عاد بحماسته نفسها وربما أكثر، عاد يانيس فاروفاكيس وزير مالية حكومة حزب «سيريزا» اليسارية، الى الواجهة ليلقي على قادة أوروبا، والغرب عامة، درساً في الديموقراطية والعدالة الاجتماعية. العودة في حد ذاتها قد لا تثير دهشة أتباعه والمعجبين به، ولكنها بالتأكيد تأتي في وقت يتعرض فيه الاتحاد الأوروبي إلى أخطار شتى تهدده من كل الجوانب، وتهدد معه مستقبل الأمن والرخاء في أوروبا وأقاليم الجوار ومنها الشرق الأوسط.
اختار فاروفاكيس أن يلقي رسالته التحذيرية في برلين، عاصمة الدولة التي قاد اليونانيين في تمردهم عليها وعلى برنامجها التقشفي. قال إنه يعتبر واجبه الأول في المرحلة الراهنة «إصلاح الاتحاد الأوروبي»، وليس فقط اليونان. يريد بحملته أن ينقذ أوروبا من نفسها، كما قال، وإلا فإنها لو تركت لحالها لافترست نفسها.
تحدث عن المنظمة التي أسسها ويقودها مع آخرين وهدفها إعادة وضع «الشعب»، أي «الديموس» في مكانه الأصلي وهو الديموقراطية. سلط هجوما شديدا على النخبة البيروقراطية التي تهيمن على أجهزة الاتحاد الأوروبي بعدما أزاحت جانبا شعوب أوروبا من العملية السياسية، ووضعت بالفعل نظاما لإدارة شؤون أوروبا يخلط بين البيروقراطية والديموقراطية. تزعم هذه النخبة التزامها الديموقراطية وهي في الحقيقة أبعد ما تكون عنها. فالديموقراطية تشترط الثقافة ومشاركة الشعوب في مناقشة القرارات التي تخصها والرقابة الدائمة على أعمال ومناقشات البيروقراطية الحاكمة. الديموقراطية بشكلها الراهن، كما هي مطبقة في أوروبا الموحدة، تفتقر إلى «الديموس»، أي تفتقر إلى الشعب، وبالتالي هي ليست ديموقراطية.
استاذ الاقتصاد اليوناني الذي كان وزيرا للمالية حتى الصيف الماضي أضاف في خطابه الذي ألقاه على جمع غفير في برلين التحذير بأنه إما أن تتحول أوروبا إلى الديموقراطية فوراً أو تنفرط، ولن يحدث هذا التحول إلا إذا تخلصت أوروبا من قيادتها البيروقراطية «المعادية للديموقراطية».
ما زال فاروفاكيس يعتقد أن سياسات التقشف المفروضة على شعوب أوروبا تذكر بسياسات التقشف التي أعقبت أزمة 1930، بكل ما تحتمله هذه الإشارة من معان، ومنها الميل المتزايد نحو الفاشية. يعتقد أيضا، ويعلن محذرا، أن الانقلابات لم تعد تعتمد على الجيوش لتنفيذها. فمن الممكن جدا، بل ويحدث فعلا في أنحاد كثيرة من العالم، أن تدبر انقلابات بالاعتماد على إغراق الدول المتعثرة بالقروض. القروض في رأيه هي طريق أقصر وأسرع لفرض السيطرة الأجنبية على الدول، وأفضل كثيرا من تدبير انقلابات عسكرية. هذه القروض هي التي تقود الآن أكبر عملية ابتزاز في تاريخ دول وشعوب جنوب أوروبا.
الاهتمام بعودة فاروفاكيس ليس فقط لأنه عاد ليقود تيارا معتدلا في اليسار الأوروبي أو لأنه يطالب بتجديد التزام قادة الوحدة الأوروبية الديموقراطية، ولكن لأن حملته تصادف اجتماع عدد من المشكلات، ولا أقول الأزمات الخطيرة، التي تواجه الاتحاد الأوروبي. القارة بأسرها تتعرض لأخطار تهدد بانفراطها مرة أخرى، بكل ما يمكن أن يحمله هذا الانفراط من احتمالات مخيفة، وتتعرض في الوقت نفسه، وبدرجات أقل خطورة، لتهديدات يمكن أن تعطل مسيرة الوحدة وتتسبب في خلق أوضاع وعلاقات متوترة بين الدول أعضاء الاتحاد الأوروبي، الأمثلة كثيرة، منها:
أولا، اتجاه متزايد في سياسات القارة للعودة إلى أوروبا المنغلقة، هنا يميل بعض المحللين إلى إلقاء اللوم على الولايات المتحدة، وبخاصة على سياسات إدارة الرئيس أوباما التي تحللت من التزامات كثيرة كانت تربط أميركا بأمن واقتصاد أوروبا. إلا أنه لا يجوز تجاهل الصعود المتسارع لنفوذ روسيا وقوتها بعدما كانت أوروبا تتصور أن اتفاقيات الوفاق التي أعقبت الحرب الباردة وقعت على أساس فهم متبادل بأن روسيا لن تعود قوة كبرى في السياسة الدولية.
