الرئيسيةزواياثقافة وادبأحمد سعداوي يدخلنا إلى عراق متخيّل عبر "باب الطباشير"

أحمد سعداوي يدخلنا إلى عراق متخيّل عبر “باب الطباشير”

الايام -بديعة زيدان:سبع تعاويذ سومرية للخلاص من هذا العالم” .. هي العبارة التي جاءت أسفل عنوان “باب الطباشير”، رواية العراقي أحمد سعداوي الجديدة، الصادرة عن منشورات الجمل، والتي شكلت مدخلاً مهماً لقراءة الرواية على مستوى البنية، والتركيب، والمضامين، والحكايات السردية المتشابكة في إطار فنتازي تميّز به سعداوي، وبرز جلياً في روايته السابقة “فرانكشتاين في بغداد” الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) 2014، وتكرس في “باب الطباشير” (2017).
والرقم سبعة هو رقم سومري مقدس، ولهذا يجد القارئ أنه حاضر بقوة في الرواية، فهناك سبعة عوالم ندخل اليها من سبعة أبواب، وهناك سبع شخصيات أساسية في الرواية، مع سبع منولوجات، وفصول الرواية هي 21 فصلاً، اي ثلاث سبعات.. عالم الرواية يحوي سبعة فصول منها، وكل فصل مقسم الى سبع فقرات .. ورغم ان الرواية تتحدث عن سبعة عوالم، لكننا سنجد أن الرواية تمر بشكل مختزل على خمسة عوالم ومنها، ويتم التفصيل بثلاثة عوالم: عالمنا هذا، وعالمين آخرين؛ عالم الانقلاب العسكري، وعالم اتحاد الشركات.
وتدور احداث الرواية في العراق، وبالتحديد في تسعينيات القرن الماضي حتى 2012 الى 2013، اي بدءاً من الفترة التي تلت احتلال العراق للكويت، وانعكاسات ذلك على الشارع العراقي، ثم فترة الحصار والعقوبات الاقتصادية، وحالات الانتحار التي ارتفعت وتيرتها بشكل ملحوظ في ذلك الوقت.
علي ناجي هو الشخصية المحورية في “باب الطباشير”، يعمل مقدم برامج في اذاعة محلية (الموقف)، وكان يتعمّد في برنامجه شتم وسبّ الساسة، بما وفر له متابعين كثر .. قبل ان يبدأ عمله في الاذاعة كان تائهاً محبطاً كبقية أبناء جيله من الشباب في تسعينيات القرن الماضي، ما وصل به إلى حد التفكير بتشكيل مجموعة حملت اسم “جمعية المنتحرين”، وهي التي خطط أعضاؤها، أو المنتسبين إليها، إلى انتحار جماعي مع الثواني الأولى من العام 2000، ولكن الجميع يتراجع في اخر لحظة إلا علي، الذي ينقذه الدكتور واصف ويقنعه أخيراً بالعدول عن فكرته، في حين ينجح عضو الجمعية أمير بالانتحار شنقاً، ليكتشف القارئ لاحقاً أن شقيق أمير هو من أطلق النار باتجاه علي مؤسس الجمعية، وكاد أن يقتله، إلا أنه دخل في غيبوبة لعدة أسابيع، وبالتحديد سبعة.
أما عالم الاثار الدكتور واصف عبد المحيي، فيقع بين يديه دفتراً حول تفاصيل الابواب السومرية، يقدمه لعلي في الوقت التي تقرر فيه ادارة الاذاعة توجيه لفت نظر له حول فحوى برنامجه، لعله يتوقف عن الشتم، فيقرر قراءة التعويذات السومرية في برنامجه على مسامع المستمعين للخروج من دوامة الشتائم، وما ان يخرج من الاذاعة حتى يتعرض لاطلاق نار من مركبة مجهولة تلوذ بالفرار، حيث يدخل على اثر ذلك في غيبوبة، يتبرع خلالها احد الممرضين (محمد سدخان) بالجلوس بجانبه يوميا، والتحدث اليه طوال فترة غيبوبته.
