
يتواصل في “غاليري سيلابس”، في الجزائر العاصمة، حتى الثالث والعشرين من تمّوز/ يوليو المقبل، معرضٌ فوتوغرافي بعنوان “بالقرب من هنا”، يضمُّ أعمالاً لثمانية عشر مصوّراً من الجزائر وتونس والمغرب ومصر والسودان وفلسطين والأردن ولبنان والعراق والكويت والإمارات.
الأعمال المعروضة هي نتاج ورشات عمل نظّمتها معاهد “غوته” الألمانية بين سنتي 2013 و2014، تحت إشراف مصوّرين فوتوغرافيين عرب وألمان. ونُفّذت الورشات في كلّ من الدار البيضاء والجزائر، وتونس، والإسكندرية، والقاهرة، وبيروت، ورام لله، وعمّان، والخرطوم، وأربيل ودبي.
تتنوّع المواضيع التي يطرحها المصوّرون المشاركون في المعرض، الذي افتتُح يوم الجمعة الماضي؛ بدءاً بقضايا البيئة والعمران في المدن العربية، ووصولاً إلى قصص اللاجئين، مروراً بثيمات الوَحدة والغياب والانتظار.
المصوّرة المصرية نادية منير (1988)، واحدةٌ من المصوّرين المشاركين في المعرض الذي تحضر فيه بمجموعة من الأعمال، ضمن سلسلتها “استهلاك”، التي تذيّلها بعبارة “نحن لا نحيا الحياة في بلادنا، نحن نستهلكها”.
تقف لوحات السلسلة عند الحدود بين المحيط المدني والنزعة الاستهلاكية للمجتمع، وتقترح نظرة نقدية إلى التطوّر الحظري في مدينة القاهرة، متطرّقةً إلى العلاقة المتناقضة بين الأماكن الطبيعية المهجورة في المدينة والنزعة في التوسّع المستمرّ في تنميتها.
تبدو المنطقتان اللتان تشتغل عليهما منير متباعدتين، بل ومتناقضتان إلى حدّ كبير. لذلك، تشرح: “أردتُ إيجاد موضوعات ترتبط ببعضها ارتباطاً رمزياً؛ فالصور في حدّ ذاتها لا توضّح إلّا القليل، لكنها تستطيع تفسير ما هو أكثر في ترتيبها ووضعها أمام بعضها البعض”.
غير بعيد عن هذه الثيمة، تذهب منار مرسي (1983)، وهي مصوّرة مصرية وُلدت في الكويت وتعيش في القاهرة، في سلسلة صورها التي تحمل عنوان “متنزّهات تحت الحصار” إلى مدن الملاهي والمتنزّهات الصغيرة في العاصمة المصرية، لترصد تلك المفارقة التي يثيرها وجود ألعاب ودوّامات ودواليب هواء وسط تحويلات الطرق ومخارج الطرق السريعة ومحطّات المترو.
الأمرُ يشبه رؤية زهرة فوق بركان، أو كما تقول: “تبدو كأنها قطع متحرّكة من الأحلام تتحرّر من الواقع الإسمنتي المحيط”. الفكرة التي تثيرها مرسي، هنا، هي “عرض الصراعات الكائنة في المدينة بين المساحة الخاصّة والعامّة”.
تضيف: “هذه الفضاءات جزءٌ من مبادرات غير رسمية كثيرة، هي ما يجعل شوارع القاهرة حيّة. رغم التصور العام السائد بأن القاهرة لا يوجد فيها فراغات عامة بالقدر الكافي، نجد مثل هذه الفراغات المنتزعة من المدينة في مختلف الأشكال”.
من جهتها، تصوّر سلسلة “أخضر”، للمصرية مريم أحمد (1985)، صور بعض عبوات المنتجات الغذائية التي صوّرتها في لون أخضر مصطنع، في إشارة إلى أن المنتجات نفسها لا تحتوي على أي قدر من المكونات الصحيّة الطبيعية”.
