الرئيسيةزواياأقلام واراءثقافة السلام في ظل العولمة... بقلم :هاني سميرات

ثقافة السلام في ظل العولمة… بقلم :هاني سميرات

فهرس
أثبتت التجارب والنظريات الاجتماعية وجود جدلية عاشتها وتعيشها البشرية وهي جدلية الحرب والسلام. وقد اختلفت المدارس والآراء في تعريف مفهوم السلام عبر العصور ، كما اختلفت في توضيح ورصد أسباب إحلاله وكذلك ضعفه وانهياره، وفي السابق قبل أن يتحول العالم إلى قرية كونية صغيرة بفعل العولمة كان السلام في نظر الدول ، والشعوب لا يتجاوز غياب مظاهر الحرب، وترى الدولة السلام في حال عدم ذهاب الأبناء إلى الحرب ، أو عدم وجود طائرات تحلق في السماء بنية القصف والدمار ، لقد كان مفهوم السلام قديما لا يتجاوز غياب مشاهد الحروب والقتل .
واليوم وفي ظل العولمة ، والتجارب الدولية التي أصبحت تتنقل من ثقافة إلى ثقافة ومن شعب إلى آخر أصبح للسلام أبعاد عديدة يتجاوز غياب العنف ، فالعدل، واحترام حقوق الإنسان، والمساواة وتعزيز قيم الهوية والانتماء والمواطنة …وغيرها، كلها تدخل ضمن أبعاد مفهوم ثقافة السلام المختلفة.
على مدار العقود الماضية كانت كثير من دول العالم تغيب فيها معالم وأبعاد ثقافة السلام والسلم الأهلي داخل مجتمعاتها وذلك بفعل انتشار الفساد وغياب قيم الحرية والعدالة وضعف ثقافة التعامل الايجابي مع النزاعات خاصة في الدول النامية.
وبالتركيز على عالمنا العربي، فللأسف الشديد إن ثقافة السلام وثقافة التعامل مع النزاع بالوسائل الايجابية لا زالت ضعيفة ، ولا تحظى باهتمام الأكاديميين وصناع القرار، وراسمي السياسية ، ويمكن مشاهدة نتائج غياب هذه الثقافة بوضوح داخل المجتمع العربي، فمشاهد العنف والقتل والإرهاب تبدو جلية في الوسائل المستخدمة.
وقد اتسع مفهوم السلام في العصر الحديث من السلام السلبي ليشمل السلام الايجابي والذي يعني بالضرورة غياب الاستغلال ، والفساد ، ورفض الآخر وإيجاد العدل الاجتماعي ، وبفضل العولمة تطورت هناك ثلاثة مفاهيم ومدارس تستخدم في مجال مفهوم السلام حيث تشكلت هنالك مدارس متنوعة في دول العالم ، وقديما كانت كل دولة تتبنى أسلوبا واحدا ، فالمدرسة الأمريكية والأوروبية اقرب إلى مدرسة بناء السلام ،: وهو تشييد ظروف المجتمع حتى يستطيع المجتمع ان يعيش بسلام، وهذا يشمل عدة طرائق مثل التربية في مجال حقوق الإنسان، والتنمية الاقتصادية، وزيادة المساعدات والتكافل الاجتماعي، واستعادة الانسجام والتآلف بين فئات المجتمع الواحد.
بينما تتبنى العديد من دول الشرق الأوسط مدرسة صنع السلام والذي يرتكز على مساعدة اطراف النزاع للوصول إلى اتفاق تفاوضي ، هذه الدول تؤمن بضرورة وجود ظواهر تهدد منظومة ثقافه السلام خاصة وجود العنف حتى تقوم بالتدخل .
اما دول افريقيا فتتبنى مدرسة حفظ السلام ، وذلك عن طريق وجود قوات عسكرية دولية تسمى قوات حفظ السلام تعمل على حفظ السلام وتراقب الانتهاكات داخل الدولة وتعمل على منع اطراف النزاع من الاقتتال فيما بينها.
واليوم، في ظل العولمة اصبح هنالك تداخل وتبن في هذه المدارس حيث يمكن مشاهدة بعض الدول تتبنى اكثر من مدرسة بما يحقق تعزيز ثقافه السلام داخل المجتمع .