ولأن من يقرأ هذه التعاويذ ينتقل عبر أبواب طباشيرية سومرية من عالم الى عالم ومن حياة الى حياة، وفي كل عالم حكايات مختلفة ينسجها خيال قارئي التعويذات، خلال النوم أو الغيبوبة، فإننا ندخل هنا برفقة علي إلى عوالم مختلفة، في كل منها رؤية فنتازية كفيلة بتغيير تاريخ العراق بأكلمه، وكأنها انعكاس لأحلام يقظة بواقع كان يتمناه العراقي علي، شخصية الرواية المحورية، أو الروائي أحمد سعداوي نفسه، كباقي العراقين، واقع أفضل من المعاش اليوم، وهو ما تحمل فنتازيات رواية تغرق في تفاصيل الواقع العراقي، وتدفع بالقارئ للتعمق بعض الشيء في هذه التفاصيل، لمواكبة أحداث الرواية، والتفريق بين الواقع والمتخيل.
ويقول سعداوي لـ”أيام الثقافة”: هناك ثلاثة جوانب في ما يتعلق بالتعويذات: جانب تاريخي، فالعراقي القديم كان في علاقة معقدة مع “الآلهة”، فهو يحسدها واحياناً يكرهها لأنها احتازت الخلود وتركته للفناء، على خلاف العقائد الفرعونية مثلاً، وحتى مسعى الخلود المتجسد في الأدب الرافديني العراقي القديم، ومنها ملحمة كلكامش، فهو مسعى بشري لحيازة شي إلهي؛ أي الخلود.
وأضاف: غالباً ما كان عالم “الآلهة” لا يختلف بشيء عن عالم البشر، سوى أنه اكثر طمأنينة واستقراراً، بالقياس الى حياة البشر (العراقي القديم) المليئة بالاضطراب وعدم الطمأنينة. . العراقي من هذه الناحية يستخدم الرقى والتعاويذ لخرق ما بين العالمين، وللانتقال الى عالم أفضل، أي عالم الآلهة، أو عالم البشر الذي احتازوا صفة الآلهة لمجرد أنهم مرتاحون مطمئنون، وهناك أيضاً جانب معاصر؛ ففي الثقافة الشعبية العراقية يستخدمون الرقي والتعاويذ، بل إن البعض يتعاطى مهع الأدعية الدينية بصفتها تعاويذ لدرء الموت وجلب الاحبة سالمين.
وشدد سعداوي: نحن نلجأ الى التعاويذ بشكل مستمر كي تحقق لنا خرقاً ما في المتوقع، كي يعود الأبن والزوج من لجة النيران سالمين، أما الجانب الثالث فهو جانب نفسي اجتماعي؛ فكثيراً ما نحاول تذكير أنفسنا، كنوع من الوقاية النفسية، بمقولات وحكم وخلاصات معرفية، وعملية التذكير هذه صارت وكأنها استدعاء لطاقة ما في هذه المقولات.
الفصل الاول كان بعنوان “الميت الحي”، وفي خط سردي متواصل حتى الفصل الرابع المعنون بـ”المتجول بين العوالم”، تجري الاحداث في العالم الواقعي، وفي نهاية يدخل علي في غيبوبته.
ولكن الفصل الرابع على عكس الثلاثة الأوائل يتراوح ما بين الواقع والمتخيل، فالممرض المسن محمد سدخان، يسعى إلى تحفيز العقل الباطني لعلي الغارق في غيبوبته، عبر حكاية تلو الأخرى تجري في عوالم مختلفة شكلت مشوار حياة هذا المسن أو ذاكرته أو مخياله، ومنها حكاية “فالح الاكتع”، الذي بات رئيساً لوزراء العراق حسب ما يمكن وصفه بهلوسات أو تخيلات سدخان، والتي “شطحت” باتجاه الحديث عن تنحي صدام حسين وتولي ابنة قصى الحكم، قبل أن يصدم الغائب عن الوعي بإخباره “أما انت يا علي، فقد تسلمت منصب مدير اذاعة بغداد”، قبل أن يحدثه ايضا عما يصفه بـ”العالم الثالث”، وفيه يقتل علي في منتصف العام 1996، في الحرب الاهلية الطاحنة، التي كانت في تلك الفترة تشبه كثيراً الحرب الأهلية في لبنان، حيث القتل على الهوية الدينية والمذهبية والطائفية، وليس كذلك فحسب، بل إن الممرض المسن سرد أحداثاً تبدو ضرباً من ضروب الجنون، وكأنه يهرب بعليّ من الواقع الاليم الذي يعيشه كما العراق، الى افتراضات او ربما حلول يتنماها، أو بات يتمناها كل عراقي، أو غالبية العراقيين، لعله يستفيق من غيبوبته إذا ما علم بشيء من هذه السيناريوهات المختلفة أو المختلقة.
وما بين الفصل الخامس (حياة أخرى)، والفصل العاشر (ما يقوله التاريخ)، يأخذنا علي معه عبر باب من ابواب طباشيرية جديدة، بعد التعافي المفترض أو الملتبس ما بين حقيقة وخيال من جراجه، حيث يحل البرلمان ومجلس الرئاسة والوزارات والهيئات المستقلة، وتحجز الاملاك والاموال بعد انقلاب عسكري بقيادة عبد العظيم صديق علي في فترة الدراسة الجامعية وما تلاها، حيث يختاره مستشاراً مقرباً منه هو الذي كان يعرف بـ”الفيلسوفط، فيما يستمر علي الى جانب عبد العظيم، ويعمل على حمايته، الى ان تنفجر بالموكب الرئاسي سيارة مفخخة تودي بحياة “الزعيم” عبد العظيم فيما يصاب علي بجروح وحروق.
واللافت أن عبد العظيم هذا، يطل بين فترة وأخرى من بين فصول الرواية، ليلعب في كل مرة دوراً متخيلاً، فتارة يكون الرئيس المنقلب، هو الضابط في الجيش العراقي أساساً، وبالوراثة، وتارة أخرى يظهر بثوب زوح ليلى معشوقة علي .. ليلى التي كانت تدرس معه في ذات الجامعة، وافترقا لاكثر من عشرة سنوات، حيث تزوجت وانجبت ولدان، في حين بقي علي يتذكرها من فترة إلى أخرى، حتى التقاها في بيت صديقه الدكتور واصف، وكان برفقتهم صديقهم المشترك عبد العظيم .. ولا ندري إن كان هذا ما حدث فعلاً، أو أنه ضرب من ضروب الخيال أيضاً.
وما بين الفصل الثاني عشر (في المصحة) والفصل السادس عشر (المنتحر) يدخلنا سعداوي برفقة علي إلى عالم رابع، يكون فيه “بطل الرواية” مدمناً في مصحة على عقار يبدو متخيلاً أيضاً يحمل اسم “الثيلكسود”، وهناك، أي في المصحة، يعالج علي لعله يشفى من ادمانه على “الثيلكسود”، حيث يظهر هنا متزوج وله ولد رضيع، مات ووالدته في حادث سير أصيب على إثره علي بصدمة عصبية، ومن ثم يتذكر علي نفسه انه اصيب في انفجار مع عبد العظيم الذي فقد حياته.
يبقى علي حبيس المصحة بينما تعم البلاد فوضى كبيرة عقب مقتل الزعيم والقائد الاعلى لمجلس الضباط الانقلابين، لتختفي التركيبة السياسية التي ادامت النظام السياسي منذ العام 2003 الى اليوم .. في هذه الاثناء كانت ليلى تزوره بين فترة واخرى بعدما قتل زوجها الضابط أو الزعيم، وترك لها طفلين يتيمين، أما الدكتور واصف فلم يعد يقيم في بغداد منذ الاحداث الطائفية، وهاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية، ليؤسس متحفاً عراقياً بديلاً للآثار هناك، قبل أن تنتهي حكاية علي في الفصل الحادي والعشرون والأخير (عالم سابع) بنهاية غير متوقعة تتأرجح كبقية الرواية ما بين واقع ومتخيل، وكأن حكاية العراق كلها تبدو ضرباً من ضروب الجنون.
وختم سعداوي حديثه لـ”أيام الثقافة” بالقول: القارئ المتعجل قد يفقد الحدود وتختلط عليه العوالم، ولكن القراءة المتأنية ستريه فصلاً واضحاً وسلاسة في الانتقال بينها. . بالتأكيد هذه الرواية فيها بعد تجريبي، وابتكار، وهي قد تخيّب أمل القارئ الذي يبحث عن بطل شعبي وقصة مطاردة مثيرة كما هو الحال مع “فرانكشتاين في بغداد”، ولكنها سترضي من يبحث لدى أحمد سعداوي عن تجربة مختلفة وجديدة، ويريد منه أن لا يكرر تجاربه وعوالمه الكتابية.. أرى أن من مهمات الكاتب الذي يحقق نسبة عالية من المتابعة وقاعدة قرّاء جيدة، أن لا يستجيب الى المتوقع، وأن لا يغازل وعي القراءة الكسول، وأن يحاول دائماً الموازنة ما بين ضرورة التواصل الفعال مع قاعدة قرائه، وايضاً ان يعمل على رفع الذائقة الأدبية، وسط الانحدار الرهيب الحاصل حالياً.

مقالات ذات صلة

ابق على اتصال

16,985المشجعينمثل
0أتباعتابع
61,453المشتركينالاشتراك

أقلام واَراء

مجلة نضال الشعب