“داخلي – خارجي”، هو عنوان سلسلة مي الشاذلي (1985)، التي تطغى عليها الأعمال التجريدية. في هذه الصور، تتناول المصوّرة الثيمة نفسها في السلسلتين السابقتين، لكن من زاوية مختلفة؛ حيثُ ترصد مساحات خضراء ضئيلة جدّاً وسط أكوام الإسمنت العملاقة، تلك المساحات ليست، في حقيقة الأمر، سوى نباتات في غرف زجاجية للاستنبات وحدائق مغطّاة وتحت أغطية وشبكات شفّافة، لحمايتها من التلوّث ومن الإسمنت الذي يغطّي كل شيء.
لا تختلف بيروت، التي تحضر في سلسلة “بيروت، بيوت بمنازل كثيرة”، للمصوّر اللبناني مروان طحطح (1981)، كثيراً عن القاهرة في ذلك الجانب العشوائي. غير أن الصور تركّز على رصد وعرض تأثير عملية البناء التي بدأت بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990 على أجزاء متفرّقة من المدينة.
اهتمّت العملية بهدم المباني القديمة التي أقيمت عشوائياً على الأنقاض، وكانت المدينة تسبح في أطنان من الإسمنت خلال فترة البناء الطويلة. أمّا اليوم، فتكاد المساحات الخضراء تكون قد انقرضت تماماً، سواءً في الأحياء الفقيرة أو الغنية حول بيروت.
جان بوريس أوي، هو المصوّر غير العربي الوحيد الذي يُشارك في المعرض؛ فهو من مواليد مدينة أبيجان في ساحل العاج عام 1992. لكنه يعيش في مدينة مرّاكش المغربية؛ حيثُ يدرس في مدرستها للعليا للفنون البصرية. ومن هذه المدينة، يستمدّ مواضيع أعماله.
من خلال تركيزه على المباني المتداعية والأماكن المهجورة، يستحضر أوي حياةً ماضية، أكثر ما يحضر فيها هو الغياب، لا شيء سوى الجدران المتصدّعة والنوافذ المكسورة والجمادات التي تُحيل إلى سكون مطلق.
يقول: “لم يكُن هدفي هو تصوير مبانٍ متداعية، بل كنتُ أرغب في سرد حكايات عن تلك المباني واكتشاف القصص التي تبوح بها، ومعرفة ما كانت عليه قبل أن تُصبح على ما هي عليه لحظة التقاط الصور. والأهم، أن أبيّن كيف يتعامل معها الناس الذين يعيشون هنا”.
من جهته، يحضر المصوّر الفلسطيني قيس عسّالي (1987)، بسلسلة “على هامش القدس”، وهو عنوان يُحيل إلى قصّة شخصية جعلت الصور تحوم حول المدينة الفلسطينية المحتلة من دون أن تدخل إليها؛ فعسّال، ورغم أنه يسكن ويعمل في إحدى ضواحي القدس، إلّا أنه لم يتسنّ له الدخول إلى قلب المدينة سوى مرّة واحدة في الأربعة عشر عاماً الأخيرة، بسبب جدار الفصل العنصري الذي جزّأ المدينة وفصلها عن ضواحيها العربية.
هكذا، تأتي السلسلة كتعبير شخصي ردّاً على وجود الجدار الفلسطيني، الذي يحضر في كثير من صورها؛ فحتى المدينة، نُشاهدها من بعيد، من خلاله. بينما نرى في صور أخرى وجوهاً وبيوتات فلسطينيةً عتيقة.
ثمّة قصّة فلسطينية أخرى في المعرض، هي تلك التي ترويها عدسة المصوّر الأردني الفلسطيني حسام مناصرة (1970)، ضمن صور سلسلته “دائرة الألم – 65 عاماً على نهر العودة منتظرون”.
في هذه الصور، يحضر رجل في الواحدة والثمانين من عمره، اسمه الحاج علي أحمد محمد أبو صافي، ويعد أصله إلى قرية إجليل، بالقرب من مدينة يافا الفلسطينية المحتلة. غادر أبو صافي فلسطين عام 1948 مع عائلته التي تركت كلّ ما تملك خلفها، إلى الأردن؛ حيث استقرّ به المقام برفقة أمه وأخيه وخالته في أماكن مؤقّته، على أمل العودة إلى الوطن مرّة أخرى.
اليوم، تمرّ ستّون سنةً على “النكبة”، وقد أصبح لـ أبو صافي، ثلاثة أبناء وخمس بنات، والكثير من الأحفاد وأبنائهم؛ حيث يصل عدد أفراد أسرته إلى 120 فرداً. تحضر تلك السنوات الطويلة في ملامح الرجل التي تركّز عليها العدسة، كما تحضر رغبته في العودة إلى إجليل، في زيّه الفلسطيني، وخريطة فلسطين المعلّقة على أحد جدران المنزل.أمّا، الأردني علاء الدين جبر (1984)، فيتناول في سلسلته “السدود في الأغوار الأردنية”، مشكلة نقص المياه في الأردن، ناقلاً صور سدود على خط الأغوار، والتي تمثّل مصدر المياه الرئيس للزراعة. يعلّق: “هذه السدود لا تختلف كثيراً من الناحية الجمالية عن مشهد البحر أو النهر”.
ويتطرّق العراقي گيلان حاجي عمر (1981)، في سلسلة “مخيّم”، إلى مسألة اللاجئين. لكن من زاوية المياه أيضاً. تنقل الصور مشاهدَ لمخيّم “وارجوسك” في مدينة أربيل الذي يستقبل قرابة 15 ألف لاجئ سوري معظمهم أكراد، متطرّقةً إلى حضور تلك المادة في يومياتهم.
في سلسلة “المدينة… الروح المدنّسة”، يذهب المصوّر التونسي طارق مرزوقي (1975)، إلى مدينة تونس القديمة، يدخل إلى أزقّتها الضيقة، حيث أصبحت القمامة والأغراض القديمة المهجورة جزءاً منها، وهو ما يرى أنه يعكس “نوعاً من البعد أو النفور بين المدينة وقاطنيها وأحمالها القديمة”.
من تونس أيضاً، يشارك في المعرض المصوّر مجدي البكري (1987) بسلسلة تحمل عنوان “المناوبات الليلية”، التي تقترب من الثيمة السابقة؛ حيث تستعرض الصور مشاهد لعمّال نظافة منهمكين في عملهم تحت ظروف قاسية.
“الاتجاه المعاكس”، هو عنوان سلسلة المصوّر المصري كريم أبوكليلة (1988)، والذي يقترح صوراً مفارقة تعتمد على كسر وقلب الصورة النمطية في الحياة اليومية المصرية، والتي تتمثّل في وجود أشخاص في الأماكن الخطأ: فقراء ومشرّدون أمام بنايات فخمة وسيارات فارهة.
ومن خلال سلسلته “العبور في النار”، تلامس صور الفلسطيني شادي بكر ثيمتي القِدَم والتحول، حيث ترصد تحوّل الأشياء عبر النار، في رحلة البحث المستمرّ عن التشكّل.
فكرة التحوّل تحضر أيضاً في سلسلة “معمل الخلق” للمصوّر السوداني، الصادق محمد أحمد (1987). تستعرض الصور بعض الصناعات التقليدية السودانية، لكن، ما وراء الصورة، يلج إلى موضوعات أكثر عمقاً، مثل الخلق والحرية.
أمّا المصوّرة الإماراتية فاطمة اليوسفِ (1987)، فترصد في سلسلتها “ذكريات”، صور مبانٍ وأماكن مهجورة: “أوثّق بقايا القديم في قلب الحديث، وأهتمّ بكيفية تغيّر الأماكن، وما الذي يبنى وما الذي يُهدم”.
وتحت عنوان “غيابات”، تتناول المصوّرة الجزائرية أويل حواطي (1992)، فكرة الغياب من خلال صور التقطتها في منزل جدّها القديم والمهجور، راصدةً التهدّمات والتفاصيل والمشاهد والتركيبات التي تدل على أن شخصاً ما كان هنا. بالنسبة إليها، فإن كلمة “غياب” مناسبة “للتعبير عن اللحظات التي يظل فيها أمر ما معلّقاً”.
ويذهب المغربي عثمان بن جكال (1992)، في سلسلته “عالم في قلب المدينة”، إلى منطقة في قلب الدار البيضاء، حيث يرصد الأماكن الأكثر فقراً. يروي فكرة السلسلة: “من نافذتي، رأيت امرأة تسأل المارة بعض المال، تبعتها لألتقط صورة لها، رفضت ذلك، وأخبرتني أنه يمكنني بدلاً من ذلك أن ألتقط صوراً للمكان الذي تعيش فيه، لعل هذا يكفي لتصوير حياتها البائسة”.




