخارج السعي إلى مقاضاة أي إسرائيلي متهم باحتلال مناطق فلسطينية على قاعدة ارتكاب جرائم حرب. ومن بين أولئك الذين يمكن استهدافهم، وزير الاستيطان الإسرائيلي أوري آرئيل، الذي يقود مشروع توسيع المستوطنات في الضفة الغربية.
مع ذلك، يبدو كلا الطرفين راغبين في الاستثمار في سلطات المحكمة الجنائية الدولية التي لم تظهر المحكمة حتى الآن أنها تمتلكها. وربما يستغرق الأمر سنوات عدة حتى يصل أي تحقيق تجريه المحكمة إلى استنتاج. ويقول مسؤول إسرائيلي رصين، في إشارة إلى تحقيقات المحكمة التي تعثرت في كل من كينيا والسودان: “انظر إلى أفريقيا”.
بعد بضعة أيام فقط من تقديم الطلب الفلسطيني، قامت المحكمة الإسرائيلية العليا (التي تفخر بأنها تقف على الجانب الصحيح من القانون الدولي) بمنع الحكومة من بناء جدار الفصل العنصري عبر بتير؛ القرية الفلسطينية الجميلة في الضفة الغربية الواقعة على ممر ضيق كان يمر من خلاله خط السكك الحديدية العثماني إلى القدس.
ويتساءل رهبان كريمزان، الذين يتهدد حاجز الفصل العنصري ديرهم أيضاً، عما إذا كان قضاة إسرائيل سينقذون أملاكهم هم أيضاً. وإذا لم يحدث ذلك، فإنهم ربما يكونون من أوائل المتقدمين الذين سيتجهون إلى المحكمة الدولية.
تقرير خاص – (الإيكونوميست)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الاردنية