ولمعرفه اثر تطور العولمة على مفهوم ثقافة السلام في داخل المجتمعات الانسانية يمكن تتبع سبع مراحل اساسية مرت بها الصياغات المتعددة لمفهوم السلام، بخاصة في بحوث السلام الغربية، وهذه المراحل هي السلام باعتباره ممارسة وسلوكا في ظل غياب الحرب، وهذا ما ينطبق على الصراع العنيف، سواء بين الدول ام داخل الدول ذاتها في صورة الحروب الاهلية. اما المرحلة الثانية فقد ركزت على السلام باعتباره توازنا للقوى في اطار النظام الدولي، وأحيانا يسمى هذا التوازن توازن الرعب عندما يكون مبنيا على توازن قوى عسكرية..
اما المرحلة الثالثة فقد تم التأكيد خلالها على الحيلولة دون نشوب الحرب وذلك عبر منع العنف البنيوي داخل المجتمع .اما المرحلة الرابعة فقد تم التركيز فيها على فكرة السلام مع البيئة، وذلك ان الممارسات الرأسمالية قد اعتدت على البيئة الإنسانية . وتطور خلال المرحلة السادسة مرحلة التركيز على السلام الداخلي للإنسان، لارتباطه بالسلام على المستوى الكلي .
ونضيف الى هذه التقسيمات المرحلة السابعة، وهي المرحلة التي تم فيها التركيز على حقوق الإنسان، والانتهاكات والعنف الموجه ضد الأطفال والمعاقين وغيرهم من الفئات الضعيفة.
ولعل من ابرز دلالات ثقافة السلام في عصر العولمة ما ينصب في دلالات التنمية الشاملة ، لذلك فإن إضعاف هذه الحقوق يعد احد الانتهاكات لحقوق الإنسان الأساسية ومدخلا وأرضا خصبة لتأجيج الصراع. وكون مفهوم العولمة ارتبط بالاقتصاد ، فإن تأجيج الصراعات والنزاعات في داخل المجتمعات من شأنه ان يضعف التنمية الاقتصادية ، وهنالك دراسات عديدة تشير الى ارتباط وثيق ما بين الصراعات والتكلفة المالية التي تؤرق الدولة نتيجة استمرار الصراعات.
وفي النهاية،لا بد من الدعوة الى تجسيد ثقافة السلام خاصة داخل المجتمع العربي ، والاستفادة من مدارس ثقافة السلام والتي بدأت تنتشر بكثرة عبر المؤسسات الدولية ، حيث استطاعت هذه المؤسسات ان تساهم ولو بشكل بسيط في تعزيز ثقافة السلام ، وفي تطوير مفاهيم التعامل مع النزاع حيث أصبحت شركات الوساطة الدولية وشركات التحكيم والمؤسسات الدولية التي تعنى بالحوار والتعامل مع النزاعات تنتشر في وطننا العربي في السنوات الخمس الأخيرة ،ورغم أن العولمة جاءت بوسائل جديدة إلا أنها أيضا جلبت معها وسائل إبداعية في التعامل مع النزاع، إذ أبدعت تونس في اختيار الوسائل السلمية في التعامل مع أزماتها ، فخلقت صورة إبداعية للديمقراطية في العالم العربي، بينما رفضت كل من ليبيا وسوريا تبني ما حملته العولمة من قيم لثقافة السلام ، فكان الموت والخراب والإرهاب .
ما نحن عليه اليوم كعالم عربي يتطلب تضافر كافة الجهود الوطنية والقومية لتحقيق السلام والأمن. وتبدأ اولى خطوات تعزيز وتعميم ثقافة السلام بالتربية على ثقافة السلام وقيم التسامح والحوار والشعور بالمواطنة المتساوية، وصولا إلى رؤية العالم من زاوية الثقافة الإنسانية ، وليس الثقافة الشخصية الضيقة .
ولعل المجتمع الفلسطيني مطالب اليوم بتبني استراتيجيات جديدة لمواجهة النزاعات المجتمعية من انقسام سياسي ونزاعات مجتمعية وظواهر عنف ، وأشكال أخرى تتغلغل بشكل واضح في الجسد الفلسطيني . هذا التبني يجب أن يعالج منظومة التفكير الجمعي حول مفاهيم ثقافة السلام ،باعتبار ان ثقافة السلام وحل الصراعات لا تعني بالضرورة ارتباطها بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي ، وذلك بالإقرار ان هنالك مظاهر مجتمعية محلية خطيرة تفتت النسيج الفلسطيني وتجعله أكثر إيمانا بالعنف لمعالجة صراعاته الداخلية.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب