في عالمنا العربي تداخل كل شيء، وارتبك كل شيء في كل شيء، وانشغل كل أحدٍ بكل شيء، وأصبح أي شيء يساوي أي شيء في عالمنا العربي كل الألوان صارت لونين: أبيض واسود، وكل العلوم أصبحت علماً واحداً، وكل واحد فينا يتقن هذا العلم، لأنه علم بسيط، هو علم «الغريزة»، أو علم «الشهوة» بكل أصنافها وأنواعها وتجلياتها.. في عالمنا العربي أصبحنا نرى الكون من زاوية واحدة؛ هي زاوية الرغبة الذاتية، فكل الحقائق سراب الا تلك التي تعبر عن رغباتنا؛ نرى الحقيقة المادية الواحدة حقائق متناقضة طبقا لرغباتنا وموقفنا منها، على الرغم من أن العالم يجمع على أنها غير ذلك.
يقولون اننا شعوب متدينة بطبيعتها، وقد يكون لذلك بعض المصداقية، ولكن الواقع أننا ابتلعنا الدين، فصرنا آلهة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وظهر فينا أكبر عدد من مدعي النبوة، أو ممن يدعون أنهم المهدي المنتظر، وآخرهم امرأة في اليمن ادعت أنها نبية، وأنها أول الأنبياء من النساء بعد أن ختم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم النبوة من الرجال، هكذا تزعم هذه السيدة، وكأن واقع اليمن يحتاج الى أنبياء جدد وفيه من الحوثيين وعناصر القاعدة كثيرون.
هذا التماهي في الدين بعقلية برجماتية توظف الدين للدنيا، وتستخدم كل مكونات الدين، وكل مظاهر التدين لتحقيق المصالح الشخصية، أو الحزبية، أو الطائفية، ويكفي المرء أن يتابع قنوات الإخوان والقنوات الطائفية في العراق وغيرها ليعرف كم نحن العرب نستخدم الدين ولا نخدمه، ونوظفه بصورة انتهازية يخجل منها الملحدون وكفار قريش.
هذا النوع من التمآهي البراغماتي الانتهازي في الدين صبغ العقل السياسي العربي بصبغة جعلته غير قادر على فهم متغيرات السياسة خارج ثنائيات: الحق والباطل، والشرعي وغير الشرعي، والصحيح والخطأة باختصار شديد أصبح العقل السياسي العربي يتعامل مع كل ما يحيط به من متغيرات من زاوية من لا يوافق على رغباتي فهو: إرهابي، انقلابي، عميل، استبدادي، ظلامي، رجعي، متخلفة.الخ.
في عالمنا العربي تستوي النخبة والجماهير، يستوي وزير الخارجية مع المواطن العادي، فكلاهما يفكر في السياسة بمنطق الأيديولوجيا أو علم اللاهوت، ويديرها بنفس المنطق، ويتخذ قراراتها كذلك، الجميع لا يستطيع أن يفصل بين الموقف السياسي الذي يتغير مع تغير المتغيرات التي صنعت هذا الموقف؛ سواء أكانت داخلية أو خارجية، وبين الموقف المبدئي المتعلق بالمبادىء وقضايا الاعتقاد التي يجب ألا تتغير مهما تغيرت المتغيرات وتغير الكون. السياسة في الغرب هي فن الممكن، وفي تراثنا الإسلامي هي فن تحقيق مصلحة البشر، مصلحة الناس، مصلحة المجتمع الذي تُنفذ فيه هذه السياسة، يقول ابن عقيل الحنبلي «السياسة هي أي فعل يكون الناس معه أقرب للصلاح وأبعد عن الفساد؛ وان لم يرد فيه قرآن ولم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم»، وهنا تأمل كلمات ابن عقيل رحمة الله عليه عندما يقول «أقرب للصلاح وأبعد عن الفساد»، ولم يقل يكون الناس في حالة صلاح أو في الصلاح، وانما أقرب لأن الفعل السياسي فعل نسبي، لا يعرف المطلقات، ولا يعرف الجزم أو القطع.
السياسة في عالمنا العربي لا تعرف المعنى الغربي ولا المعنى الإسلامي، فلا تعرف فن الممكن، ولا علم المصلحة، لانها خرجت من علم السياسة الى علم العقيدة أو علم اللاهوت، وبذلك دخلت في منطقة الصحيح المطلق والخطأ المطلق، دخلت في منطقة الخير المطلق أو الشر المطلق، دخلت في منطقة الحلال المطلق أو الحرام المطلق، فلم يعد هناك سياسة؛ بل أصبحنا في معركة عقائدية أيا كان أطرافها، وأيا كانت موضوعاتها. فلننظر الى الموقف المصري الحكومي والشعبي مما يحدث في القدس وعموم فلسطين، من المؤكد تغيب عنه بعض السياسة، صحيح أن حركة حماس ارتكبت في حق مصر وشعب مصر جرائم تفوق التصور، وتوهمت أنها قادرة على إرجاع الإخوان، ونسي قادتها أو أنستهم حياة الدوحة أنهم من فلسطين، وأن مصيرهم مرتبط بدولة مصر أيا كان من يحكمها ولكن كان ينبغي على الشعب والنخبة في مصر، وعلى الحكومة أن يدركوا أن قضية فلسطين هي قضية مصر بمنطق الجغرافيا والتاريخ والأمن القومي، ومتطلبات الدور القيادي لمصر لذلك كان يجب أن يكون دور وموقف مصر مما تقوم به إسرائيل الآن يعكس قوة مصر ووضع مصر الحالي وليس مصر مبارك.
وللنظر الى موقف بعض الدول العربية من التطورات الأخيرة في سوريا، سنجد غياباً كلياً للسياسة وحضورا لعلم العقيدة أو اللاهوت، سنجد موقفا إيمانيا بضرورة رحيل بشار الأسد، وليس موقفا سياسيا، وكأن رحيل بشار من أركان الإيمان مثل الأيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، سنجد غيابا كاملا للعقل السياسي، وغيابا كاملا للوعي والفهم السياسي، وكأننا لم نقل بالأمس أنه لا مستقبل للعراق الا برحيل صدام حسين مثل الببغاوات وراء العم سام ورحل صدام ولم يرجع عراق الماضي ولا الحاضرة وهرب من شعبه المستقبل، ولن يعود.. وندعو بتعجيل فرجه.
ربطنا مصير ليبيا بالانتقام الشخصي من القذافي، وقبلها ربطنا مصير العراق بالتشفي في صدام وأولاده وأحفاده، والآن نربط مصير سوريا برحيل بشار، وضاعت العراق وفي الطريق ليبيا، وهناك اصرار على تكرار نفس السيناريو مع سوريا لماذا؟.
لان السياسة لم تعد فن الممكن، فنعيد الحسابات بعد خروج السيد الأمريكي، وتسليمه سوريا لصديقه اللدود الروسي، وارتباك العميل التركي الذي كان يقوم بدور المسهلاتي، الذي ييسر عبور الدواعش وأموالهم وسلاحهم ونسائهم تغيرت كل المعادلة، ولم يزل هناك من يصر على أنه لا مستقبل لبشار في سوريا، وما جاءت روسيا الا لإعادة ترتيب الوضع المستقبلي لسوريا!.
تكاد تسقط الدولة اللبنانية وتنهار تحت ركام أكوام الزبالة، ونخبة الإقطاع السياسي المحنطة جامدة عند مواقفها العقائدية، ولا يهمها مستقبل وطن ولا مصير شعب، المهم أن تنتصر لمواقفها بنسبة مائة في المائة، ولا مجال للحديث عن فن الممكن، ولا عن علم المصلحة.
الجماعة الفاشلة التي تخلص منها نفس الشعب الذي رفعها الى عرش مصر، وأسقطها بعد أن جربها سنة واحدة؛ لم تزل تردد نفس المطالب، ونفس الأهداف على الرغم من أن الواقع قد تغير بصورة كاملة؛ بعد أكثر من سنتين من سقوط نظامها لم تزل قياداتها تقنع جماهيرها أنهم عائدون للحكم، وأن يوسف العصر سيخرج من سجنه الى خزائن الأرض ولم تدرك أن كل المعادلة قد تغيرت، وأن علم المصلحة أو فن الممكن يستوجب أن يكون هناك تفكير آخر وسلوك آخر وخطاب آخر.
للأسف ماتت السياسة في العالم العربي وحل محلها اللاهوت أو الأيديولوجيا.
عن «الأهرام» المصرية