ثانيا، تتعرض سياسات الحدود المفتوحة بين دول أوروبا إلى إجراءات تهدد بتقييد حرية المرور والانتقال. هذه الإجراءات لو استمرت، ويبدو أنها مرشحة للاستمرار، سوف تؤدي حتما إلى وقف العمل باتفاقية «شينغن»، وعودة أوروبا إلى المربع الأول، باعتبار أن حرية المرور والتنقل هي الأساس الذي يعتمد عليه هيكل الاتحاد الأوروبي وفكرة الوحدة. يأتي إغلاق الحدود نتيجة صعود ملحوظ في الشعور القومي لدى شعوب الدول الأعضاء، ولكنه يأتي بشكل أقوى نتيجة الأعمال الإرهابية التي نفذت في فرنسا وتركيا، ونتيجة مباشرة لزحف اللاجئين من سوريا ووسط آسيا بأعداد لم تعرف أوروبا لها مثيلا من قبل.
ثالثا: غير خاف الميل المتزايد نحو صعود تيارات وتقاليد شعبوية في سياسات عدد من دول الاتحاد، ولعل فاروفاكيس نفسه، بل ونوعية الزعماء المشاركين في اجتماع برلين تؤكد قوة هذا التوجه. فقد شاركت جماعات وأحزاب تعتمد الشعبوية السياسية أسلوباً للفوز في الانتخابات والتصدي للحكومات القائمة ولمجلس الاتحاد الأوروبي ــ هناك في اليونان حكومة قامت باستخدام هذا الأسلوب، وفي إسبانيا حقق حزب «بوديموس» اليساري تقدما جيدا في الانتخابات الأخيرة مستخدما الاسلوب نفسه. كذلك حققت «الجبهة الوطنية» اليمينية في فرنسا نسبا عالية في المناطق الريفية. ألمانيا نفسها تتعرض الآن لصعود متسارع لقوى اليمين المتطرف، في وقت تشهد فيه شعبية المستشارة ميركل هبوطا ملحوظا لأسباب عديدة ليس أقلها شأنا موقفها من اللاجئين السوريين وفشلها في تهدئة حماسة الرئيس بوتين وسياساته الخارجية. نلاحظ أيضا ممارسات شعبوية جديدة في كل من الدنمارك وبولندا والمجر والسويد.
رابعا: أكثر من دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تهدد علنا بالانسحاب منه. بريطانيا المثال البارز وبخاصة هذه الأيام بعدما أجرى رئيس الوزراء كاميرون اتصالات مكثفة بقيادات الاتحاد في بروكسل وقيادات دول أوروبية، بهدف الحصول على تنازلات أوروبية تسمح لبريطانيا بوضع متميز وأفضليات خاصة وترفع عنها بعض الالتزامات. لا يوجد شك في أن هذه الاتصالات والحملات الإعلامية في بريطانيا، سواء المؤيدة للانسحاب أو المعارضة له، رفعت درجة التوتر السياسي في القارة الأوروبية إضافة إلى مخزون التمرد الموجود لدى دول أخرى مثل بولندا والمجر، وكلتاهما معترضة على قرارات اتخذها المجلس الأوروبي بغالبية الأصوات.
لا أذهب مع مَن ذهب متوقعا انهيار الاتحاد الأوروبي، لا أتوقع تدهورا أشد في اقتصادات السوق الأوروبية، ولكني أتوقع مزيدا من تآكل النسيج الاجتماعي في دول الاتحاد. لا أتصور أن هذا النسيج، بحالته الراهنة، قادر على الصمود في وجه الأزمة التي تسبب فيها اللاجئون والصدمة التي أحدثتها الأعمال الإرهابية في فرنسا. يعاني هذا النسيج الآن من تفاعلات قضية الهوية وتأثيرها على خيارات مثل خيار أوروبا المنفتحة أم أوروبا المنغلقة. هناك أيضا، وهو ما تشترك فيه أوروبا مع الولايات المتحدة وعديد الدول، أزمة اللامساواة المتفاقمة، وهي الأزمة التي صارت تؤثر في صلب هياكل الدولة الحديثة في كل مكان.
السفير





